زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة انطباعية _ بقلم: الأديب / خالد العجماوي _ في قصة " راقصة الباليه " للكاتبة / عبير عزاوي


 



قراءة انطباعية في نص راقصة الباليه للكاتبة عبير عزاوي


**كأنها الذكريات!


في قصتها القصيرة الفائزة بمسابقة زمرة القصص، نرى الكاتبة  ﻋﺒﻴﺮ عزاوي وقد اختارت أن تجعل الراوي لعبة في شكل راقصة باليه، تدور بشكل دائري مع نغمات اللحن المعروف (بحيرة البجع) لصاحبها الروسي تشايكوفيسكي.

وعندما يستنطق كاتب ما إحدى الجمادات، فيجعلها تحس وتتكلم، فإنه بذلك إنما يداعب في قارئه خياله وعواطفه، فينطلق عبر أبجدية الكاتب نحو ما يتراءى إليه من رمزية وإيحاء. والقصة إذ تدور على لسان تلك اللعبة الصغيرة، والتي يبدو أنها قد وضعت على إحدى الرفوف في غرفة نوم؛ فإننا نرى من خلالها زوجين وقد توقدا بما يكون بينهما من رغبة محمومة، بيد أننا نفهم أن الزوجة تلك لا تبادل ذلك الزوج لهفته وجموحه، وأنها صلفة تجاهه أحيانا وربما باردة. وأن الزوج هو من تدفعه رغبته الهادرة نحوها، بينما هي ساكنة لا تحركها العواطف.

يقول النص " يحاول احتضانها ؛ تدفعه بحزم؛ وتستغرق بنومها ؛ و يقضي هو ليله أرقاً"

" نهضت متثاقلة على نفسها ؛ مبتعدة عن جسده الضاج باللهفة ؛ قاوم ابتعادها؛ لكنها نجحت في ايقاف فورته"

ثم إننا نرى اللعبة الراقصة وقد احتملت في نفسها مشاعرا جارفة نحو ذلك الرجل.. مشاعر تختلط فيها براءة العذراء  ورغبة الأنثى؛ فنراها وقد مدت ذراعها وأمشقت جسدها كي يمر منه الضوء ، في إشارة إلى حبها العذري الصافي، كما نراها وقد أصابتها تلك الرعدة اللاهبة في أوصالها حين يمرر أصابعه عليها. حينئذ يرى القاريء نفسه مدفوعا إلى المقارنة بين تلك الزوجة الباردة الجامدة، وتلك اللعبة الراقصة التي يفيض منها العشق والرغبة!

ثم  إننا لنرى الزوجة الجامدة وقد ذهبت إلى الحمام، فيجد الرجل نفسه وحيدا، فيتجه نحو لعبته، ويمرر عليها أصابعه، فتصيبها الرعشة اللذيذة تلك والتي لا تكون إلا لمن كانت من لحم ودم. تشير الكاتبة إلى صفو ذلك الحب وبراءته، حين تتمنى اللعبة أن يدوّر بيده المفتاح، فتدور هي من أجله  في رقصة دائرية وعيناه تتأملها.

والقصة كما أراها مفعمة بالإيحاء والرمز، ولست أرى إقبال الرجل على لعبته تلك حين ذهبت عنه زوجته الباردة إلا إقبال الإنسان على ذكراه الحلوة حين يكون وحيدا، فيأنس بوحدته تلك عن أي شعور بالوحشة. ويبدو أنها كانت حبا قديما، وذكرى مشبوبة بالغرام والعشق، غير أنه لم يكتب لها أن تعيش في واقع الأيام، فانزوت داخل تلك اللعبة  التي تشكلت على شكل راقصة الباليه. وقد تكون تلك اللعبة هدية من حبيبته إليه، أو ربما كانت رسول حبه إليها. لا يهم. لكنها لا ريب لاتزال شاهدة على ما كان بينه وبين حبه القديم ذاك. ولأنها ذكرى فتاة أخرى، فقد كان من الطبيعي أن تبدأ الكاتبة قصتها بكلمات الغيرة والكراهية تجاه تلك الزوجة الباردة. يقول النص" توقف عن لمسي، منذ تزوج وأحضر هذه المتعجرفة"

ونرى اللعبة المفعمة بالرغبة وقد تمنت لو تسكن جسد تلك الزوجة الباردة، فتشبع هي منه ويشبع منها:

"كم أتحرق لتلامسني أصابعه؛ تيار من لهب راعش يسري في ذراتي .كيف يمكن أن أسكن في جسدها!" وإن القارئ ليسأل: هل كانت تلك أمنية اللعبة حقا، أم أنها كانت في حقيقتها أمنية ذلك الرجل المسكين، إذ يتمنى لو يعود حبه القديم ذاك إلى الحياة، فتكون هي سكنه وزوجه!

ورغم أن النص أنثوي في ظاهره، إذ هو قصة على لسان أنثى صارت عند حبيبها ذكرى، فذهب إلى الزواج من غيرها، إلا أنني أكاد أرى الرجل وقد جلس وحيدا في مكتبه، يجتر ذكراه الحلوة تلك، فيكتب هو على لسان تلك اللعبة الراقصة مايكون فيها من مشاعر حب واشتياق! وقد يرى أحدنا حطام اللعبة الراقصة نهاية لتلك الذكريات على أسوار الواقع، إلا أني أراها حطام قلبه هو، قد تناثرت فيه لوعته إلى حبه القديم، وقد وضعت فيه شظية لن تفارقه ما دام في قلبه نبض أو حياة!

حقا إن الرؤى لتختلف، وأجمل ما في الأدب هو ذلك الاختلاف في النظرة والتأويل.

وفي الأخير، أشكر الكاتبة على نصها الحالم والرشيق هذا، حيث أمتعتنا بنص يشحذ فينا الأفكار والعواطف، فكان بذلك قطعة فنية من الأدب الراقي الرصين. 


النص:

**راقصة الباليه

توقف عن لمسي، منذ تزوج وأحضر هذه المتعجرفة .

كم اشتقت لأن يمرر أصابعه على جسدي فتسري تلك القشعريرة اللاهبة في أوصالي و يجتاحني طوفان الارتعاش اللذيذ .

روائح العطر تفوح هذا المساء يرافقها أنغام موسيقا حالمة تنبعث من زاوية الغرفة ؛ إضاءة خافتة ويداه تعبثان بأزرار فستانها الأصفر ؛ مضى على زواجهما شهر كامل ؛ يخرجان للسهر كل ليلة ؛ يعودان منهكين ؛ يحاول احتضانها ؛ تدفعه بحزم؛ وتستغرق بنومها ؛ و يقضي هو ليله أرقاً .

كم أتمنى لو أقوم بقفزة واحدة أطير ، ثم أحط على طرف الفراش وأنسلّ إلى داخل جسدها الهامد .

كم أتحرق لتلامسني أصابعه؛ تيار من لهب راعش يسري في ذراتي .كيف يمكن أن أسكن في جسدها؟!

طغت الفكرة في رأسي، استحوذت عليّ وأخذت تطفو على ماحولي وتشيع هالة داكنة من توجس ؛ حينها امتدت يده لتلامس ظهرها، فتحت عينيها وشهقت ؛ ارتعد جسدها وتشنجت أطرافها.

تمنيت أن تتحطم عظامها تحت وطأة الثقل الذي يزيد بمرور كل لحظة،بالشد والجذب بين طوفان رغبته الجامح وبين سكونها .

نهضت متثاقلة على نفسها ؛ مبتعدة عن جسده الضاج باللهفة ؛ قاوم ابتعادها؛ لكنها نجحت في ايقاف فورته .

دخلت الحمام ، متمايلة بجسدها اللدن الذي أبغضه؛ يتسلل إليّ صوت انسكاب الماء ، ممزوجاً بصوت نشيجها .

يدور هو في الغرفة متوقداً ، غارقاً في الهالة القاتمة للغضب، ؛يلف حول السرير يضرب الوسائد بالأرض ؛ هاهو يقترب من الرف يركز عينيه على جسدي المشدود بخفة صلبة؛ يسري فيه ارتعاش جديد

بادئاً من مفرق رأسي إلى إصبع قدمي الذي أقف عليه، أرفع ذراعي فوق رأسي أمسك معصم يدي اليسرى بيدي اليمنى ويلامس باطن قدمي اليمنى ساقي اليسرى، وأمشق جسدي البلوري النحيل لتمر منه ذرات الضوء عندما أرقص .

وأكثر ما يكون اشتعالي عندما .يسحب يده إلى جانب العلبة يدّور المفتاح عدة دورات فأبدأ دورة جديدة ما إن يتوقف المفتاح ؛ تنساب موسيقا بحيرة البجع ؛أخرج من منتصف العلبة؛ أدور راقصة في مسار دائري حولها ، بينما عيناه تتأملان دوراني فأكاد أقع .

أنتظر لمسته؛ آه.. ليته يدّورالمفتاح لأخرج إلى دائرة رقصي ؛ سأرقص له أجمل ماعندي . يده تمتد؛ تحوم حولي تتوقف ؛ تحوم أسرع ؛ ثم تهوي على الرف فتنثر مافيه في أرجاء الغرفة . ويمسك هو بيده التي جُرحت وسالت دماؤها .

و على صوت التحطم، خرجتْ مسرعة ، الماء يقطر من شعرها وجسدها ؛ويبلل الأرض مع كل خطوة من خطواتها المتحفزة . تغمض عينيها ؛ تمشي على أطراف أصابعها ،تلف نفسها بلحافها وهي ترتعش ؛ وتحكم إطباق الغطاء حول جسدها المبلول. وهو يقترب بحزم من تخومها .

على أرضية الغرفة تمتزج قطرات مائها بقطرات دمه ، تتبعثر شظايا جسدي الزجاجية مطحونة باللوعة ، شظية صغيرة فقط تتجه الآن إلى قلبه.



















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية