«صورتي بين أنامل رقيقة»
••••••
في حلمي.. مذهولاً وقفت أمام لوحةٍ كبيرةٍ مرسومةٍ بالأبيض والأسود مساء هذا اليوم في معرضٍ للرسامين المحترفين، تأملتها طويلاً، وتابعت تفاصيلها بدقة..
يا إلهي.. إنها ذات الصورة التي فقدتها في عربة القطار عندما كانت تجلس قبالتي تماماً تلك الفتاة الجميلة والتي كانت تضع لوحةً على رجليها، وقد ظهرت ركبتاها الرخاميتان عندما راحت تكمل بعض رتوش لوحتها قبل أن ينطلق القطار..
العرافة التي كانت تراقبني وأنا جالسٌ هنا على مقعدٍ خشبيّ في الحديقة قرأت طالعي من خلال ملامحي لتشير إليّ بعصاها الطويلة ذات الرأس المعقوف؛ وتقول:
تلك الفتاة التي رسمتك هي ذاتها تلك التي قابلتها في القطار، وكانت تراقبك بحب، وهي ذاتها التي صاغتك بهذه الصورة الحزينة، لن تتلاقيا فالقطار مضى بعيداً..
كل الأصدقاء الذين تركوني، وغادروا حياتي لم تجمعنا معاً أياماً جميلة، ولم تكن رداءة ذوقي في اللباس هي السبب، ولا حتى هدوئي القاتل..
وحتى بعض الصديقات ابتعدن عني، وأظن أن طعم قبلاتي ليس هو السبب، أو عدم معرفتي للرقص.. أبداً لم تكن هي تلك الأسباب..
كل الذين تركوني وابتعدوا عني أظنهم لايحبون الليل؛ هذا الصديق الذي لايعرف كيف يهرب مني لأنه ببساطة يسكنني ويعيش معي، وأظن أننا اعتدنا على بعضنا، ولايمكن أن نفترق.. ما أجمل أن يجد أحدهم عطراً بنكهة الليل!..
أو آخر يبدع مشروباً بلون الليل ورقّة سريانه، أو حتى أي موظفٍ في مكتب بريدٍ مهجور يبدعُ طابعاً بريدياً أسود ليكون رسم تواصلٍ مع من يشاركني صفاتي الباهتة..
ما يحيرني ويشغل بالي سببَ ابتعاد صديقتي الأخيرة مع أنها تحبُّ الليل الذي يسكنني، فقد كانت تسكنُ معنا وتمارس كلَّ طقوسي معه بشيءٍ من حب، وكثيرٍ من سعادة..
•••••
الكاتب: "البازي عيسى"
