« مقال » بعنوان
« كورونا أوصد الأبواب بوجه الحجيج »
~ إعداد: مجد جودي
{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }.
(الحج-آية27)
قلوبٌ منفطرة ومشاهد لن تنسى، فهذه السنة الثانية على التوالي لم يأت حجاج بيت الله الحرام من كل فج عميق، ولم تتوافد الجموع الغفيرة من كل أنحاء المعمورة،
حج هذا العام أيضاً أحزن مسلمي العالم، كيف لا وقد حرم الكثير من أداء الفريضة بعد سنواتٍ من الشوق والانتظار.
الحرم شبه خالٍ إلا من أعداد محددة أكرمها الله واختصها لتكون من حجاج بيته، لم نعتد رؤية صحن الطواف خاوياً وبخاصة في موسم الحج، وذلك بعد اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير الصحية بسبب ذلك الوباء اللعين الذي اجتاح العالم وفرض سيطرته بغلق كل المنافذ والدروب على سكان الأرض؛ فكان موسم حج استثنائي؛ تم الاقتصار فيه على من هم داخل المملكة لأداء المناسك.
قد تكون هذه المرة الأولى التي تعيشها الأجيال المعاصرة دون إقامة موسم الحج بسبب الجائحة؛ لكن، تشير مصادر عدة إلى أن الحج قد ألغي كلياً وجزئياً في مناسباتٍ سابقة، لظروف مختلفة اجتاحت المنطقة آنذاك.
و بحسب الموقع الرسمي لإدارة الملك عبد العزيز في السعودية، سجل التاريخ الإسلامي تعطل موسم الحج 40 مرة، بسبب أحداث وكوارث لازمت مواسمه ومنها: انتشار الأمراض والأوبئة، توتر العلاقات السياسية وعدم الاستقرار الأمني، الغلاء الشديد والاضطراب الاقتصادي، إلى جانب فساد أمن الطرق بفعل اللصوص والقُطاع، والتي سأذكر بعضاً منها.
مجزرة القرامطة
المرة الأولى التي شهدت تعطيلاً لفريضة الحج كانت بسبب "القرامطة"، وذلك خوفاً منهم لأنهم "كانوا يعتقدون بأن شعائر الحج من شعائر الجاهلية ومن قبيل عبادة الأصنام".
وبحسب المصادر التي استند إليها موقع الدارة، فقد وقف أبو طاهر القرمطلي أمام باب الكعبة في الثامن من ذي الحجة عام 317 الهجري، ونادى بأتباعه قائلاً "أجهزوا على الكفار وعبدة الأحجارـ ودكوا أركان الكعبة واقتلعوا الحجر الأسود".
ويقال إن موسم الحج آنذاك شهد مجزرة خلفت ما لا يقل عن 30 ألف قتيل من الحجاج الذين دفنوا في موقعهم دون غسل ولا كفن أو صلاة. كما قام القرامطة بطمر بئر زمزم بوضع ثلاثة آلاف جثة فيه.
ويوثق التاريخ الإسلامي أن وباء تفشى في مكة سنة 357 هجرية، عرف باسم "الماشري"، تسبب في موت كثير من الناس، وتسبب في موت جِمال الحجيج أيضا جراء العطش، وأن معظم من تمكنوا من الوصول إلى مكة حجيجاً ماتوا بعد أدائهم الحج.
وفي عام 983 ميلادية قيل إنه لم يحج أحد من العراق بسبب الفتن والخلافات بين خلفاء بني العباس وخلفاء بني عبيد.
وفي عام 1213 هجرية توقفت رحلات الحج في أثناء الحملة الفرنسية، وفي سنة 1344 هجرية حدث ما سمي بالمحمل المصري ونتج عنه انقطاع الحج تماماً من مصر.
أما في عام 1253م فعاد أهل بغداد للحج بعد توقف دام 10 سنوات؛ بعد وفاة الخليفة المستنصر.
في 1257 ميلادية لم يحج أحد من أهل الحجاز، ولم ترفع راية من رايات الملوك في مكة، وفي 1814م مات نحو 8000 شخص في الحجاز بسبب الطاعون.
أما في 1831م فتفشى وباء هندي خلال موسم الحج، ومات بسببه كثير من الحجاج، ومن 1837 حتى 1840 شهدت الحجاز تفشي الأوبئة، ومن 1846 حتى 1883م تفشى وباء الكوليرا، الذي عطل الحج ودفع الناس للهروب من الحجاز، وتم حجرهم صحياً.
وتعطل موسم الحج في عام 1030 ميلادية، حيث لم يؤدِّ الفريضة سوى مجموعة من العراق، وانقطع أهل العراق وخراسان والشام ومصر عن الحج في موسم عام 1039 ميلادية.
كما توقف موسم الحج في عام 1099 بسبب اختلاف السلاطين قبل سقوط القدس في يد الصليبيين بخمس سنوات، ولم يتمكن المصريون من أداء فريضة الحج في عام 1168 بسبب حرب داخلية.
أما عن الرأي الشرعي في مسألة تعطيل الحج..
أفتى الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي القره داغي، بجواز منع أداء مناسك العمرة والحج بشكل مؤقت في حال انتشار فيروس كورونا الجديد وتأكد أنه يُهدد حياة المعتمرين والحجيج.
وجاء في الفتوى فيما يتعلق بمنع العمرة والحج: "الراجح أنه إذا انتشر الوباء قطعاً أو تحقق غلبة الظن من خلال الخبراء المختصين أن الحُجاج، أو بعضهم، قد يصيبهم هذا الوباء بسبب الازدحام، فيجوز منع العمرة أو الحج مؤقتاً بمقدار ما تدرأ به المفسدة".
وأضاف أن "الفقهاء اتفقوا على جواز ترك الحج عند خوف الطريق، بل إن الاستطاعة (لأداء الحج) لن تتحقق إلا مع الأمن والأمان، ولذلك فإن الأمراض الوبائية تعد من الأعذار المبيحة لترك الحج والعمرة، بشرط أن يكون الخوف قائماً على غلبة الظن بوجود المرض، أو انتشاره بسبب الحج والعمرة".
ووفق فتوى يعود تاريخها لـ105 أعوام أصدرها الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية، حول تأجيل الحج لوجود خطر على الحجاج سواء كان بسبب الطريق وهجوم قطاع الطرق أو بسبب الأخطار الصحية، أفتى المطيعي بجواز تأجيل الحج للموسم المقبل حتى تزول الأخطار ويتوفر أمن الطريق الذي لا بد منه في وجوب الحج.
في النهاية كورونا بلاء عظيم، وكابوس اغتصب أحلام الآمنين، قطع الوصل بالأحباب، وأزاغ الأعين من فرط الرهاب، فنسأل أن يكشف عن الأمة هذه المحنة الأليمة، ويكرم المسلمين بزيارة بيته بتمام الصحّة والعزيمة..
اللهم يارب الأرض والسماء أنزل علينا الشفاء، وأذهب عنا الداء واهزم الوباء، اللهم إن كنت طردتنا من بيوتك لا عمرة ولا جمعة ولا صلاة في المساجد فلا تطردنا من رحمتك، ولا تؤاخذنا بما فعلنا وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم إن كان هذا الوباء والبلاء بذنب ارتكبناه أو جرم أجرمناه، فإنا تائبون إليك منه ونادمون، اللهم يا منزل الداء أظهر لنا الدواء واجعله في أيدينا سهلا ميسورا، بفضلك وكرمك وجودك يا أكرم الأكرمين.
