« وإنْ ماتَ فسَيَحيا »
•••••••••
كنتُ تلميذاً في الصفِّ الثاني الابتدائيِّ عندما طلبتْ منَّا معلِّمَتُنا أن نكتَبَ كلمةً نُحبُّها دونَ أن تمليَ علينا شيئاً، وتركَتْ لنا ~حُرِّيَّةَ الاختيار.
يا لهُ من اختبارٍ صعبٍ، إذ كيفَ يمكنُ أن أُحدِّدَ ما أُحِبُّ وأنا لمَّا أتعلَّمْ بعدُ أن أُرفرِفَ خارجَ القفصِ الذي كنتُ أتخبَّطُ بداخِلِهِ، فلا آكلُ إلا ما يختارونَ لي، ولم أكنْ أرَى شروقَ الشمسِ إلا بصيصاً من ثُقبٍ قد غَفِلوا عنه، فَهُم وضعوا قفصي باتجاهِ غروبِها فقط، خوفاً عليَّ كما كانوا يُردِّدون.
من ماذا؟
من العشقِ؟!
فكنتُ أسمعُهم يقولون: لا تجعلوهُ مواجهاً للشرقِ بل للغربِ.
تباً لهم، ما عَلِموا أنَّهم جعلوني عاشقاً للحظةِ الغروبِ لأنها تزيدُني إيماناً ويقيناً أنَّ لكلِّ شيءٍ نهاية.
يناديني أحدهم : أطلتَ الاستطرادَ يا هذا، قل لي ماذا كتبتَ يومها؟
آه تَذَكَّرت، قلتُها بِخَجل...
أمسكتُ قلمي وكتبتُ ثلاثةَ حروفٍ، ألِفَاً وميماً ولاماً، فنَظرَتْ إليَّ المُعلِّمةُ ضاحكةً، قَرَصَتْ خَدِّيَ النَّاعمَ وقالت : أَتُحِبُّني؟
قلتُ وقد احمرَّت وجنتايَ خجلاً : نعم، ولهذا كتبتُ اسمَكِ.
عندها شعرتُ بشعورٍ لم أجد تفسيراً له إلا بعدَ سبعٍ وعشرينَ سنةً مَضَتْ من عمري، نعم، أحببتُها عندما تركَتْ لي حُرِّيَّةَ الاختيارِ، وتركَتْ على وجهي أثرَ لمسةٍ من وُد، لا صفعةٍ من غِل، ولم تُجبرني على حُبِّها بالعَصا كما كانَت تفعلُ (مُنتهى) معلِّمةُ الشُّعبةِ الثانيةِ بجوارِنا.
نعم، لهذا أحببتُها، وحزنتُ كثيراً عندما قرأتُ صُدفَةً بعدَ عِقدَينِ ونَيِّفٍ من الزمنِ على بابِ كَنيسةِ ورقةً قديمةً أُلصِقَتْ صورَتُها عليها تنعى وفاتَها قبلَ شَهرَين، وقد كُتِبَ بين صَليبينِ اثنين (من آمنَ بي وإنْ ماتَ فسيحيا)، فسألتُ نفسي : حتى ولو كانَ الأمل؟!
•••••
محمد قَنبر
