« من أوراق الذاكرة »
إعداد وتقديم: أ. جمال الشمري
تنسيق وتوثيق: أ. سامية عبد السعيد
••••••••••••••••••••
1- لأول مرة أحظى بأشيائي الخاصة ملعقتي، صحني، كوبي، فرشاة أسناني، حقيبة سفر صغيرة كتب عليها اسمي، حتى ثيابي لأول مرة تكون لي وحدي، فضيق الحال وتقاربنا بالسن أنا وأخواتي جعلا ثيابنا مشتركة ،لأول مرة سأغادر أهلي، و كان ذلك كفيلاً لخلق القلق والتوتر لطفلة في الصف الخامس ابتدائي. وأذكر يومها مرّ الليل وعيناي تنتظران الصباح ،وخيالي يرسم آلاف الصور عن الأيام القادمة .
اجتمعنا في باحة المدرسة الترابيّة،غير المسوّرة، نظرت إلى الوجوه وقد غمرتها السعادة ،لم أر فيها أثراً لما يشغلني فتبدد قلقي .
بعد انتظار طويل خرج المدير، ليخبرنا بأن ادارة المعسكر امتنعت عن ارسال الحافلات، وذلك لأننا لم نجمع أزهار الزيزفون المطلوبة ..لذلك علينا الإنطلاق إلى الحقول وتنفيذ الأوامر حسب تعبيره ،
انطلقت وصديقاتي إلى درب تكلله أغصان الزيزفون. كنت قد خبرته من قبل، ركضنا اليه وغرقنا برائحته.
انتشر الطلاب في الحقول ولم يكتشف أحد مخبأ العطر الذي عثرنا عليه.
إلا امرأة وخروفها الوديع، يرعى بالقرب منا، كانت قد تعجبت لانتشار الأطفال في الحقول فأتت تسألنا ما الأمر؟ ..وعندما اخبرناها ضحكت،و شرعت تغني …ـ(عالا دلعونا عالا دلعونا بتزهر ما بتثمر يا زيزافونا ..)ولازال صوتها معجونا بعبق الزيزفون في ذاكرتي .
كانت الأكياس الورقية مختلفة الأحجام تتكدس على طاولة المدير، وهو يثني علينا ،ويطلب منا الصعود اإلى الحافلات ..ويوعدنا بأطيب شاي سنتاوله مع الزيزفون. وكنت لأول مرة أسمع بشاي الزيزفون .
كل صباح في المعسكر انتظر أزهار الزيزفون التي جنيناها وأدمينا أصابعنا من أجلها .خاب انتظاري فلا زهر ولا عطر بل كنا نتناول شاياً مثل القطر وكنت أسأل رفيقاتي اللواتي قدمن من مدارس اخرى: هل جنيتن مثلنا الأزهار ؟ و يستغربن سؤالي ومنهن لم تسمع بالزيزفون من قبل. و لا زلت أذكر صدى قهقهة المدرّبة، ترددها غابة بجوار خيامنا، وأنا أخبرها عما وعدنا المدير به …وما أن استطاعت أن تفلت من ضحكتها حتى قالت مستنكرة ..(ادارة المعسكر ما طلبت أزهار .. تعيشو وتاكلو غيرها)
مضت أيام المعسكر الجميلة ،وروحي متشربة بالزيزفون …والخيبة،وعقلي يردد أغاني وطنية، كنت أحفظها من أول مرة.
•••••••••••••
2- ذات فجر وكانت المرحومة أمي تهدهد ابني كي لا يوقظني، وكانت قد اجتمعت هي وشقيقتاي وشقيقة زوجي على رعايتي ورعاية المولود سألتها بخجل:
- لقد أنجبتِنا بعيدا عن أهلك في "الضْمير"*،
من كان يرعاك ويساعدك بعد الولادة.
ابتسمتْ بحزن شفيف كأنها تقول لي :
- الآن حتى فطنتِ أن تسأليني ؟؟
ثم ابتسمت طاردة الحزن بل قالت بكل فخر وصدق :
- والله يا بنتي لم ينقصني أبدا رعاية
فجاراتي (الضْميريات ) كُنَّ أحَنَّ عليَّ من أهلي...
إااااايِه كانت أيام الخير ليتني أعرف أخبارهن الآن وتابعت بحسرة ...
- كم كان صعباً علي فراقهن .
وقتها لمتُ نفسي :
- لِمَ لَمْ يخطر لي هذا السؤال من قبل؟
هل علينا أن نصبح أمهات؛ لكي نشعر بمعاناة أمهاتنا؟.
وطوال الحرب الدائرة في بلدي كثيرا ما أذكر جملتها (كُنَّ أحَنَّ عليَّ من أهلي) .
" الضْمير" : ناحية تابعة لدمشق.
3 - إلى "طِرجانو"
••••••••
وخلال أواخر السبعينات من القرن الفائت كانت تصل الوحدة الثقافة المتنقلة،
سيارة مغلقة بما يشبه المكتبة ، وكنا ننتظرها كل شهر،
يُسحبُ بابُها لتلفحنا رائحة الكتب ويكشف عن رفوف ترقد عليها أشهر الروايات العالمية
أشعر أني مَدينةٌ لتلك المكتبة المتنقلة لأنها وفرت لي أهم الروايات خلال فترة بين
12- و17 سنة من عمري.
السعادة التي كنت أشعر بها لم تكن بحصولي على الكتاب بقدر ما كانت تغمرني و الموظف يدون أسمي على دفتر كبير ويقابله ب عناوين الكتب التي استعرتها ثم يطلب مني بابتسامته الحنونة المشجعة:
-وقعي هنا يا ابنتي
لأوقع لأول مرة في حياتي بتوقيع أبي الذي كنت أقلده دائما ...
وما زال هو توقيعي بالرغم من محاولاتي الفاشلة بتغييره ...
وكم كنت أشعر بذاتي وأنا أعامل بمسؤولية كالكبار،
وما زالت عناوين الكتب تلك تغريني بقراءتها مرة أخرى "مرتفعات وزرنج"
"البؤساء"
"ذهب مع الريح"
"كيف سقينا الفولاذ"
"الأم"
"موسم الهجرة إلى الشمال"
"درب الآلام"
وغيرها .. وغيرها ...
كنت أتحسر حين أعيد الكتاب إذ أتعلق بشخوص الروايات وأتمنى أن تبقى معي،
بل كنت أتمنى أن تكون تلك السيارة ملكا لي وحدي.
" طِرجانو " : قريتي تابعة لمحافظة اللاذقية.
••••••••
4 - مدرس اللغة العربية أول من أطلق علي لقب (أديبة)
كنت أشعر بتميزي وهو يصفني بالأديبة
كنت في الصف الثاني الإعدادي (الثامن)
وكان ينقل إلى كل الصفوف ما أكتبه من مواضيع التعبير ويقرأه هو وكنت اشعر بفخر كبير حين يطلب مني بلكنته الحلبية ،المحببة إلى قلبي حتى الآن، أن أرافقه ليصفق لي طلاب وطالبات أكبر مني سنا، وكان يشيد بموهبتي أمام زملائه فأخذوا يهدوني الكتب التي ما زلت أحتفظ بها إلى يومنا هذا.
لم أنقطع يوما عن القراءة لكن تأخرت جدا في الكتابة وكم أتمنى الآن أن يقرأ أستاذي ما أكتبه لأسأله هل يتذكر نبوءته.
وكم أتمنى أن أرى اليوم مدرسا تعنيه مواهب تلامذته .
•••••••
5 - في السنة الثالثة زراعة كانت جلسة العملي هي قياس صلابة التفاح فوزعت علينا الثمار وكان قد بدأ بالعمل بالتوقيت الصيفي ، فلم ينتبه دكتورنا للأمر مما جعله يتأخر ساعة كاملة حتى ظننا أنه لن يأتي فقمنا بتقشير التفاح وأكله
وكان زميل لنا هو صاحب الفكرة وشجعنا على الأمر.
حين حضر الدكتور غضب منا وأخذ يوبخنا بأن جلسة العملي ستلغى نتيجة استهتارنا فانبرى الزميل الذي كان قد شجعنا على الفوضى وقال له:
- دكتور، أنا لم آكل هذه تفاحتي اجر عليها التجربة
فشكره الدكتور ووعده بخمس علامات زائدة عنا ،
قلت يومها:
- هذا مشروع مسؤول كبير، في المستقبل سيكون له شأن،
وبالفعل مضت الأيام وتنقل الزميل
"أبو التفاحة" ، بمناصب إدارية عدة.
___________________
« من أوراق ذاكرة »
الأستاذة: صديقة علي
