ارتواء..
****
أيهما سأرتدي الليلة!
يخالجني ذلك الشعور دوماً حين اذكرك، فيبقيني أترنح ما بين المنطق، والجنون. ترددت كثيراً، حتى قررت ارتداء المعطف الأسود المقصب بالخيط الذهبي.
كان الجو عاصفاً، مضطرباً كما ذكراك في صدري، ورغم أني كنت على يقينٍ تام، بأن المعطف القصير لن يصمد طويلا، وأنه سيرفع اكتافه سريعاً ليراقص الرياح الثائرة، إلا أن رغبتي في انكشاف بعضاً مني كان غاية، تستتر خجلةً خلف خروجيّ الليلة. احيانا تجتاحني تلك الرغبة في الشعور بنظرة أحدهم يشتهيني، لأثير مشاعري الراكدة من بعد الفراق.
أطلقت سراح شعري الليلة، سمحت له أن يضم انوثتي ويركض بها تحت المطر، ذلك آخر ما وصفتني به في روايتك، التي كنت وحدي بطلتها، وقد تعمدت نسيان مظلتي، لأعيش ذات الشعور بكل تفصيلة سردتها عني، لكني لن انتحر كما فعلت أنت حين قتلتني بقلمك.
مشيت، ومشيت!!
ما بال الوقت اليوم؟! كسيح لا يتحرك كما السماء برغم غيومها المكتظة، لكن لم يحن بعد الوقت لتلقي اثقالها على كتفي.
جلست عند حافة الطريق، أرقب المارة يشتهون بعضاً مما سمحت لهم بالتلذذ به، واضحك على تعليقات المراهقين حين يفرون من امرأة على مقتبل الاربعينات تتقد مشاعرها، وعيناها تضيء دروب العشق من حولها. تظهر عليّ تلك الرغبة الجامحة في مداعبة حبات المطر لوجنتيّ، وكان واضحا أني ارتقبه بصبرٍ قارب أن يفرغ، ويفز، ويثور من بين أضلعي. نهضت جريحة الفؤاد، وكأن حبيبي تخلف عن موعده معي، زينتي هذا المساء كلها ضاعت هباء.
رفعت حاجبي للسماء التي مازالت تعاني المخاض، ورمقتها بنظرة غاضبة!! فاجأتني برذاذٍ من تعبها، ثم انهمرت دموع الاحتياج، بكيناها معا حتى ولدت أنا من جديد.
حين لامس الماء جلدي انتشيت بلمسات كفيك، وحاوطتني نظراتك من خلف أعمدة الانارة كلها، وبدأت كل حبة رمل تفوح بعطرك.
تقمصت الأرض شخصيتك لتحتضني بعد دوران أصابني وأطاح بي في أحضان الشجن.
وحيدةٌ أنا، أعود أدراجي هاربة من ذكراك ليبلعني ذاك الطهر المسكوب من ربي. شيء ما ردني عن بابك، صوت نداء من داخلي .. أو من حولي .. ربما من ورائي .. لا أميزه لكنه اخافني!!
فطفقت أخصف ألمي على قلبي الجريح، العاري. دبيب بين خلايا جسدي المنتفض. حين وصلت لخدري، عكفت أبحث عما أتدثر به، تخلصت من معطفيّ الأسود المبتل ببقايا عناقك السافر، كما تخلصت من عطرك، لفظته مع آخر أنفاس الندم. نعم انبتني الطهر من جديد، كسنبلة خير سقتها العفة بعد سنوات هجران عجاف. نبض قلبي لا يهدأ بالاشتياق إليك.
بحثت ما بين شهقة الحياة والموت، فوجدت ما تبقى من الدفء معلقاً على حبال روحي المهترئة. ارتديت عفتي، واسدالي، واستعذت من وسواس يتلاعب بشتات حنيني إليك؛ فابتلعتني الأرض في سجودٍ عميق.
******
مي عبدالحميد
السودان
