(غزة ٢٠٢١ في قصة قصيرة جدا)
قراءة نقدية بقلمي: أسامة الحواتمة Osama Hawatma
للققج "إدبار" لصاحبها أ. مهاب حسين مصطفى / من مصر
تمهيد من أيقونة "خيول الناصر":
يبدو أن القصة من نتاج ذاكرة تعجُّ بأسلوبية "أمل دنقل" الشعرية الممتلئة بمفارقات ساخرة، تهكمية، وبالذات مفارقة التحول التي يجيد من يمتطيها بالعبور رمزا من حلقات التاريخ إلى الحاضر ثم إلى المطلق، وهنا يكمن التساؤل: هل نبتت هذه القصة بعد خاتمة قصيدة "الخيول" رائعة أمل دنقل؟ المتحولة بين الفتوحات بدايةً حتى الموت نهايةً، ممتطيا في كل جزئية منها الخيل، لتنبت بعدها هذه الققج تحولا لم يتوقعه أمل دنقل نفسه قامت به أيقونة "خيول الناصر": هذه الأيقونة كانت إما إشارة (لخيول الملك الناصر محمد بن قلاوون تاسع السلاطين المماليك، كان شغوفًا بامتلاك الخيول العربية الأصيلة، حيث مات عن أربعة آلاف وثمانمائة فرس)،
أو إشارة (لخيول الناصر صلاح الدين الأيوبي) وهذه الأخيرة أقوى.
النص:
« إدبار »
حلت ساعة الطعان..
حفّت أرواحهم سوق عكاظ، عبدة النار والدم تهافتوا. نُكست سيوف"الثقفي"؛
لما بزغت خيول"الناصر". تقاطروا من المنافي، تأبط الأنبياء ظلالهم. تفتت القبة.. ذاب حائط مبكاهم!.
مهاب حسين/مصر.
العنوان:
إدبار: اسم مفرد نكرة دال لا يتقاطع مع النص مباشرة بل في منطقة ما وراء امتداد نهاية النص. من معانيه الانهزام التقهقر والإعراض.
المتن:
(حلت ساعة الطعان..
حفّت أرواحهم سوق عكاظ، عبدة النار والدم تهافتوا. نُكست سيوف"الثقفي"؛
لما بزغت خيول"الناصر". تقاطروا من المنافي، تأبط الأنبياء ظلالهم. تفتت القبة.. ذاب حائط مبكاهم!.)
السرد:
سرد قصصي مكثف ومفارق قائم على أفعال ماضية صنعت منه بداية بـ (حلت، حفت، تهافتوا) وذروة وعقدة بـ(نكست) وحل وانفراجة بـ (بزغت، تقاطروا، تأبط) وبقفلة دالة مباغتة ومفارقة متحولة بـ (تفتت، ذاب).
البناء اللغوي:
يفضل استخدام ثلاثة نقاط (...) بدلا من النقطتين (..) للدلالة على الكلام المحذوف، باقي مواضع علامات الترقيم جيدة.
موضع الأداة (لما) في النص، يفضل أن يسبق الفعل (نُكِّس) بدلا من أن تسبق الفعل (بزغت) ليكون سياق السبب والنتيجة متناسق.
المشهدية والدلالات والتحليل:
بدأت القصة بـ (حلت ساعة الطعان..) وأيقونة الطعان تعبر عن صورة التحام قِوَى من مسافة قريبة جدا، فبدون المسافة القريبة غالبا لا يكتمل معنى الطعان، وهذا ما يُنمِّي المشهد بدايةً لينقل صورة فرعية تتمثل بأن تلك القِوَى المتطاعنة هي قِوى قريبة من بعضها بروابط دم ولغة وتاريخ واحد، بترها الاستعمار إلى دويلات تطعن بعضها رقاب بعض، إلى أنْ (حفّت أرواحهم سوق عكاظ) وأيقونة سوق عكاظ تحيلنا للشعر والشعراء لكنها أيضا تحيلنا لأيقونة النِّخاسة -بيع العبيد- لذلك حفت أرواحهم كجمهور العبيد حول سوق عكاظ كما تشير القصة باستدعاء الرمز من عمق زمن تلك الأمة، ولم يكن ذلك لولا أنهم تطاعنوا ولم يتوحدوا، ثم يؤكد هذا القول الجملة التالية في القصة: (عبدة النار والدم تهافتوا) وأيقونة التهافت هنا تُفَرِّعُ مشهدَ أولئك العبيد إلى تطابقٍ مع صورةِ تهافت الفراشات وهي تتساقط في عنق المصباح إلى شعلة مُعذِّبها، وكأنها تُسَاق إلى حتفها مُرغَمة وبإرادتها معا،
(عبدة النار والدم تهافتوا) أما أيقونة "النار والدم" فتُفرِّعُ للقارئ صورة الرّكوع للقوّة النّوويّة والانقياد لخشيتها في هذا الزمن الراهن، وتومئ الى صورة عشق أولئك العبيد للنار والدماء بينهم اقتتالا ونزاعات وحروبا بينيّة طمعا ببعضهم البعض، واستقواء بعضهم على بعض مقابل متاعٍ من الغرور، ليسود بينهم الجبروت وليس على أعدائهم.
لكن مشهد الجبروت هذا لا يستمر طويلا كما تخبرنا القصة بأن مجهولا ما لم يُحسب له حساب قام بفعلةٍ تُغَيِّرُ المعادلات والتّوازنات وتُربك المشهد: (نُكِّست سيوف "الثقفى") هذا المجهول نَكّسَ سيوف الجبروت الذي يمتهنه العبيد ليغطوا بالجبروت عيوبهم بتكميم الأفواه وتعتيم الحقيقة، ليسفر هذا التنكيس عن كل ما وارَوهُ في لحظةِ تعريةِ وجوههم القبيحة منذ زمن، وأسفر التنكيس أيضا عن أنّ قوَّة (النار والدم) التي ركع لها العبيد لم تعد تخيف الأحرار الذين أفاقوا ونهضوا من بطن الأرض ممتطين (خيول الناصر) التي أيقظوها من المضامير وميادين الفرجة والمتعة ليعيدوها كخيول صلاح الدين إلى ميدان حطينٍ جديدةٍ جعلت الأعداء يتقاطرون من منافيهم في الأرض يستجمعون أنفاسهم لهذا المجهول الذي أدّى إلى صحوة الغافلين الممتطين صهواتِ جيادٍ ذات أجنحة تطير وتحلق لتحقق آثار إخبار (تأبط الأنبياء ظلالهم) فتمهد طريق نبؤاتهم في بداية تفتيت القبب الحديدية(تفتت القبة..) التي أوهنوها بجيادهم المُجَنَّحة لتَصُبَّ حمما أبابيلا تُذيب حائط مبكاهم الزائف (ذاب حائط مبكاهم) ليتحقق إدبارهم الكامل قريبا بحول الله تعالى. (إدبار).
« إدبار »
حلت ساعة الطعان..
حفّت أرواحهم سوق عكاظ، عبدة النار والدم تهافتوا. نُكست سيوف"الثقفي"؛
لما بزغت خيول"الناصر". تقاطروا من المنافي، تأبط الأنبياء ظلالهم. تفتت القبة.. ذاب حائط مبكاهم!.
مهاب حسين/مصر.
بالنهاية، قصة قصيرة جدا برسم الامتياز أهنئ صاحبها
الأديب والقاص المبدع أ. مهاب حسين من مصر متمنيا له دوام الإبداع.
