من مُعارضاتِ الشعر(3) :
إنفاذاً لما قطعناه على أنفسنا - نحنُ شعراءَ مدرسةِ الجن - من إحياءِ فنون الشعر القديمة من لزومياتٍ ونقائضَ وتشطيرٍ ومعارضةٍ باعتبار ذلك أحد أهم المبادئ التي تقومُ عليها المدرسةُ وتدعو إليها ، فقد خصَّصتُ منشورَ الليلة لهذا الفن الأخير (المعارضة) ؛ لعلنا نُسهِم بذلك في نهضةِ الشعرِ العربي الأصيل ، وعودة النغم الخليلي إلى الواجهة من جديد بعدما كفر به منذ أكثر من ستين عاماً أصحابُ الشعر الحر ، وما يُسمَّى بشعر التفعيلة ، وما أُشيعَ على ألسنة الناس زُوراً وبُهتاناً كالحَملِ السِّفاح بقصيدة النثر . وأمسى الأصَلاءُ المعتصمون بعَروضِ الشعر ونغمِه الخليليِّ فئةً قليلةً تُعَدُّ عدَّا:
وقد كنا نَعُدُّهُمُ قليلًا
فقد صاروا أقَلَّ من القليلِ
من هؤلاء الشعراء الأصلاء تخيَّرتُ لأصدقائي قصيدةً ماتعةً لشاعر الحب والجمال الشاعر: ثروت سليم سليم ، وفيها قرض بعنوان " ثروةُ الشعر " على نغم البسيط يقول :
ثــَرْوَةُ الشِـعر
----------
لا أحزنَ اللهُ قَلْبَ الشِعرِ يا ولدي
ويَسكُنُ الشِعرُفي قلبي وفي كبدي
أُخيطُ مِن ورق الريحَان قافيتي
وأركبُ البحرَ باسمِ الواحدِ الأحدِ
الشِعرُ طِفلٌ يُغنِّي بين أضلُعِنا
وطِفلَةٌ ضَحِكَتْ في حضرةِ الولدِ
لا يعرفُ الشِعرُ أحقاداً .. ومَوطِنُةُ
قلبُ الحَبيبةِ قبلَ الجَاهِ والبَلدِ
والشِعرُ مِثقالُهُ تِبْرٌ ولو وزنوا
شِعري معَ التِبْرِ قَلَّ التِبْرُ لم يَزدِ
وأجملُ الشِعرِ حرفٌ بين أضلُعِهِ
قلبٌ يدقُ بنبضِ الحُبِ للأبدِ
مَا كُلُ مَنْ فَرِحَتْ ليلاهُ في رغَدٍ
أو كُلُ مَنْ حَزِنتْ نَجواهُ في نكَدِ
وصَنْعَةُ الحَرْفِ اِلهَامٌ ومَعرِفَةٌ
مَا كلُ ظبيٍ بدا في هَيبَةِ الأسدِ
لقد ولدْتُ ولي وَزنٌ وقَافيَةٌ
أنَّى ذَهَبْتُ كنبضِ الروحِ في الجَسَدِ
أرَى الخليلَ سعيداً في أريكتهِ
مُستفغلن فاعلنٌ مُستفعلن بيدي
********
ثروت سليم
-------------------------
وقد عارضتُه على النغم والرويِّ نفسيهما فقلتُ :
يا ربَّةَ الشعرِ إنَّ الشِّعرَ في خَلَدي
حبلٌ من الخَزِّ لا حبلٌ من المَسَدِ
بالياسَمينِ بَدَتْ تختالُ قافيتي
والبحرُ كبَّرَ لمَّا أنْ رأىٰ رَفَدي
إنْ خاننا أملٌ .. في الشعرِ مُتَّسعٌ
كالوالِدَيْنِ لنا إذ نحنُ كالولَدِ
الشعرُ للحبِّ واحاتٌ نفيءُ إلَيــْ (م)
ـها من هجيرِ بلاءِ العيشِ والكَبَدِ
ومُسنَدُ الشعرِ بي صحَّتْ روايتُهُ
دوني تراهُ ضعيفَ الوصلِ والسَّنَدِ
والشعرُ إنْ نبضَتْ بالحبِّ أحرُفُهُ
ألفَيْتَ عاتيَ موجِ البُغضِ كالزَّبَدِ
يارُبَّ خاطرةٍ بالليلِ سارِبةٌ
كانت رسولًا لِغَيْثٍ دائمِ المَدَدِ
مازلتُ أَتبعُها والفِكرُ في وَهَجٍ
والشعرُ في أرَقٍ والنومُ في فَنَدِ
بالشعرِ أحيا فإنْ أُبحِرْ بأَبحُرِهِ
ودِدتُ لو أنني للموتِ لم أُعَدِ
متى نظَمْتُ على البسيطِ أغنيةً
ردَّ الخليلُ : سواكَ الشعرُ لم يَلِدِ
