تحيةٌ طيبةٌ...
في أدناه دراسةٌ متواضعةٌ لنصِّ قصةٍ قصيرةٍ جدًا، حققَ المركز الأول في مسابقة للققج، للإستاذة "بهيّة إبراهيم الشاذلي".
أرجو أن تكونَ قد غطّتْ معالمَ النّصِّ، و قدمت الفائدةَ و المتعةَ بكلِّ أمانةٍ علميةٍ.
الثّنائيَّةُ الضِّدِّيةُ.. ما هي؟
الثنائيةُ الضديةُ ظاهرةٌ فلسفيةٌ، تَمَّ سحبُها على النّقدِ الأدبي، وَ لها طرفان متضادّان؛ مثل:- زيادة/نقصان، ذكر/أنثى، سلب/إيجاب.
هناك مَنْ يقولُ:- إنَّهما يتحدان ليكوِّنا
وحدةً أصليةً. و يرىٰ آخرون.. ان هذه الأضداد تقومُ على صراعٍ دائمي، و هو مصدرٌ للخَلقِ و التوليد. (أ. د. سمر الديوب- بتصرف)
و الثنائيةُ الضديةُ اِنعكاسٌ لمظاهرِ الكون، و تقلباتِ النفس البشرية، نلمسُها في اللّغة و في الأدب تحديدًا، للتعبيرِ عن النفس!
و هما لا يجتمعان، بَلْ يسيران في خطّين متوازيين. و القصة القصيرة جدًا- موضوعنا المعروض- ترتكزُ على التجديد في اللغة و تقنياتها، المبنية على ظواهر ثنائية مفارقة في جدليتها الواقعية و التأريخية، و في النظر للذات و العالم بمنظار غير مألوف، ومن جملةِ تلك التقنيات "الثنائيةُ الضدّية"!
النص:- (هَشَاشَةٌ)
تَوَكَّأَتْ عَصَا الوَهْمِ.. تَشَبَّثَتْ بالذِّكْرَيَاتِ، قَادَتْهَا خُطَاهَا لِسُلَّمِ المَجْدِ المَزْعُومِ؛ صَعِدَتْ إِلَى القَاعِ.
( بهية إبراهيم الشاذلي/مصر)
هذا النصُّ فازَ بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة جدًا. نتناولهُ كمثالٍ للثنائيات الضديّة التي حملها بين طياته، و أكسبته درجة متقدمة في الحِبكةِ القصصية، لتتابع أحداثها المتسلسلة، التي كوَّنتْ جسدَ النصِّ مَع الإحتفاظ بعلاقة وثيقة بينهما، بُغيَة توليد أثرٍ عاطفيٍّ و فنيٍّ في ذوق المتلقي، كي تتضحَ أمامهُ أجواءُ القصة، و ليصل إلى ذروة الٕانفراج للعقدة.
و مِنِ السهولة بمكان معرفة عناصر النص اذا لاحظنا:- (البداية- العقدة- النهاية)
البدايةُ.. الإعتمادُ و الإتكاءُ على مرتكزٍ ما، نتيجة عجزٍ أو ضعف أصابَ المتكئَ!
أخذتِ 'القاصَّةُ' القارئَ إلى جُمَلٍ تَلَتْ جملةَ الإفتتاح، و بشوقٍ و جاذبية.
العقدةُ.. لكنْ بعدَ تشابكِ الأحداثِ القليلة، ذات التكثيف اللّغوي العالي (١٢ كلمة فقط)، وقَعَ القارئُ في أزمةٍ، عَقَّدَتْ عليه المشهدَ الدرامي، و دعتهُ إلى البحثٍ عَن نهايةٍ لهذه 'الورطة'!
فَمنِ التعلقِ بخيوطِ أوهام الذكريات، و محاولة تسلّقها لنيل مجدٍ مزعوم.. إلى سقوطٍ في القاع! بمعنى:-
إنّ كلَّ ما يحصل لكَ أيُّها 'الطوباوي' في تفكيرهِ و أمانيه.. ما هو إلّا محضُ خيالٍ لا يُشبعُ من جوعٍ و لا يُغني من فقر!
النهايةُ.. فالصعودُ الوهميُّ لدرجاتِ سُلَّمِ السّمو، هو في الحقيقةِ.. سقوطٌ مدويٌّ في دَركاتِ القاع!
تَحليلُ النصِّ:-
أولًا:- العنوانُ (هشاشةٌ)..
لغةً:- بمعنى= رخاوةٌ و سهولة اِنكسار، أو- ما يقبلُ الإنكسار بسهولة.
أمّا هشاشةُ العظام.. فهي مرضٌ خِلْقيٌّ يصيبُ الهيكل العظمي.. لا يعنينا هنا!
يُعَدُّ العنوانُ في الققج أولَ عتبةٍ ينبغي اجتيازها للتوغل في جسد السَّرد. و هو أولُ ما يَلْفِتُ انتباه المتلقي.
هنا جاء إسمٌ مفرد نكرة، لا يفضح مضمون القَصِّ، بلْ يَمنحُ فرصةً و حريةً للتأمُّلِ و التَأويلِ لِما يتضمنهُ النصُّ، و كذلك السَير بموازاة أحداثه.
وَ ثَمْةَ علاقةٌ طرديةٌ بينَ العنوان و غوايةِ المتلقي، فكلّما ازدادتْ شاعرية العنوان أو خرقَهُ للمألوفِ.. زادتْ غوايةُ المتلقي!
و العكسُ صحيح.
ثانيًا:- الشخصيةُ و بيئةُ النَّصِّ:-
تُعَدُّ شخصيةُ النّصِّ محورَ الحدث، و زمانَ و مكانَ أفعاله، و عقدته و طبيعة الصراع فيه.
و لا قيام للقصّة فنيًا.. دون شخصيةٍ رئيسة فيه، سواء كانت انسان أو حيوان أو نبات أو جماد...
و هي أشبهُ أن تكونَ مخلوقًا على الورقِ! لا علاقةَ له بشخصِ الكاتب، إلّا بحدود ما تأخذه من ملامحِهِ قليلًا او كثيرًا. و هي كائنٌ يجمعُ بين الواقع و الخيال.
و تبدو الشخصية في النص "هشاشة" مركزية، أفعالُها و ضمائرها المتصلة تُوحي بجنسِ تلك الشخصية. فلا تَعْدُو ان تكون فكرةً، عقيدةً، أمةً، إمرأةً، ثورةً.. إلخ.
فأرى.. شخصيةَ النصِّ- هنا- تحتملُ أن تَتَمثلَ في أكثر من " مخلوقٍ على الورق"، فهي إمّا:- أولًا- الأمة العربية، أو- ثانيًا- إمرأة ما.
ففي "أولًا" أبدعتِ الكاتبة في تتبّع حال الوضع الراهن لأمة خارتْ قواها، على ما نراه، و انهكتها طعنات 'الغير' الطامع، و هو يستعملُ مِبضَعَ الحقد لتجزئة أوصالها، فأمست في ليلِ مستقبلها متشبّثة بماضيها و أمجادها السّالفة دون جدوى، على أمل اعادة ريادتها و عزّها التَليد.. لكن هيهات!
ففي الوقت الذي يَحْدُوها الإرتقاء.. أسقطها وَهمُها في الدَّرك الأسفل، لهشاشة و انكسار و رخاوة موقفها و واقعها الذي تَتعكَّزُ عليه، و صار مَحطَّ أطماع مصالح أقليمية و عالمية!
أو في "ثانيًا" تَكادُ تكون الشخصيةُ إمرأةً ما، تَلَبَّسَتْها أوهامُ ذكرياتٍ مؤلمة لا تَنْفَكُّ تفارقها، مَعيشَتُها ضَنْكًا، في مجتمعٍ قاسٍ، لا تَقوى على التّخلص من أعرافه، و سهامِ مَنْ هَبَّ و دَبَّ، حتى شخصيتها في سالف الزمان من الشهرة و المجد.. لم تَشفعْ لها في خِضم إحباط و يأس، لم تصمدْ إزاءَهُ، فآلَتْ بها الأيامُ إلى الإنحراف و الصّعود العكسي في تصرفاتها!
ثالثًا:- الثنائيةُ الضديَّةُ في النّصِّ..
* توكأتْ عصا الوَهمِ (واقع/زيف)
اعتمدت الشخصيةُ عصًا حين بادرت بالنهوض، و الاعتماد يحصلُ على شيءٍ مادي ملموس، واقعي، بينما الوهمُ افتراضٌ لا اساسَ له بالواقع، يقوم به الدماغ خلال ادراك حسّي زائف، قد يصل إلى الهلوسة.
* تشبّثت بالذكريات (حاضر/ماضي)
تمسكتْ برأي ما، أو تعلقت بأمر ما، بصلابة و اصرار، و ذلك.. لا يُمكِّنُها التَّعلقَ إلّا بالظل الزائل و الذكريات الماضية، و حتى لو سُطِّرَتْ على ورقٍ و حُفِظَتْ في بطنِ التأريخ، فهي رواياتٌ لا يُعْتَدُّ بها اذا جَدَّ الجِدُّ!
* قادتْها خُطاها لسلم المجد المزعوم (أمام/خلف)
الخُطىٰ لا تكونُ إلّا إلى الأمام، و القَهْقَرَى نكوصٌ و تراجعٌ إلى الخلف.
و الصعود إلى الذروة، في جانب.. يوازيه "الزَّعم" و هو الظَنُّ بالقول دون دليل، أي: أمرٌ كاذب!
فكأنما قادتها خُطاها إلى أمرٍ لا وجودَ له، و هذا ضياعُ هدفٍ، و ضلالةٌ ما بعدها ضلالة!
* صعدتِ إلى القاع (ارتقاء/نزول)
... فبذلك السُّلم، نزلت إلى الدَّرك الأسفل إلى القاع، أملًا بالإرتقاء.و هي نهايةٌ محتومةٌ لذاك التَشبِّث بالأوهام و أحلام اليقظة!
أخيرًا...
هذه الثنائياتُ التضادّية، نقلتْ ثِيمَةَ القَصِّ من كلماتٍ إلى أحداثٍ متفاعلة مع بعض، برزت من حركة الأفعال..
(توكأ، تشبّث، قاد، صعد)، حيث لعبت دورًا مهمًا في تفعيل النص و إضفاء حركة و حيوية عليه...
و بالتالي التأثير على نفسية و ذوق المتلقي و اقناعه، فكشفت جماليات النص و ما يحمل من دهشة و ربط بين المتناقضات، و تفاعلها رغم الضدية.
و لا بدَّ ان نَذْكُرَ هنا.. اننا تجنبنا الخوضَ في العناوين الكبيرة ، كالثنائيات الضدية و تفصيلاتها، و بناء القصة القصيرة جدًا و حيثياتها..
و اكتفينا- بكل تواضع- بقراءة نص انتزع من لجنة تحكيم في مسابقة القصة القصيرة جدًا، أعلى الدرجات، و هو يستحق ذلك.
مع أطيب التحيات
*******
صاحب ساچت/العراق
