رائعة من روائع الأديب: بدوي الدقادوسي
ملحمة قصصية متفردة ومبهرة
{ من زمن المص إلى زمن اللحس }
*************
أعاني توترا وقلقا جعلاني عاجزا عن التركيز، منذ أن اتصلت بي تلك المذيعة لتخبرني أني سأكون ضيف الحلقة القادمة لبرنامجها الشهير ؛فتلك أول مرة أواجه كاميرا ,رغم أن المذيعة أعطتني كل الأسئلة موضوع الحلقة ‘إلا أن ذلك لم يشفع لي عند هذا التوتر .
لم أواجه جمهورا منذ تلك التجربة المريرة عندما اختارني معلم اللغة العربية لأكون بفريق الإذاعة المدرسية وبمجرد إمساكي (بالمايك )تراقصت الورقة في يدي المرتعشة والكتابة تقفز أمام عيني ؛عبثا أحاول اللحاق بها ؛أشفق المعلم على حالتي وأمسك بالمايك كي أتفرغ لإمساك الورقة بكلتا يدي ولكن الأمر ازداد تعقيدا ؛فلقد انتقل الارتعاد من يد واحدة للورقة إلى يدين اثنتين لتتحول الورقة لسيدة من الهنود الحمر تتراقص بجنون على قرع طبول مجنونة ؛وانقاذا للموقف أخذ المعلم الكلمة وقام بإلقائها على الطلاب.
خالف اللقاء مخاوفي وخرجت الحلقة هادئة مقنعة واختتمتها بشكري لوزير الإعلام الذي لايألو جهدا في رعاية الفكر والأخذ بيد الموهوبين .
فور انتهاء الحلقة قمت مهرولا لا أعرف سببا لهذا الحزن الذي يدفعني للبكاء ؛أشعر أنها لم تكن حلقة أدب بل كانت حلقة من حلقات هزائمي ،التفت على صوت المذيعة يناديني ؛اندهشت لطلبها أن تتناول معي فنجانا من القهوة في (بوفية الاستيديو).
جلستُ قبالتها ,لم تكمل عقدها الثالث ،تجيد الابتسام بكل مافيها ؛شعرها يبتسم ؛عيناها تبتسم ؛حتى جسدها المسجون خلف لبسها الضيق ؛يطل من خلفه وهو يبتسم .
قالت وهي ترفع حاجبها المرسوم على هئية رقم ثمانية :أستاذي :انس كوني مذيعة وحدثني عنك ؛فأنا معجبة بك وهناك غموض فيك يشدني نحوك ؛لعلها نظرتك المفعمة بالحزن ؛فرغم ثناء المخرج عليك وعلى روعة الحلقة إلا أنك لم تبتسم ! أشعر وكأنك لم تضحك من قبل !
وكأنها نكأت جرحا نزف دمعا من فوره .. يقولون حين ولدت حاولت أمي أن تجد في ثديها لبنا لإرضاعي ؛ فلم تجد ؛حالة غريبة أثارت دهشة القابلة ! فهي تعرف أن والدتي ولود ومرضعة ؛ومع مرور الوقت وفقدان الأمل في نزول قطرة واحدة أشارت عليهن إحدى جاراتنا أن يسلقن حبات أرز ويأخذن ماءه ويخلطنه بقليل من حليب الماعز ويقمن بإرضاعي ؛ فكانت أمي تعطيني ثديها لأكتفي بمصه محاولة أن تناغيني وتضحكني فلم أستجب .
- قالت المذيعة ومازال كلها يبتسم :أهذا سبب كاف لأن تحتفظ بحزنك حتى اليوم ؟-
لم ألتفت لسؤالها استطردت موضحا : حين شببت عن الطوق ارتبطت بخالي الوحيد، لا أضحك إلا حين أراه ؛ولكنه اختفى فجأة وعرفت بعد ذلك أنه انخرط في الجندية ومات على جبال اليمن ،حدجت بالمذيعة بغضب وأنا أسألها :أتعرفين من عدونا الذي كنا نحاربه باليمن ؟ وهل استعادت اليمن سعادتها حين ارتوت جبالها بدماء هؤلاء الشباب ؟
هزت كتفيها وتخلت قليلا عن ابتسامتها وكأنها تقول : لاأعرف !
ولكنها أعادتني لنفسي بسؤالها : ألم يكن لك أخوة تلهو معهم وتضحك؟
-كان لي ثمانية أخوة :فلقد تزوج أبي من سيدة عاش لها أول مولود وكل مولود بعده يموت إلى أن ماتت وهي تلد الأخير الذي دفن بحضنها ,فزوجه جدي أختها لترعى اليتيم فأنجبت له سبعة أنا أوسطهم ،ولكن أخي الأكبر غير الشقيق كان جادا عبوسا نرتعد منه ولانضحك في حضرته .
عجز أبي عن تلبية مطالب هذا الكوم من اللحم فكنا نذهب للعمل بحقول القطن لتنقيته من الدودة ، نخرج صباحا ولا نعود إلا مع الغروب ؛تلهب رؤوسنا الحرارة وتعاني حلوقنا الجفاف الذي يجعلها حطبا يابسا ؛فكنت أبحث في الأرض عن كسرة فخار أضعها في فمي ؛أمتصها ليسيل لعابي ؛فتعلم رفاقي كيف يحاربون الجفاف بامتصاص الحجارة .
في هذا اليوم عدنا مبكرا من الحقل لا أذكر لم قال الخولي : النهارده نصف يوم ؛عدنا للبيت والفرحة تتقافز أمام وجوهنا؛ وظللنا نلهو حتى حل الليل وعاد والدي وأخي الأكبر غير الشقيق ولم ينهنا كعادته عن اللعب والضحك فقال شقيقي الأصغر ما رأيك : تحملني على ظهرك وتسير من أول الغرفة لنهايتها وأنا أيضا لنرى من سيكون أسرع ؟ وافت على أن يبدأ هو بحملي ، وما أن جلست على ظهره حتى خانته يداه وركبتاه فانبطح على الأرض باركا ؛ فانخرط الجميع في نوبة هستيرية من الضحك ؛ كانت عدوى كلما خفت حدتها أشعلها أحدنا ؛حتى أفقنا على قرع لباب البيت خرجنا جميعا صوبه ؛ فإذا بثلاثة خفراء في طلب والدي .
انطلق جمعنا خلفه ؛يكاد يصرعنا الرعب ؛حين وصلنا كان (بوكس ) البوليس يقف أمام دوار العمدة يشحنون فيه الناس رجالا ونساء فرحنا نبكي وأخبرنا أحد العارفين بالأمور أن أمن الدولة أرسل للعمدة قائمة بأسماء المتهربين من توريد الأرز للجمعية الزراعية ،انطلق أخي صوب الضابط ليؤكد له أننا قمنا بتوريد حصتنا ومعنا وصل بذلك ،ولكنه لم يعره انتباها .
عدنا للبيت نتسابق في البكاء حتى غلبنا النوم وفي مساء اليوم التالي عاد والدي متورم الوجه يربت علينا في إشفاق .. فهل عذبوه لأنه اخترق قانون القهر وسمح لأولاده الفقراء أن يضحكوا ؟
ردت المذيعة بإشفاق ولم أهانوه رغم أنه قام فعلا بتوريد الحصة للجمعية الزراعية ؟
-قلت مبتسما :اكتشفنا فيما بعد أن الكمية التي وردناها كانت ناقصة سبعة كيلو جرامات عن الضريبة المقررة .
- ليس خطأ البوليس يا أستاذي بل خطأ مدير الجمعية الغبي الذي سجل اسمه !
- يا سيدتي الأغبياء يستحقون الشفقة! لأنهم المرضى الوحيدون الذين لايعرفون بمرضهم ! لقد سجل اسمه ليثبت أنه رجل دقيق ويراعي الله في عمله ؛المسؤول الغبي كارثة تفوق في مخاطرها الكوارث الطبيعية . سأقص عليك قصة مبكية :
لم يكن بقريتنا مدرسة إعدادية ؛وكان علينا أن نسير ثلاثة كيلو مترات على أقدامنا ذهابا وإيابا لأقرب مدرسة من قريتنا ،ورغم هذا كنت حريصا على الذهاب في موعد التابور ؛حتى كان هذا اليوم الذي أعلنت فيه الطبيعة غضبها وظلت تمطر بلا انقطاع سيولا انهزم أمامها سقف منزلنا معلنا الانسحاب ليتركنا نواجه هذا الغضب بأسلحتنا التي تتمثل في كل حلل وأواني المنزل ننتشل بها الماء الذي ارتفع لمنتصف ساقنا ونحن نجاهد لنزحه ووالدي يصرخ :رحمتك يا رحيم لطفك بعبيدك يالطيف وبينما نحن على هذا الحال تذكرأن الزعيم جمال عبد الناصر سيخطب اليوم ؛ فهرع كالمجنون يبحث عن الراديو أن تكون السيول بللته وأفسدت الحجارة ، لا تتصوري كم كانت سعادته حين وجده في كوة الحائط لم يصبه أذى . وكان المطر قد توقف فتكومنا على فرن القاعة : و أبي يستمع للزعيم وهو يدعو في حزن (اللهم انصرك يا جمال ). أظن هذا كان قبل وفاة الزعيم بعام .عجزت عن النوم بملابسي المبللة وفي الصباح اتجهت للمدرسة والأرض الطينية وبرك المياة استوجبت أن أسير ببطء وعلى حذر حتى وصلت المدرسة وقد بدأت الحصة الأولى ؛فجمع المدير المتأخرين كعادته ،وجلس على كرسي ونحن أمامه مصفوفين ومن يأتي عليه الدور يضربه بخيرزانه طويلة لاتعرف على أي مكان من الجسد تهوي ؛حين جاء الدور عليّ سألني :اتأخرت ليه ياكلب ؟
سبقني دمعي وعجزت عن الكلام قال ساخرا أنت مش محتاج تعليم أنت تروح تمثل .. أنت ممثل بارع وكان نصيبي من الضرب أضعاف زملائي .
كان هذا المدير يظن أنه يراعي الله في عمله وأنه يقوّم انحراف الطلاب . الفرق بين التهاون والمرونة شعرة لايعرفها إلا الأذكياء .
-أنت بطل يا أستاذي .. أرغم معاناتك طوال الليل تذهب للمدرسة ؟
ابتسمت قائلا: لم يكن ذهابي للمدرسة في هذا اليوم تحديدا طلبا للعلم ، بل لأن الفصل مكان دافئ وله سقف .
-ولكن لماذا لم تذهب للأخصائي الاجتماعي ليعرف أنك تأتي من بلدة بعيدة فيعطيك استثناء؟
-الأخصائي الاجتماعي كان تاجرا للمواشي يجوب الأسواق ؛يأتي ليوقع حضور ثم ينصرف لتجارته ؛عرفت بعد ذلك بطبيعة عملي أنه كان يسجل الأنشطة على ورق على أنه قد تم تنفيذها ويأخذ المدير الشيك ويصرفه لنفسه وعلى فكرة ميزانية الأنشطة بالمدارس ليست بالمبلغ الهين!
-أستاذي هل أطلب لك فنجانا من القهوة؟ ثم أردفت ويعلو وجهها ابتسامة كابتسامة الدبلوماسيين :أرهقتك أستاذي ولكن الحديث معك شيق .
-شكرا .. أتعرفين يا سيدتي أن المصريين حين يضحكون يقولون اللهم اجعله خير) وكأن الضحك جريمة أو كأنه ترفيه لايستحقه المقهورون !
يوم ختم أخي الأكبر غير( الشقيق) المصحف كادت الفرحة أن تغتال أبي ,ذبح جديا وعزم الكثيرين وأخذ يقص عليهم بطولات عبد الناصر الزعيم الذي صفع إسرائيل على وجهها وجعل أمريكا تركع تحت قدميه والجالسون يضحكون لضحكه ويصمتون لصمته في نشوة وابتهاج حتى خرج أحدهم بجملة (إحنا خايفين أوي من العجل المنوفي اللي مسك البلد ياعم الشيخ ! رد والدي وهو يهز راسه في حزن : ربنا يستر الله يرحمك يا جمال .
لم يتم الرجل كلمته حتى سمعنا طرقا على الباب .. كان الخفير يطلب من والدي أن يتوجه ابنه الأكبر للفرز للتجنيد . تحول الفرح لمأتم ؛أشار أحد الجالسين على والدي أن يبتر سبابة اليد اليمنى لابنه حتى يرفت طبيا ويكتب أمام اسمه غير لائق .ثم شفع نصيحته بقوله:ابنك هو سندك الوحيد ياعم الشيخ وأنت وراك كوم لحم .
ظل أخي بالخدمة ثلاثة أعوام ، لا نراه إلا نادرا وفي السنة الأخيرة لم نره علمنا أنه محاصر في (الدفرسوار) وفجأة في منتصف الليل قمنا على قرع للباب فكدنا نموت فرحة حين وجدناه . لفت انتباهنا أنه كان على عكاز يتحرك وانتبهنا لنجد ساقه اليمنى مبتورة . صحيح أرسلته الدولة لفرنسا مع مصابي الحرب للعلاج ولكنه مات بعد شهرين من عودته مع أنه كان يمتلك قدما صناعية أشبه تماما بالطبيعية .مات ولم يسجل اسمه بين الشهداء .. هل يذكر التاريخ أسماء الجنود الذين يموتون في المعارك؟ هل يذكر التاريخ اسما واحدا للذين ماتوا وهم يبنون الأهرمات ؟هل سجل التاريخ اسما واحد لمن ماتوا تحت لهيب الشمس في حفر قناة السويس ؟
آآه كان موته هزيمة لأبي فلم يبك ولم يتكلم ولم يضحك .
أمسكت المذيعة بيدي وهي تقول : أنت رائع يا أستاذي ولكن أين أنت من هذا؟
- انتقلت للمرحلة الثانوية ؛وأغلب جيلي في القرية يكره حياة آبائه ثائرين على العمل في الحقول ؛ثائرين على التعليم يجلسون طوال اليوم تحت مئذنة الصحابي الجليل عبد الله بن الحارث بالشارع يسخرون من كل شيئ حتى أنفسهم .
لقد استفاد أغنياء الحرب من كل شيء ،تاجروا بكل شيء حتى ساق أخي .. إنه عصر الانفتاح ياسيدتي مما جعل هؤلاء الشباب يكفرون بالعمل الجاد فصفقة واحدة من لحم غير صالح للاستهلاك تفوق في دخلها عمرك كله لو أفنيته تزرع ليل نهار أو تدرجت بوظيفتك لأعلى الدرجات .كفروا بالنجاح ؛كنت أتوارى منهم لأذاكر فحين ينتصف الليل أخرج بكتابي تحت أعمدة النور وأنا أتلفت حولي حتى لايضبطني أحدهم متلبسا بجريمة المذاكرة ؛لايدخلون المسجد إلا يوم الجمعة فإذا صعد الخطيب المنبر أخذوا يتبادلون النكات البذيئة وترتفع قهقهاتم ويخشى الناس الالتفات لهم لإسكاتهم أو معاتبتهم خشية ألسنتهم . أصابني حزن لانضمام أخي الذي يصغرني لفريقهم حاولت نصحه ولكنه دوما يسكتني بقوله:(خليك في نفسك ).
- قاطعتني لماذا لم تخبر والدك بأمره؟
- آآه والدي منذ وفاة ابنه الأكبر وهو في اللا وعي ؛كثيرا ما انطلق للمسجد بعد صلاته للعشاء بساعتين ليصلي الفجر ؛فيعيده الناس للمنزل وهم يتألمون من أجل الشيخ (لقد فقد الإحساس بالزمن ).
حتى جاء هذا اليوم الذي توطدت فيه علاقتي بالكآبة . جاءني صديق بعد المحاضرة الأولى طالبا مني عدم العودة للبيت بعد انتهاء اليوم الدراسي ! (الأستاذ علي فايق زغلول )سيبث حلقة (الغلط فين ) من كليتنا .
لم أصدق أني سأراه وجها لوجه ... بدأ الإذاعي حلقته وكانت عبارة عن فقرة تمثيلية يتعمد الممثلون ذكر أربعة أخطاء في الحوار وعلى الجمهور بعد انتهاء الفقرة أن يوضحوا (الغلط فين) قلت لمن بجواري على الأخطاء الأربعة فأصروا على صعودي للمسرح وقولها ..سمح لي بتصويب خطأين فقط على أن أعطي فرصة لزملائي لم تكن فرحتي بالجائزة (خمسة وسبعون قرشا عن كل خطأ)بقدر فرحتي بأن اسمي ستتناقله موجات الراديو .هل سيصدقني أخوتي ؟هل سيفيق والدي ليدرك أن له أبناء غير ابنه الذي مات ،اقتربت من البيت لأجد أعدادا غفيرة حول بيتنا ينظرون نحوي في صمت ،انطلق ابن عمي نحوي باكيا وهو يقول :البقاء لله والدك تعيش أنت !نظرت نحوه في ذهول وأنا أردد هل رحل لأني خنته وفرحت؟ هل رحل صابا جام غضبه عليّ؟لست بطلا يا سيدتي بل خائن فالضحك خيانة والفرحة جناية إن اقترفها الفقراء ولكن هل المحكمة جاهزة لإصدار الحكم الفوري بهذه الدرجة؟كنت أسخر من الدراما العربية التي تلجأ للصدفة لحل عقد العمل الفني حين يعجز المؤلف عن حل منطقي !ولكني اليوم أتساءل :ما الغريب في أن يصادف الشرير قطارا في الطريق فيسقط تحت عجلاته أشلاء لتنتهي معاناة البطل ليعيش في سعادة بعد أن تخلص العالم من الشر للأبد؟ما الغريب في أن تكون الحلول صدفة مضحكة ؟ أليست الحياة نفسها صدفة مضحكة؟ من ذا الذي يزعم أنه رتب موعد قدومه للحياة؟
-أومأت برأسها موافقة كلامي وكأنها تتجنب إغضابي إن اشتممت فيها رائحة معارضة !
- سألتني مشفقة :هل آتيك بفنجان قهوة آخر ؟
- أومأت برأسي موافقا ثم لذت بصمت وعيني تعبث في المكان ؛أفقت على سؤالها :وإلام صارت حياتكم بعد وفاة والدك؟
- آآه ياسيدتي ذكرتني بفترة سوداء مرعبة ؛كان ذلك بعد حادث المنصة الشهير الذي راح ضحيته السادات .صار شقيقي الأكبر هو المسؤول عنا ؛رغم تقارب أعمارنا إلا أنه أصر أن يمثل دور الأب ؛ورغم عجزه عن إقناعنا إلا أننا تقبلنا الأمر ؛فهو غبي أرعن يعادي من يخالفه الرأي . أصر على أن يذهب الجميع للحقل وكان الصدام عنيفا بينه وبين أخي الذي يصغرني ؛فقد أعلن تمرده وأصر على الجلوس مع رفاقه تحت المئذنة مؤمنا برؤيته كافرا بالعمل في الحقل كافرا حتى بالدراسة جاحدا كل الشعارات التي يقول عنها ليست سوى كلمات جوفاء تبلدت مشاعره وزحف التصحر ليعم أرجاء قلبه فكان أشبه بكائن لاهو حي ولا هو ميت ؛يجلس مع رفاقه أشباحا طوال الليل فإذا كان الصباح نام ، حتى كان هذا اليوم الذي انتظره أخوه الأكبر حتى عودته وقف بالباب سادا مدخله بجسده مانعا إياه من الدخول ولكن الثاني لم يستسلم أصر على الدخول عنوة فهرول الكبير في اتجاه عصا وظل يهوي بها على أم رأسه حتى سقط مدرجا في دمه ولم يكتف بذلك بل انتزع عنه ثوبه وتركه ممددا شبه عاريا ،واستدار صوبنا محذرا اللي صعبان عليه أخوه يخرج معاه) .
دخلت في صمت حتى هدأ المكان واطمأننت لنوم الكبير وقذفت للمسكين ثوبه من الشباك ؛كان قد أفاق قليلا فحاول الوقوف وسار وأنا لاأعلم فيم يفكر ولا أين سيتجه .
- سألتني في دهشة : وأين أمك من ذلك؟
- - تنهدتُ طويلا فلقد ذكرتني بهذه المسكينة التي تخشى ولدها وتتحاشى صدامه حتى لايصرخ في وجهها سابا أباها ولامانع من دفعه لها فتسقط على ظهرها باكية .ولكنها بعد أيام تسللت نحوي باكية مش هتشوف أخوك فين) ؟ قلت سأذهب للسؤال عنه ؛ناولتني قرطها وقالت اعطه هذه الأمانة ؛حملت الأمانة في صمت .
أكد الجميع أنهم لم يروه من أسبوع ولكن هناك فلان يعرف عنه كل شيئ؛ دلني هذا الفلان عن مكانه ،ابتهج حين رآني بادرني :عجبك اللي أخوك عمله؟
- - أبلغته سلام أمه ،أعطيته الأمانة ؛تسلمها باكيا ؛أفاق على سؤالي .
- وناوي تعمل إيه؟
- -هطلع جواز وأسافر عمره كثيرون سافروا للعمرة وتخلفوا هناك واشتغلوا ورجعوا بقرشين حلوين .
- ربنا يوفقك .
سألتني المذيعة :وهل عاد بعد تحقيق حلمه؟
نظرت نحوها مرتعدا عجزت عن رؤية ملامحها فلقد حجبت الدموع الرؤيا.. سافر ولكن الشرطة كانت تطاردهم وتقوم بترحيلهم فكان يهرب للعمل في الإنشاءات الجديدة يعمل بها نهارا ويبيت فيها ليلا . حتى عرفت أن صديق لي يعمل محاسبا بحي العزيزية بمكة فأرسلت لأخي عنوانه لعله يبحث له عن عمل أفضل .
فرح به زميلي ووجد له عملا بمعرض سيارات ؛ظل فيه قرابة عام وكلما طالب براتبه ماطله صاحب المعرض حتى قرر أن يواجهه وكاد يشتبك معه فهدده صاحب المعرض بأنه سيبلغ عنه الشرطة فصمت أخي متحينا الفرصة للانتقام ؛صالحتني الحياة في هذه الأثناء بصدور قرار تعيني بالمدرسة التي كنت طالبا بها في المرحلة الإعدادية .وفور عودتي للبيت من أول يوم دراسي نمت وأنا مطمئن أنه لن يجرؤ أحد على ايقاظي فأنا الأستاذ . فتحت عيني فزعا على صراخ والدتي خرجت مذعورا من الغرفة لأجد البيت ممتلئ بالنساء وكأني في مراسم عزاء ؛لقد جاءت إشارة من المركز بوفاة أخي بمكة ! عدت لغرفتي وأنا أتساءل :هل من المعقول أن يكون هناك مخلوق ما ترك الناس جميعا وتفرغ لمراقبتي ؟ فبمجرد أن أبتسم ينزل بي العقوبة فورية؟ ومن هذا المخلوق ؟ ولمصلحة من يعمل ؟ أم أنه جن لاه عابث يدبر لي المقالب السخيفة ليراقبني في سخرية؟ لالالا لم يمت أخي ؛ من يموتون هم من سافروا للعراق فالنعوش الطائرة لاتأتي إلا من العراق .
خرجت على عجل لسنترال القرية طلبت رقم صديقي المحاسب بمكة ؛رد باكيا :صاحب المعرض غدر بأخيك أبلغ عنه الشرطة ؛ولما شعر أخوك بقدومهم فر مذعورا نحو الطريق العام داهمته سيارة طار إثر ارتطامه بها ليسقط خلفها لافظا أنفاسه وفرت السيارة هاربة !!
-آآه ياسيدتي ؛لم أر أشلاءه لم أره وهو يدفن ؛لقد فر من أخيه ليحتضن الموت .
أي صدفة هذه التي أرسلت بتلك السيارة لطريقه؟ لا ليست صدفة ؛ أشعر أن هناك مخرجا هنديا بليدا تولى حصريا إخراج فيلم حياتي .
- هل تسمحين لي بالانصراف ؟
- أمسكت يدي بعنف :أستحلفك بالله لا تمش وأنت بهذه الحالة ؛سآتيك بمشروب دافئ .
حاولت أن تصطنع ابتسامة تعيدني من خلالها للحديث وبادرتني وكأنها تعنيها القصة أكثر من أمري
:ماشعور أخيك الكبير حين جاءكم الخبر؟
- ابتسمت حين تذكرت كلماته ( هذا مصير من يخرج عن طوعي ) أدركت من فوري أني أمام كائن غريب وعرفت أن بقائي بالبيت لايعني إلا الموت . بحثت عن شقة بالمدينة التي أعمل بها وحين عثرت عليها لم أذهب للبيت للملمة حاجياتي البسيطة ؛أرسلت من يخبر أمي أني لن أعود ثانية .
في مدينة لاتعرفني عاهدت نفسي أن أمحو البؤس من حياة البسطاء ؛تفرغت للدروس الخصوصية لا آخذ مقابلا من الفقراء ؛وما آخذه من الأغنياء أبقي منه على ما يكفي لسد رمقي وأوزع الباقي على اليتامى والأرامل اكتفيت بلحس وجه الطبق لأنتقل منذ هذا اليوم من مرحلة مص الحجارة للحس الطبق .أعطي بقيته للمعوزين وأسعد حين أرى البؤس يسقط أمامي بالقاضية فأتوعده بالمزيد .
- رائع سيدي أنت بطل عظيم . نظرت نحوها مندهشا : أي بطولة وأنا هارب أعيش الغربة ليل نهار؟
- لكن أستاذي : ألم يأخذك الحنين لرؤية أمك وأخوتك؟
-نظرت صوبها مندهشا كيف ذلك ؟ لقد كنت أتنسم أخبارهم وكدت أجن حين أخبرني أحدهم أن أمي تعمل خادمة بالبيوت !! آه يابنت الحسب والنسب !! ذهبت إليه وأنا أكاد أجن كان يجلس بين ولديه وزوجته : كيف تسمح لأمك أن تعمل خادمة بالبيوت ؟ أجابني ببرود قاتل (الشغل مش عيب وإن ماكانش عاجبك خدها معك )رفضت المجيئ، اصطحبتها مرغمة ؛تفننت في إسعادها وبعد أيام توسلت باكية أن تعود فإخوتك في حاجة إليّ حاولت إثناءها ؛عدت ذات يوم لأجدها قد رحلت ، قررت أن أتركها على راحتها ؛ على أن أرسل لها مبلغا من المال يكفيها ؛علمت أنه يأخذه منها قسرا فتوقفت عن الإرسال وحين بلغني نبأ وافاتها لم أذهب للقرية اكتفيت بدفن السعادة بقلبي للأبد وتعليق دمعة بعيني حدادا أبديا عليها .
***********
بدوي الدقادوسي
