حُلُم
*****
أرَتّبُ للفجرِ المُجَنّحِ مَوعِدا
وأقصِدُ في صَحرَا الوَجيعةِ مَورِدَا
بسترٍ من الدّهماءِ؛ والهولُ جاثمٌ
وقد باحَ صوتُ الريحِ بالويلِ والرّدى
توالَى صدَى الأنفاسِ رعباً ورغبةً
تعالَى دخانُ الحقدِ حتى طوَى المَدى
تمادَى الدُّجى حتّى ظننّا خلودَه
وأدركَ أبوابَ النهارِ فأوصَدَا
وإذ بضبابِ اليأسِ يمضِي وينجلِي
ويصمتُ صوتُ الخوفِ؛ لا همسَ لا صدَى
ومِن كوَّةٍ في الأفْقِ تهوِي أشعّةٌ
تجدِّدُ للآمالِ والأمنِ مَولِدَا
تزيحُ ستارَ الخوفِ والظلمِ والأسَى
تُبدِّدُ ما بثَّ الظلامُ وجَدَّدَا
فأشرقَ بالنورِ المكانُ كأنّه
تَفجُّرُ فجرٍ شَقَّ ليلاً فبدَّدا
أوَ انَّ الضِّيا بَرقٌ بدُهمةِ ظُلمةٍ
أثارَ السّما نوراً و في الأرضِ أرعَدَا
ولم يهْمِ غيثاً بل تهاطَلَ ألفةً
فإذ بالورَى عادُوا؛ وبالطيرِ غرَّدَا
رأيتُ الدُّنا فاضَت بزهرٍ مؤنَّقٍ
ووجهُ الثّرَى يزهُو نديّاً موَرَّدا
فلا جوعَ؛ لا أتراحَ؛ لا فقرَ؛ لا شَقا
ولا حربَ؛ لا أهوالَ؛ لا خوفَ؛ لا عِدَى
قلوبُ الورَى تندَى بحبٍّ ورحمةٍ
كَسالِفِها تروِي الظَّمِيَّ من النّدَى
لِما بادَ مِن أخلاقِ أجدادِهم هفَوا
وعادُوا وظنُّوا العَودَ - إن يصفُ - أحمَدا
وكلُّ أخٍ يحنُو على قلبِ صِنوِه
يُجافيه نومٌ إنْ شقيقٌ تنهَّدَا
وألفيتُ كلَّ ابنٍ لأهليهِ راحماً
وبَرّاً؛ وبالحُسنى لهم مُتودِّدَا
وأنثَى تصونُ النفسَ في طهرِ مريمٍ
ويوسفُ في الشبانِ عادَ مُمجَّدا
رأيتُ صغاراً يمرحونَ بضحكةٍ
من القلبِ تعلُو؛ خلفَها الدهرُ زغردَا
رأيتُ بلادِي تعتلِي المجدَ رِفعةً
تبايعُها الدُّنيا؛ تمدُّ لها اليَدا
تفيضُ بخيرٍ مِن جَناها؛ ودِرعُها
وأبناؤها الأبرارُ يسمُون سُؤدُدا
رأيتُ فلسطينَ الأبيّةَ حرّةً
تطرّزُ ثوبَ النصرِ بالعِزّ والفِدَى
بقلبِي سمعتُ (اللهُ أكبرُ) أشرقَت
من المسجدِ الأقصَى وثنَّى ورَدَّدَا
وأيقظَنِي صوتُ الأذانِ بِدفئهِ
ينيرُ قلوبَ الخلقِ عذباً مُوَحِّدا
فقابلتُه رغمَ المآسِي ببسمةٍ
تجدِّدُ للفجرِ المُجنَّحِ مَوعِدا
_________________
عروبة الباشا
