زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مقال _ حول الغنوصيّة _ بقلم: الأديب /خالد العجماوي


 



 حول الغنوصيّة


*******



عرفتها منذ عشر سنوات مضت، من خلال رواية عزازيل ليوسف زيدان، ومن بعدها كتاب ظل الأفعى، والذي استغربته كثيرا وقتها لغرابة ما ورد فيه من أفكار تغاير ما نألف ونستسيغ. 

وقد بدت الكلمة أول ما سمعتها غريبة؛ وكأن حروفها تشير إلى عمق ما، أو ربما لأن حروفها هي نفس كلمة "غوص" مثلا، ففسرتها بأن الكلمة تدل على شيء خفي ومستتر.  

ولم أكن قد جنحت عن الصواب شيئا كثيرا، إذ أن الغنوصية عقيدة خفية تكاد تكون محجوبة، بل ومنبوذة إلى حد بعيد. والغنوصية كلمة مترجمة عن اليونانية القديمة: Gnosticisim والتي تعني المعرفة الحقيقية. وقالوا إن الكلمة Gnosis قد حرفت إلى الإنجليزية لتصبح knowledge.  وكما هو ظاهر فإن كلا الحرفين G و K لا ينطقان في اليونانية والإنجليزية على حد سواء، بينما وضع لهما حرف "الغين" ليكون بديلا لهما أثناء التعريب. فصارت كلمة الغنوصية كلمة معربة عن Gnosticisim، حيث أراد المؤمنون بها أن يجعلوها بمعنى المعرفة الحقة، أو العرفان العميق.

ورغم اختلاف العقيدة الغنوصية عن الأديان الإبراهيمية الثلاثة في مسألة النشأة الأولى للإنسان، فإنها لا تجد غضاضة في أن تتلبس أيا من العقائد تلك، فتصطبغ بصبغتها، وتتشكل على هيئتها، حتى أنك لترى مثلا غنوصية يهودية، ومسيحية، بل وغنوصية إسلامية. ويبدو أنها قد بدأت قبل ظهور ابراهيم، بيد أن شكلها المميز لها قد تحدد مع ظهور اليهودية كعقيدة دينية متفردة. حيث وجدت نفسها عند جماعة يهودية تدعى الكابالا، وقد اختاروا لأنفسهم إيمانا مغايرا عن باقي اليهود الذين استأنسوا بموسى وشريعته، وآمنوا بأسفاره المقدسة.

وكما هو معلوم فإن سفر التكوين هو أول الأسفار الخمسة التي تمثل التوراة عند اليهودي المؤمن، وهو الذي يحكي عن الرب يهوه، والذي خلق الإنسان من تراب، ثم حرم عليه الأكل من شجرة المعرفة، والتي إن أكلها صار عارفا بالخير والشر، ومن ثم يصبح شبيها بالرب طبقا للإيمان اليهودي. والغنوصية تصطدم في جذورها مع هذه البداية الرئيسة في وصف النشأة الأولى. حيث ترى أن ثمة إله كليّ عالٍ، لا ينبع منه إلا كل صاف وجميل، وليس يخرج منه أي شر أو إثم، ولما كانت أفعال الإنسان في مجملها قد غلب عليها الشر والرغبة في التدمير والفساد، فقد رأت الغنوصية أن الإنسان ليس مخلوقا لذلك الإله الخيّر الجميل،  وإنما هو مخلوق من إله أدنى، ليس محبا للخير، بل ويصنع الشر وأسباب الفساد، وهو إله غيور، وحقود. وهكذا أوجدت الغنوصية عقيدة المثنوية؛ أي أن ثمة إلهين في هذا العالم: إله الخير  الصافي المجرد، والذي هو الأصل السماوي العالي، وإله أدنى يحب الشر ويصنعه، وهو الذي أوجد  الأرض والسماء، وخلق البشر وصنوف الحيوان. ويفسر الغنوصيون تحريم الأكل من شجرة المعرفة في سفر التكوين على هذا المنحى من التفسير، فيرون أن معرفة الخير والشر تؤول في النهاية إلى معرفة الإله العالي الجميل ذاك، وهو ما يكرهه الإله يهوه، مما يدفعه إلى أن يحقد على الإله الأسمى، فحرم على آدم أكل شجرة المعرفة كي لا يتعرف على ذلك الإله السامي.

 وترى الغنوصية أنه ورغم ما فينا من طبيعة شريرة وآثمة، فإن الروح في دواخلنا الدفينة إنما تتصل بالإله الأسمى النوراني البعيد، وأن  تلك الروح هي التي تدفعنا إلى حب الخير، وإلى الركون إليه. وكما هو باد فإن تلك العقيدة العجيبة تصطدم بفكرة الوحدانية المطلقة التي انطلق منها دين ابراهيم، ومن بعده شرائع موسى وأسفاره، فظلت عقودا تستتر وراء حجب من الغموض والسرية، لا يكاد يعرفها إلا ذلك العالم بها، أو ذلك الذي آمن بفكرتها العجيبة عن أصل البداية هذه. وقد استطاعت الغنوصية أن تتوغل في العقيدة المسيحية كذلك، حتى أن أتباعها يرون أن المسيح ليس ابنا ليهوه رب اليهود، وإنما هو مبعوث الإله الأكبر والأسمى، والذي يحمل بين يديه الخير والجمال، والروح الصافية التي تتجرد عن المادة الخبيثة. واللافت في الغنوصية المسيحية أنها لا تؤمن بموت المسيح على الصليب، وإنما ترى أن ما عُلّق على الخشبة كان طيفا أو شبها له وليس جسده بأي حال. ويبدو أن تلك الرقائق والمخطوطات التي اكتشفت في مدينة نجع حمادي في صعيد مصر، إنما كانت لغنوصيين هربوا بكتاباتهم من بطش المسيحية في الشام، حتى وصلوا إلى بلاد النيل، فدفنوها هناك خوفا عليها من الضياع. وكما ذكرت سابقا هنا؛ فإن الغنوصية قد استطاعت الدخول إلى دين الإسلام بطرق عدة، حيث وجدت لنفسها مكانا عند الباطنية والإسماعيليين إبان الدولة الفاطمية. كما يرى الكثيرون أن في بعض الطرق الصوفية مرتعا لها، وملاذا أخيرا لهذه العقيدة الغامضة. ولا أدري هل لاتزال الغنوصية تحتفظ بعقيدة المثنوية العجيبة هذه؟ أم ربما اندثرت مع الزمن فلم يبق منها غير البحث الداخلي عن تلك الروح النورانية الداخلية،  والتي يرى أتباعها أن العلم الحقيقي إنما ينبع منها، وأن السعادة الحقة إنما هي من داخل الإنسان ومن صميم تلك الروح المدفونة فيه. وهي في ذلك تشبه تأملات الصوفية عندنا في الإسلام، كما أنها تتشابه في ذلك مع البوذية في بلاد الشرق الأقصى، والهندوسية كذلك في الهند، بما تراه من عقيدة النيرفانا وما فيها من وصول إلى حالة الذوبان في العالم الروحاني العالي. 

وترى  الغنوصية كذلك أن الإنسان الأول قد عرف الحقيقة المطلقة، والروح النورانية داخله من خلال الأنثى وليس الذكر، حيث كان الأخير مشغولا بالصيد وتوفير الطعام، بينما كانت هي أكثر استقرارا، وبالتالي أكثر تفكيرا وحكمة! ومن ثم فإن سيطرة الذكور على الإناث طبقا لتلك الفكرة لم تكن ذات معنى حتى ظهر العهد القديم، والذي صوّر غواية الأفعى لحواء كي تأكل من الشجرة المحرمة، ثم صور كيف أغوت حواء آدم كي يأكل معها بدوره، فوصمت الأنثى على مر العقود بوصمة الذنب وعقدة الخطيئة الأولى، كما يرى الغنوصيون أن ظلم الأنثى قد وصل إلى مداه حين سرد العهد القديم كيف أن الرب يهوه قد قرر أن يعاقب حواء، بأن جعل الرجل هو السائد المسيطر، كي تظل هي تابعة ومحكومة. 

وأخيرا؛ فإن عقائد البشر تتفاوت وتتمايز، في كل عهد وكل عصر. ولكن يبدو أن هذه العقيدة السرية استطاعت أن تجول بين ثنايا العقائد المختلفة، فتلبست أثوابا عدة، وتداخلت مع ثقافات مختلفة، حتى لترى أتباعها لا يجدون غضاضة في اتباع دين معين مع اتباع تلك الفكرة الغريبة. ويبدو أننا في زمن تتكشف فيه بعض تلك العقائد الغامضة، حتى صار أصحابها ينادون بها دون مواربة أو تخف، بل ويزعم أولئك أن الإنسان إنما يولد على الغنوصية، ومن بعدها يتحول عنها حسب ما يتلقى من ملوثات فكرية وروحية من خلال أبويه!

وأيا يكن، فإنه يبدو أن ما نعرفه لايزال قشورا عن تلك العقيدة الغريبة.

 والمهم في ذلك المنحى العقدي الغريب، هو ما قد ينتج- أو نتج- عن تلك العقائد في الأنظمة العالمية في البلاد المختلفة، فهل يا ترى كان لتلك العقيدة أي أثر في بلاد أخرى، فأثر في حكامها مثلا، أو غيّر في سياساتها؟ هل لها منظمات تدعو لها، ولو من خلال أسماء مغايرة وغير مباشرة؟ هل لتلك العقيدة أي أثر في السياسات الخارجية للدول؟ هل تسعى نحو تبشير خاص بها؟

ربما.


********


خالد العجماوي










































عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية