زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

المسحة _ بقلم: الكاتبة / عائشة إبراهيم


 



المسحة


*****


للمرة الخامسة خلال أسبوع أقف أمام شباك التحاليل بانتظار نتيجة مسحة كورونا، في كل مرة يطلبون مني العودة لاحقًا، لا بأس فقد تجاوزت قليلًا حالة الدوار وبإمكاني التحكم في موقد السيارة، أعني مقود،  نعم نعم أنا بخير، أما حالة السعال التي تنتابني كلما اقتربت من تقاطع مستشفى الخضراء، فقد شفعت لي لدى شرطي المرور وترك لي رغم الازدحام، ممرًا آمنًا.


شكرا أيها الشرطي الطيب، في الحقيقة أنا لا يهمني السيطرة على حالة السعال، أنا أريد الوصول إلى شباك التحاليل لاستلام نتيجتي، أنت لا تعرف ماذا تعني لي هذه النتيجة.. أمرٌ مهم جداً أن يقدموا لك ورقة مكتوب فيها اسمك ثلاثياً أمامها إشارة بوستيف (+)،  لقد قال لي الطبيب منذ أول يوم سمع فيه صفير صدري، وشاهد شحوبي  والانطفاء الرمادي في عينيّ، أنني مصابة بفايروس كوفيد وعليّ أن أعزل نفسي. قال إن النتيجة هي تحصيل حاصل.

أي حمق هذا، هو لا يعرف مدى أهمية ورقة النتيجة بالنسبة لي، من قال أنني أريدها من أجل وصفة الأدوية، شكرا، لقد اشتريت كل الأدوية منذ أن داهمتني الأعراض، وفي كل صباح ابتلع حفنة من الفيتامينات والزنك وكبسولة كبد الحوت، وتطوعت صديقتي بتوفير اسطوانة اكسجين في حال الضرورة، من قال إنني أريدها كمسوغ للعزل، حسناً، لقد عزلت نفسي ، وقام زوجي بواجبات الطهي واستطاع وببساطة شديدة أن يقلي السمك ويحضّر الشوربة ويغسل الأطباق، هكذا نجح ويا للأسف في أن يتدبر أمره من دوني، أستطيع أن أسمع صوت المكنسة، الخلاط، الغسالة، أقف رغم الدوار على أطراف أصابعي، لأتأكد من أن ابنتي لا تنسى أزرار التشغيل متصلة، أراها تسحب الثياب من الغسالة كما تنزع أحشاء ذبابة، ثم تطرقع بخفها الشتوي  على الدرج في طريقها إلى المنشر، تراني بطرفيّ عينيها، تقف موبخة: أين جوربك يا ماما؟ هيا عودي إلى الفراش حالاً، أسعل ثانية، يحضّرون لي الزنجبيل، الشاي، الليمون، الزعتر، القسط الهندي، شال الصوف والحبوب المهدئة لأنام.


صباح اليوم الرابع، أرجوكم، أريد نتيجة مسحتي، لا يهم إن تشافيت، أنا أريدها، أريد أن استلمها بيدي، أضعها في حقيبتي كمواطنة محترمة، تطالعني الممرضة التي تضع كريماً مبيضاً أفتح بثلاث درجات من بشرتها الحقيقية، تسألني: متى كانت المسحة؟ منذ أربع أيام آنستي.. ربما ضاعت.. كيف ضاعت؟!! لا تقلقي أنت تتماثلين للشفاء.. هذا ما يزعجني، أن أتماثل للشفاء هكذا، بالمجان، من دون أن استلم نتيجة المسحة، من دون أن أقبض على الكوفيد بالجرم المشهود، كيف له أن يخترقني هكذا، أن يعبث برئتي من دون دليل، أن يعيـث في جسدي ويرحل من دون أن يستوقفه أحد! ماهذا الهراء؟ ماهذا العبث!؟ كيف أتشافى من دون مسحة.. من دون ورقة شرعية.. كيف أمرض عرفياً هكذا بلا شهود... أرجوك يا آنسة، أريد مسحتي، إنها شيء خاص بي ، لقد تحملت الوجع من أجلها، كان الطبيب جلادًا صغيراً، عصبياً ويشعر بالسأم، أوقفنا في طابور على حافة الجدار، لوهلة كنت سأرفع يديَّ فوق رأسي، فقد كان رغم معطفه الأبيض يحمل ملامح مليشياوي سفاح،  تذكرت الأسئلة المعتادة: هل السيارة باسمك؟ نعم بإسمي، هل الزجاج معجون أو سلفر؟، معجون يا سيدي، أمممم حسناً، نظّمي أمورك يا حاجّة.  يحشر الأنبوب في أنفي بعنف، يمزق تلافيف رأسي  ثم يقول: عندك لحمية؟ نعم كانت عندي قبل دقائق، لكنك خلصتني منها الآن وحفرت ممراً حلزونياً بإمكاني أن أخبّئ فيه أرنباً،  ينظر بشرر ويلقي الأنبوب في كيس بدون اسم، يقذف به فوق أكياس أخرى مجهولة.

ردي عليّ يا آنسة، أين نتيجة مسحتي؟ أوووه أنت السيدة العصبية التي تبحث عن نتيجتها، بإمكاننا أن نعيد المسحة، لكنك تبدين بخير لقد تحسنتِ كثيراً.. حسناً، وماذا لو كانت النتيجة سالبة؟ من يعيد لي فيروسي الهارب، أنا أريد نتيجتي الموجبة، هل فهمتم؟


*********


عائشة إبراهيم
























عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية