زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة _ بقلم: الكاتبة / عبير عزاوي _ في قصة " آخر ما كتب الجلاد " للكاتب / خالد العجماوي


 




قراءتي في نص آخر ماكتب الجلاد للكاتب خالد العجماوي 

Khaled Elagamawy


النص


 آخر ما كتب الجلاد

قصة قصيرة.


قبل أن تقرأ:

كل أحداث القصة من وحي الخيال المحض، أو هي من شذرات الماضي البعيد ، وهي لا تمت بأي صلة إلى واقعنا اليوم في بلادنا العربية ، حيث أنعم الله علينا في هذه الأيام  بالعدل الناجز، والخير الوفير، والديمقراطية المنصفة. 

شكرا لحظوظنا التي جعلتنا نعيش حتى نرى هذه الأيام

*******


لست أخشى الموت، ولا أهاب الحساب. المشكلة فقط في الكيفية والوسيلة. أريد نهاية شريفة، كنهاية جندي يحمل بندقية فترديه طلقة على الصدر في ميدان المعركة. لم أجرب المعارك. لم أعرف كيف أصارع طرفا يكافئني في القوة والرغبة.  لم أجرب إلا أن أكون قويا، وأن يأتيني مخلوق هزيل وذليل، فتفور في نفسي شهوة البطش، وتثور فيّ النشوة حين أسمع صوت الصراخ، والاستجداء. حين أرى شكل الجلد يتمزق، ومنظر الدم وهو ينزّ. رائحة القيح، مع صوت الأنّات، والتوسلات. 

كنت جذر الدولة. أساسها وخرسانتها المسلحة. وكلما ازدادت سفالتي علت هيبتنا وعزت. أعداؤنا في كل مكان. لقد تخطوا الحدود وصاروا حولنا كالهاموش. وقد تعبت. من يظن أن عملي ليس مرهقا إلى حد الإنهاك؟

هل تستطيع أنت أن تجفل ليلا وصراخ أحدهم لا تزال أصداؤه تمتد في أركان نفسك كالأخطبوط؟ كانت تثور شهوتي حين أضع العصا في مؤخرة العصاة ولكن صوت أنينهم بعد أن أنتهي لايبرح أذني ويصيبني بالصداع. أذكر أني طلبت أكثر من مرة أن أترك العمل وأستقيل، لكن كان  طلبي دوما ما يواجه بالرفض. الرفض التام والصريح، والذي يخالطه نظرات الوعيد. الاستقالة في مثل هذه الظروف خيانة. وعملك شريف وطاهر.  تذكر أنك من دعائم هذه الدولة المحترمة.  وأنك جندي مجهول في ساحة المعركة. معركة؟؟! كم أتوق إلى معركة. أريد أن أتلقى الضربات. أن أقاوم. أن أضحي لأجل فكرة أو من أجل قضية!

قررت أخيرا أن أخوض معركة. ربما يتوقف صوت الأنين اللعين ذاك عن أكل أذني. أو ربما تتوقف أنفي عن شم القيح والدم. 

"أنا هو"

قلتها وأنا أشير إلى صدري. قصدت أن أجعلها واثقة ومستفزة. وجدت في عينيه نظرات التردد والخوف. لم ينظر إلى عيني..بلل جبينه العرق البارد. قال وصوته يتهدج:

- لم أفهم.

- أنا الجلاد الذي قتل أباك. 

ارتعشت شفتاه..قال وهو يتحاشى النظر:

- مات أبي على فراشه.

قررت أن أسدد ضربتي الأخيرة. شققت قميصي لأكشف عن صدري العاري. 

- خذ حقك. 

ارتعدت فرائص الرجل كفأر مبتل.  ركع على ركبتيه كي يقبل قدمي. قال في توسل:

- أرجوك دعني أمضي إلى حال سبيلي. 

جن جنوني. إن الجبان يرفض حتى أن يمنحني شرف الصراع. سجد على الأرض وهو ينتحب..قبل قدمي..لعق الحذاء. هتفت:

- لقد سرقت شرفك. أتفهم؟ سرقت شرفك.

انسلَّ من بين يدي كضفدع.  اتجه صوب الباب، فتحه وركض كمن يهرب من شيطان. لم يمنحني شرف الصراع. الجبان!

هل أستطيع أن أجد غيره؟ ومن يدريني أنه لن يكون أحقر؟ أخبرته أني سرقت شرفه ولم يحاول حتى أن يحاول!

لم أعد أحتمل.  صوت الأنات يدق في رأسي كالطبل.  رائحة القيح تزكم أنفي، ومنظر العصا في المؤخرات يحجب عني ضوء النهار. أهو عذاب الضمير؟ هل معركتي ستكون مع ضميري إذن؟ لماذا أنا؟ فوق الأرض مئات الجلادين، وتحت الأرض ألاف، فلماذا لم يصحُ إلا ضميري التعس؟ هل يكابدون ما أكابد؟ ضاق صدري حتى كدت أختنق.  هربت إلى الشارع وأنا أحاول أن أصل إلى شعاع الشمس. وجدتها أمامي. امرأة كبيرة تعرج في مشيتها وتحمل حقيبة خضار. كانت مناسبة!

اندفعت نحوها وخطفت الحقيبة وركضت. صرخت:

- حرامي!

وجدت جيشا من الرجال يزمجرون وهم يركضون ورائي.

وجدت معركة في الأخير!


*********************

  القراءة 


نبوءة الجلاد

تداعي الوعي السردي 


هو في معركة ويبحث عن معركة .معركة أخيرة شريفة أم لا ..لايهم فهو لم يهتم للشرف يوما لا شرف الخصومة ولا شرف القتال ولا شرف النهاية .

هو (عشماوي ) : رجل المهمات القذرة ، وهو لاينكر ذاته ، لكنه يصل لمرحلة القرف المزري فيبحث عن خلاص. 

لكنه لايريده خلاصا فردياً متقوقعاً على نفسه خجلاً مما ارتكب من فظاعات ، بل يريده خلاصاً مدوياً،  يشغل فيه من حوله ، خلاصا خارجيا فهو أجبن من أن ينهي معاناته بنفسه بطلقة في الصدر او حبل حول الرقبة او كأس من السم .

هو أجبن  من أن يواجه بشاعة المصير الذي ينتظره فضلاً عن استجلاب ذا المصير .

حاول الكاتب أن  ينقل لنا التداعيات النفسية العميقة للجلاد لكنه لم يغص عميقاً في تشريح النفس الموغلة في المرض والانحراف للمستبد ، بل اكتفى بملامسة رغبة دفينة في الخلاص بأسهل الطرق .

فكيف برجل يرتكب كل يوم هذه الممارسات حتى لغدت قوته اليومي (وضع العصا في مؤخرة العصاة ، القتل ، هتك الأعراض ) ولكنه في لحظة صحوة ضميره يسخط على هذا الضمير النكد فكيف يصحو وينغص عليه عيشه بينما على الأرض وتحتها  آلاف الجلادين الذين لم ولن يصحو ضميرهم   ( لماذا أنا ؟ فوق الأرض مئات الجلادين  وتحت الأرض آلاف فلماذا لم يصح إلا ضميري التعس 

هل ستكون معركتي مع ضميري ) حيث تشكل هذه الجملة بؤرة السرد يقدمها لنا الكاتب طوعاً وهو بذلك لا يكشف سرا ولايهتك ستر سرده بل يمعن في إيهام القارئ بصدق نية الجلاد في التوبة فهل يتوب بلاعقاب ..


يتقمص الكاتب دور الجلاد ببراعة يدخل في جوانيتها ويشاركها توقها للوصول إلى حل لمعضلة الخلاص من تأنيب الضمير،  ينقل للمتلقي الصراع الذي يعتمل في داخله ولكنه يبقى صراعا سطحياً ذو جانب واحد لايغوص إلى العمق السيكولوجي للجلاد ولا يقدم تبربراً لاستسلام الضحية وامعانها بقبول الذل بل التوغل عميقا فيه .

يعتمد على المفارفة المؤلمة بين فعل الجلاد وطلبه (نهاية شريفة

وبين انتهاك الضحية السافر واستمرائها هذا الانتهاك دون مطالبة بالقصاص بل مجرد التفكير فيه . 

و لعل ذلك يقدمه الكاتب كنوع من عقاب الجلاد على أفعاله لأن العدول عن الانتقام يسبب للجلاد عذاب ضمير مضاعفاً 

ثم ما الذي يمنع أن يكون الجلاد هو نفسه ضحية جهاز أكبر دفعه دفعا ليكون جلاداً ( أذكر اني طلبت أكثر من مرة ان اترك العمل وأستقيل ، لكن كان طلبي دوما ما يواجه بالرفض ، الرفض التام والصريح .والذي يخالطه  نظرات الوعيد الاستقالة في مثل هذه الظروف خيانة) وليس هذا فقط بل هو( عمل شريف وطاهر تذكر أنك أحد دعائم هذه الدولة ، وأنك جندي مجهول في ساحة المعركة . ) 

ولعل حساً ساخراً عميق المرارة يشيعه الكاتب في سرده ويلقي عليه ظلال التهكم بدءاً من التنويه الذي استهل به النص وصولاً إلى المعركة التي (ظفر) بها أخيرا

حيث يختلط الأمر في النهاية ..من الضحية ومن الجلاد .

 فالمعركة التي يجدها في النهاية معركة هزيلة تافهة لاترقى إلى مستوى المعركة التي يريدها ..ولعل هذا هو العقاب ..ولكني أتساءل هل يمكن لأي شكل من أشكال  القصاص المعروفة مهما كان قاسيا أن يوازي ما سبق  وارتكبه الجلاد من جرائم ؟ 

قدم الكاتب سرده سهلا ليناً مطواعا لكل تفسير ، كسته الأفعال حركة سريعة مفعمة بالتنوع والحيوية والتأثير على مستويات الصراع  ، ومما ساعد الكاتب في تقديم فكرته بوضوح وتأثير استخدام ضمير المتكلم وتقنية المونولوج وتيار الوعي المتدفق بوضوح توافق مع وضوح السرد ومباشرته .

لغة السرد متناسبة مع الحالة الشعورية التي تبناها الكاتب لسارده / الشخصية الفاعلة وظهرت فيها توافق حركة الأفعال مع تصاعد الحدث درامياً 

الزمكانية مفتوحة مطلقة للدلالة على تمدد وتكرار الحادثة ولانهائيتها في كل زمان ومكان ، يضاف إلى ذلك تعميم السرد بتغييب الأسماء والهويات والتفاصيل باستخدام الحذف والإضمار بمهارة وتقنية مدروسة تتطلبها الحالة في مثل هذا النوع من السرد الذي يبئر  الحدث ويركز كل الضوء عليه دون التركيز على تفاصيل تقنية تعتبر غير ضرورية وزائدة عن الحاجة. 

النص متفوق كما اعتدنا في نصوص الدكتور خالد العجماوي ويحمل بصمته الخاصة فنياً وفكرياً .



******


عبير عزاوي / سورية



















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية