قراءة الأستاذ: أمير ٱلمۘدرسۜ
لقصة هذا الأسبوع من فقرة: نقد وتحليل القصة القصيرة
« سيارة جاز » للقاص: مجدي شعيشع
•••••••••
• العنوان
سيارة جاز عنوان نكرة، غير فاضح، لذلك فهو من غير معنى، مالم يتم الولوج إلى النص، وقد أجاد الكاتب في اختيار العنوان.
• الشخصيات
كانت الشخصيات قليلة متلائمة مع شروط القص القصير، ويمكن اجمالها بشخصيتين:
- حسن طفل صغير في عائلة فقيرة، يبلغ من العمر اثنا عشر عاماً، ترسله أمه لجلب الجاز من سيارة الجاز المقلوبة.
- أم حسن، هي أم دفعتها الحاجة تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة، أن تعكس تلك الأحوال على تعاملها مع ابنها حسن.
• الزمكان
يحدد القاص في هذه القصة زمان ومكان الحدث، على عكس العديد من القصص التي تكتب، اذاَ القصة ربما تكون لتوثيق واقعة حقيقية، رآها القاص، أو سمع بها وأراد أن ينقلها لنا، أو ربما يكون هو عاشها، وظلت في ذاكرته، فدونها بقلمه، بعد أن أحاطها بهذا الوصف الجميل الساحر.
فالزمان هو عام ١٩٧٠ عام صعب، بعد تجاوز مصر تلك الفترة الصعبة التي عاشتها، بعد حرب الأيام الستة، وخسارتها المعركة، واستطاعت أن تتجاوزها بنجاح، بعد فترة عصيبة على الناس البسطاء، وتجاوزتها في الفترة التي تلتها عن طريق الاهتمام بالزراعة، فحققت نجاحاَ اقتصادياً.
اما المكان فهو قرية ميت حديد، هي احدى قرى محافظة الدقهلية تابعة لمركز منية النصر هذه القرية وغيرها من القرى المجاورة يتجاوز أعدادها بضعة ألاف نسمة (لم يبلغ خمسة الآلاف عام ٢٠٠٦) ، ويمتهن معظم سكانها الزراعة.
• السرد
جاء على لسان القاص، الذي لم يكن أحد شخوص القصة، وبالتالي كان موضوعيا في وصف الحدث، استخدم عبارات وصفية رائعة، استطاع أن يسحر القاريء من خلالها، فقد أبدع في نقل هذا الوصف العميق إلى صورة واقعية، تجسدت بصورتها السينمائية الكاملة صورة وصوتاً في مخيلة القاريء، فظل متمسكاً بها، والأمثلة عديدة، مثل وصف قنديل المسجد، ووصف الخوف الذي يعتري ذلك الطفل البائس في تلك الليلة الباردة.
• التحليل الفني والادبي
يبدأ القاص سرده، عبر حدث بسيط ليبين لنا حجم المعاناة التي تعيشها عائلة بسيطة في الريف المصري الحبيب، الذي لايختلف عن أي ريف عربي أخر، في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وحروب أن تركتنا، سعينا لها، أو حتى نختلقها لنطعمها من شبابنا.
الأم مصدر الحنان، تحولها الفاقة، إلى وحش تهدد ابنها، إن لم يملأ وعاءه جازاً من تلك السيارة المقلوبة، بهذه الجملة ابتدأ القاص قصته، فإذا تصونا أن الأم المسؤولة عن العائلة، هي أم حسن ذلك المواطن، وبذلك فهي تمثل لنا الحكومة بصورة عامة، وإن حسن الطفل البائس، الذي لايملك خياراً غير تنفيذ مايُطلب منه، هو الشعب، وسيارة الجاز، هو خيرات هذا البلد، التي تجلب النهار المضيء، والمستقبل المشرق لهذا الشعب، (كانت السيارة محملة بخزان جاز يكفي لإضاءة قرية كبيرة بحجم قرية ميت حديد.)، لكن هذا الخير الذي وهبه الله في صيغة بترول، راح نهباً للسراق، والكبار، ( ازدحمت الطرقات بالملثمين، استباحوا فى الظلام ما يستبيحه قِط جائع تحت مائدة متخمة... الكل يحمل صفائح الجاز، يغدوا لخزان الوقود خِماصاً، ويعودوا بِطانا.). بينما يبقى حسن المغلوب على امره (الشعب)، لا يحصل على شيءٍ، وكلما داهمه الخوف، التجأ إلى المسجد، ليجد فيه أماناً، الذي قد يفتقده في الواقع، وليشكي لله همه، في بيت الله، (جفت فتائل قناديل القرية، إلا قنديل المسجد الذي بدا شاحبا، كالمحتضر المتشبث بالحياة) وحتى في تلك البقعة الطاهرة كان الغش حاضراً، (ثم عاود النهوض بثبات، منتصباً من جديد متحاملاً على الجدار، بعد أن أضاف إليه الجد قاسم مؤذن مسجد الوصيف بعض الماء، يطفو الجاز؛ فيستمر الفتيل فى الاشتعال.)، انقلاب السيارة، هو حالة وهن، كما عبر عنها القاص، وأن كان البعض قد ساعد في إنقاذ السائق، لكن بالتأكيد لن يفلحوا في استجماع الجاز الذي تفرق بين الارض وعبوات السارقين، تلك الحركة الكثيفة في الحصول على الجاز، قادت لخروج الجموع من الناس الي الشوارع، لتحطم ذلك الصمت الليلي إلى ثورة عارمة، (فحطموا الظلام، وعادت الحياة للشوارع متوهجة تخترق الآفاق.أزاحت خيوط الفجر عتمة الليل.)
وحين عاد حسن صفر اليدين، (وهي تدرى أن الغزلان لن تشرب بين أسود ترتوي)، ليسلم حسن نفسه إلى أمه، (سلم لها رقبته تسليم اليائس من الحياة، لم يقوَ على أن يحمي وجهه النحيل من طواحين الهواء التي أهلكته...)، ويتلقى كيل تلك الصفعات صابراً محتسباً، رغم إنه لم يسرق، لكنه نال العقاب.
لقد قدم لنا الأستاذ القاص المبدع مجدي شعيشع قصة رائعة، أبدع في عباراته الوصفية، في سرد متواصل وبلغة سهلة بسيطة، تصل إلى القاريء بيسر.
• شكري وتقديري للقاص المبدع مجدي شعيشع، وعذراً إن قصرت في جانب ما، لأن النص الجيد يتحمل أكثر من قراءة،شكر خاص لزمرة الأدب الملكية، على تنظيم هذا الكرنفال الأدبي والنقدي وشكر خاص للأخت الفاضلة لجهودها المميزة مع التقدير.
أمير ٱلمۘدرسۜ /الْعِرَاق 🇮🇶.
•••••••••••••••
القصة المقترحة لهذا الأسبوع بعنوان « سيارة جاز »
للأستاذ القاص: مجدي شعيشع
وهي القصة الفائزة بالمركز التاسع في مسابقة القصة القصيرة لدورتها الثانية لعام 2020.
« سيارة جاز »
دفعت أم حسن ابنها بوعاء فارغ ليملأه جازاً من تلك السيارة المقلوبة على الطريق.
توعدته: لأذبحنك إن تأخرت!
خرج من البيت والنوم يمتطيه، يتحسس جدران البيت كقط يأنس بصاحبه، لا تدري من منهما يستند على الآخر، يجر بقايا جسده الرخو، فى إحدى ليالي شتاء 1970، سقطت ستائر الظلام على البيوت، بعد انقطاع آخر خيوط الشمس، شهقة الرعب كألحان جنائزية، تخصُم أُذُن الليل
سكنت القرية، نباح الكلاب الضالة في الأفق، يفتت سكون الليل.
قبل أن يأوى الناس إلى فرشهم، انفجر إطار سيارة نقل، فاستحال نباح الكلاب عواء، وتحركت المياه الراكدة فى بِركة الصمت.
انتشر صدى الحادث بين البيوت، انتشار النار في الهشيم، اختلط صرير الأبواب بخشخشة النوافذ، وارتفعت الهمهمات متسللة من بين الجدران .
كانت السيارة محملة بخزان جاز يكفي لإضاءة قرية كبيرة بحجم قرية (ميت حديد).
حسن طفل نحيل، فى الثانية عشر من عمره، يغوص بين المارة من حوله ولا يرى أحداً، السماء تسقط كِسفاً سوداء تتعلق على الحوائط والنوافذ، فلم يجد أمامه إلا المسجد يلوذ به، قضى حاجته، توضأ، ثم صلى العشاء....
يتخبط الناس فى الطرقات كعميان مغتربين، أصواتهم بالذكر والهمهمات تحدد المسافات بينهم.
جفت فتائل قناديل القرية، إلا قنديل المسجد الذي بدا شاحبا، كالمحتضر المتشبث بالحياة؛ تارة يفتح إحدى عينيه المرتعشتين، وتارة يتكوم ضوءه فى ركن قصي من المسجد، يرتجف إن لفحته أي نسمة، يتسلق جداراً باهتا تعلوه صفرة داكنة، صفعه هواء بارد، اخترق شقوق نافذة متآكلة الجوانب، فسقط مغشياً عليه، ثم عاود النهوض بثبات، منتصباً من جديد متحاملا على الجدار، بعد أن أضاف إليه الجد قاسم مؤذن مسجد الوصيف بعض الماء، يطفو الجاز؛ فيستمر الفتيل فى الاشتعال.
الخوف يُفقد حسن القدرة على المشي، تتخبط ساقاه.
غرقت الطُرُق فى طوفان الظلام، واختنقت الحارات فى وجه حسن، تزاحمت الخرافات وحكايات الرعب؛ يعيشها الآن حقيقة، حبس أنفاسه وثقلت خطاه، مرة يقرأ سورة من القرآن، ومرة يلعن الجاز ومن يطلبه.
الظلام أضيق زنزانة انفرادية على وجه الأرض، يتساوى داخلها الصالح والطالح، الكبير والصغير، خطوات حسن ثقيلة محاصرة بالرعب، مثبتة بوتد فى الأرض، أقصى أمنياته أن تهمد التهيؤات والوساوس، التي تنبح فى أذنية كالكلاب الشرسة، حتى يخطو بضع خطوات بسلام.... لا شيء يدغدغ أسوار العتمة غير التقاء كل الناس على هدف واحد، حُفر الشوارع تبتلع ساقيه المُرتجفتين، والكلاب النائمة فى عرض الشارع تنهش من يصطدم بها.
تقفز الأشباح على أكتاف حسن وتتراقص كالأفاعي، لا يستطيع الإسراع أو المشي ببطء، يقتات الظلام من خفقات قلبه، وتختمر مياسم الأمن فى بتلات الخوف.
ازدحمت الطرقات بالملثمين، استباحوا فى الظلام ما يستبيحه قِط جائع تحت مائدة متخمة... الكل يحمل صفائح الجاز، يغدوا لخزان الوقود خِماصاً، ويعودوا بِطانا.
لم تُرفع الحدود في زمن المجاعة، فلما سقطت فى الرخاء؛ حلت المجاعة.
دار حسن فى نفس المكان، كالسائر عالأشواك بأقدام حافية، ولم يصل إلى منبع الجاز.
الخوف بنى لليأس تيهاً آخراً استعمر عقله، وخارت عزيمته.
لاذ بدكان عطا، المُحاط بأفرع الشجر وأجولة الخيش الفارغة، تسلل بين أقفاص الفاكهة، غرس أظافره بينها حتى شبع، هدأ خفقان قلبه وتلاشى الفزع، أسند رأسه على ضباب الليل، شَعُر بالأمان؛ فنام.
أسعف المعدمون السائق واطمأنوا عليه، ثم حطوا على خزان الوقود كالجراد يحط على الأخضر واليابس، اغتصبوا حقاً لم يكن لهم، تزاحموا على سيارة الجاز زحام الماعز التي جفت أكبادها على عين ماء، حتى سحبوا ما تبقى من الخزان، ابتلعته الصفائح لتبتل فتائل القناديل؛ فحطموا الظلام، وعادت الحياة للشوارع متوهجة تخترق الآفاق.
أزاحت خيوط الفجر عتمة الليل، وأم حسن تقضم أظافرها بين خوف ورجاء، حتى وصل ابنها الضال يئن تحت ثقل الوعاء، والخيبة تثقل قدميه أكثر يجرهما كالكسيح!
ساعدته جارتهم التي جاءت تهدئ من روع أمه، سقط الوعاء بين يديها، لم تجد أمه الجاز؛ سلم لها رقبته تسليم اليائس من الحياة، لم يقوَ على أن يحمي وجهه النحيل من طواحين الهواء التي أهلكته...
وهي تدرى أن الغزلان لن تشرب بين أسود ترتوي، ثم تسبح فيما تبقى حتى تُعكِر النهر، وحسن يترنح برأسه كالبندول.
صرخت بصوتها الخشن:
- أين الجاز ؟
- رد بصوت متهدج من فرط الصفعات التي طحنته:
- - وجدت على الطريق سيارة مقلوبة، كانت محملة بالبرتقال!!!
- ————
- الجاز : هو الكيروسين مشتق من النفط، يستخدم للإضاءة.
•••••••••••
نقد وتحليل القصة القصيرة
زمرة الأدب الملكية.
فرع القصص.
