تنسيق وتوثيق: أ. سامية عبد السعيد
••••••
« الخاطرة »
فيما بعد الحداثة.. " 1 "
هذه سلسلة مقالات نقدية منفصلة متصلة لاحتواء هذا الفن الأدبي، رأيت أن هذا وقتها المناسب، لتقعيد وتقويم دعائم التخاطر الوجداني المعاصر، هذا ولن أعتمد في هذا البحث على دراسات سابقة بشكل أساسي لكن سيقوم البحث على ما ٱلت إليه الخاطرة من تطور واستحداث، ثم أتناول بالفحص والمقارنة والمقاربة كافة أنماط الخاطرة المعاصرة بداية من خاطرة المبتدئين، مرورا بنصوص الموهوبين، وصولا لنضج المحترفين صياغة وبيانا.
ولو أن الخاطرة المعاصرة قد زيدت تعقيدا بمزجها بالسرد الشعري، وبتطرقها إلى الإيقاع النغمي، ثم بتعدد الأشكال الخارجية التي تقدم بها الخاطرة، إلا أن هناك قاسما مشتركا يوحد بين هذه الأساليب المتباينة وهو سمة البث الوجداني التي تنبع من عمقها كل الخواطر، والباحث في التراث الأصولي والكلاسيكي سيجد شواهد كثر لفن التخاطر، وأوضح شاهد له هو كتاب (صيد الخاطر) لابن الجوزي، الذي تناول في طوله وعرضه عدة خواطر ناقشها عقلانيا ثم أرفدها إلى بواعث الدين من ٱي وأحاديث.
تعريف الخاطرة
باختصار وتركيز شديدين سوف أتخذ من قول العلامة الشيخ الشعراوي تُكْأةً لتعريف جوهر الخاطرة، فقد قال رحمه الله أن تناوله لٱيات القرٱن يصح أن نسميها خواطر، وزاد؛ وخواطري حول القرٱن الكريم هي هبَّات صفائية تخطر على قلب المؤمن في ٱية أو بعض ٱية، ولفظ (هبَّات) هو جمع هَبَّة وهي تحرك الهواء من حال السكون ليتحول الى نسمات أو رياح، هكذا بالضبط تكون الخاطرة الأدبية بدء من تحرك الفكرة والشعور في ٱن من وضع السكون إلى الخلجات حتى يصبها الكاتب في قالبها الأدبي المكتوب، هي مزيج فريد من ٱلية عمل العقل بالتزامن مع دفق الشعور، ولهذا تتسم الخاطرة كفن أدبي بملامسة وجدان القارئ بلا عناء، وهذا وتعتبر الخاطرة من أهم فنون الشعر النثري وأوسعها انتشارا في الأدب المعاصر.
مخطط البحث
- بنية الخاطرة شكلا ومضمونا
- أنماط الخاطرة وتعددية الأساليب
- مراحل كتابة الخاطرة في مشوار كل كاتب
- الموسيقى الداخلية والخارجية
- التصوير المجازي كأهم مكونات الخاطرة
- تقييم نقدي لخاطرة مابعد الحداثة
أولا؛
بنية الخاطرة شكلا ومضمونا
من حيث الشكل النصي لفن الخاطرة تتعدد الصياغات وتتنوع الصور النهائية لمنتج الخاطرة، وهذا التنوع يفسح المجال لكافة الأذواق الإبداعية لدى الكاتب، ولكل متطلبات ذائقة القراء، فهناك الخاطرة القصيرة متعامدة الجمل والمفردات وهو أكثر أشكال الخاطرة شيوعا، ومن مميزاته أنه أكثر أشكال الخاطرة مواءمة لتقطير الدفق الوجداني قطرة قطرة، ومن ثم يعطي للقارئ مساحة نفسية للتذوق المتسلسل ويكون عليه إعمال العقل في ربط كل مفردة بما سبق وما لحق، وهذا الشكل المتعامد كذلك يسمح للكاتب بحسن تقسيم الجمل بما يناسب معنى كل جملة منفصلة متصلة بحيث يهندس التدفق اللغوي ويخلطه بالإيقاع اللفظي والمعنوي وهذا ما يترك الانطباع لدى القارئ إما بجودة السياق أو ترهله.
والشكل الثاني من أشكال الخاطرة هو نظام الفقرات المتصلة paragraghs، وكل فقرة تؤسس للتالية، ومن مزايا هذا الشكل منع اختلاط وتداخل المعاني على القارئ، فالأذواق القرائية تختلف من قارئ لٱخر، البعض يفضل السياق متدفقا مسترسلا دون تقسيم ولا تقطيع، وأغلب الخواطر ذات الفقرات تميل إلى الأسلوب السردي وهذا لا يعيبها، كما سنتحدث بالتفصيل لاحقا
الشكل الثالث هو الشكل الشذري للخاطرة، بمعنى أن تقدم الخاطرة في شكل شذرات مضغوطة لفظا وكل شذرة تفضلها مسافة فراغ بينها وبين تاليتها، وكأن الكاتب جمع هذه الشذرات في سياق واحد برابط معنوي وجداني، بحيث لو فصلت أحدها عن السياق قدمت معنى ومتعة للقارئ بمعزل عن بقية النص، وهذا الشكل يلزمه نضج واحترافية اكثر من بقية الأشكال.
وهناك أشكال أخرى متداخلة تجمع بين التعامد والفقرة والتشذير، فقد نجد خاطرة تبدأ بشذرة وبعدها فقرة أو العكس، قد نجد خاطرة كفقرة واحدة طويلة أو قصيرة وهكذا..
أما من حيث المضمون فبنية الخاطرة مثل غالبية الفنون النثرية الأخرى، مقدمة ثم وسط ثم خاتمة، وهو فن شديد المرونة، قد يحمل عنوانا أو لا يحمل، وعدم وجود عنوان لا يؤثر على أهمية العتبة، لأن عتبة الخاطرة تتمثل في جملة (أو جمل) البدء، وتقوم مقام العتبة في توجيه القارئ نحو المضمون.
ثانيا
أنماط الخاطرة وتعددية الأساليب
هذا الفن الأدبي يتسع بلا حصر، وبإيجاز شديد سوف نجد الخاطرة في أحد هذه الأنماط
- الوجودية.. وهي خاطرة مشبعة بفلسفة الفكر والنظر بتأملات كونية تنبع من عمق إدراك الكاتب للطبيعة و الوجود الإنساني وقوانين الكون والزمان والمكان بل والطبيعة الأم.
- الخاطرة الرومانسية وهي أكثر الخواطر انتشارا ومقبولية لدى الكاتب والقارئ سواء بسواء، ومساحة الإبداع فيها لا نهائية إذ أنها تتسع لكل المشاعر والرهف..
حب، ندم، لقاء، فراق، غزل، نداء، حنين، عذاب، لوعة، شوق.. إلخ
- الخاطرة السردية وهي تعتمد السرد بأسلوب شعري قائم على الحدث والوصف والزمكانية، ويسمى بالشعر السردي، قوامه شعر من حيث المفردات المغرقة في المجاز لكنه يقص أحداثا.
- الخاطرة السريالية وهي تنحو تجاه التصوير المبهم والمغرق في الرمزية، وهو نمط قد وجهته ذائقة القراء نحو الانحسار.
- الخاطرة الوجدانية، وهي ذلك النمط المعتمد _ في غالبه _ على التصريح لا المجاز، وهو نمط يتناسب مع البث العاطفي لا السرد.
وللحديث بقية في مقالات تالية إن شاء الله.
_____________
الخاطرة
فيما بعد الحداثة (2)
............
عودا على بدأ، أقدم هذا التطبيق العملي على ما سبق طرحه بخصوص فن الخاطرة بداية من تعريفها ومرورا بالبنية شكلا ومضمونا وانتهاء إلى أنماطها والشكل النصي لها، وليس أفضل للتطبيق من دراسة نقدية لخاطرة متكاملة تصدر لنا كل ما يخص التخاطر بمكوناته وأسلوبيته ومظاهر الجمال اللغوي والتصويري، وقد اخترت لهذه المقالة إحدى خواطر الأستاذة المبدعة صاحبة القلم الثقيل الصقيل
عاتكة الطيب..سوريا
......
ورقة نقدية
المدرسة السورية في الأدب..
(امتداد وفصل جديد لشعراء المهجر)
النص
منذ الوعد الأخير
وضفائري تتساقط
على وسائد الانتظار الخشنة
يحيل لهفتي إلى لغو مسافات
مابين الطريق والخطى
يصهل الليل بكامل صلفه
في وجه الحلم المتشظي
إلى ظلال متباعدة
كطفلة كانت تضم بين عينيها
ألعابا وحلوى
وباعد بينهما رصاص غادر
موجوع حلمي كناي سُدت ثقوبه
لكثافة الحنين
يحرقني الدفء الفائض في قلبي
يهلهل نسيج دمي
بزيف الصدى
ولهاث عابث لاطائل منه
ومابين الصوت والصدى
تترهل الأحاديث
ثرثرة شاعر
يزفر في كل ليلة
وجوهاً ومدناً
وغدا ًواسعاً
كانت على مشجب الحلم تترنح
دافئ هذا الحلم
كصيف المدائن البعيدة عن شتاءاتنا
دافئ ....
كأنفاس أمي ...
كبيتي الحنون ...
كمدرستي الجذلى....
كضحكات إخوتي
وهم يتحلقون حول الشتاء
بمدفأة وحكايات جدتي
أيا أحلامنا المؤجلة إلى أن يحترق المعتقل
قد شُجت رؤوسنا وبقي المعتقل
ممتشقاً فوق الفُتات ..!!
ويا أيها الحلم الراقد منذ ألف عام
قد ملت كلاب الخذلان من النباح
كلما تململت
وياأيها الليل الشاهق
كفاك تسقطني
كل ليلة من علِ
ولا أجد سوى الحلم أتشبث به
دفعاً لذلك السقوط
وياليلي المسجى في قلبي
كفاك تمسح بحبرك السري
فوق نبضي
فينتشي الحلم
ويكثر قلق القصيدة
على مقصلة التأويل
-----
عاتكة الطيب
.......
أولا؛ سمات الخاطرة في النص
عتبة ليست بالعنوان لكنها أغنت وكفت، منذ الوعد الأخير وضفائري تتساقط..
تهيأ القارئ لحالة من النزف الوجداني بين الدال والمدلول، تساقط الضفائر هو زوال لمعلم من معالم الجمال لدى المرأة، وهو دائما ما يتزامن مع حالة من الحسرة تتجدد كل يوم عندما تتفقدها المرأة بالمرٱة، والتساقط نتيجة لأسباب معنوية بالأكثر، فضلا عن الأسباب الملموسة والظروف القهرية.
ثم تأتي الخاطرة بمرحلة المقدمة حتى قول الكاتبة ..ولاعد بينهما رصاص غادر، وقد تخيرت في تقديمها مايناسب بذكر الطفولة والبراءة والرصاص الغادر الذي حال بينهما.
الوسط يبدأ من بعد ذلك وحتى..وحكايات جدتي، وهنا تتنقل الكاتبة بمراحل وتفاصيل موجعة دعمتها بصور مجازية غاية في العمق كما سنوضح.
ثم تأتي خاتمة النص بتركيز كل ما بسطته في المقدمة والوسط، وطرزت الكاتبة صورها السابقة بأسلوب النداء كتربيت لطيف يخفف من وقع المعاناة بل ويقنع النفس..
يا ليبي المسجى
كفاك تمسح بحبرك السري
فوق نبضي..
.....
ثانيا؛ الشكل النصي
اختارت الكاتبة الشكل المتعامد لتقسيم الجمل بمعانيها، فساعد ذلك في فصل الصور المجازية بما يترك للقارئ مساحة لتخيل مشهدية كل صورة في ذهنه على حدة، ونرى بعد الجمل المقتضبة بشدة وبعضها طويل، وهذا يناسب تماما حالة الاضطراب والصراع النفسي الذي ينم عنه النص، وحسن التقسيم هذا جعل التدفق اللغوي ينساب بلا عناء في ذائقة المتلقي.
ثالثا؛ بداعة التصوير المجازي عن عاتكة الطيب
لا ينبغي أن يقرأ القارئ للاستاذة عاتكة بعين العقل فقط، بل عليه نشر أجنحة الخيال والتحليق في ٱفاق صورها المجازية التي تنشئها تنشيئا دقيقا، على سبيل المثال..
وضفائري تتساقط على وسائد الانتظار الخشنة
لنرسم هنا لوحة تعبيرية تتبدى فيها عدة وسائد مكتوب عليها (انتظار) ثم نرسم عليها نتوءات وحفر لتصبح خشنة، ومن ثم فإن هذه الوسائد التي كانت مظنة النعاس والاسترخاء تقض مضجع النائم عليها.
كطفلة كانت تضم.. وباعد بينهما رصاص غادر
لنرسم هاهنا وجه طفلة على جبينها ألعاب وحلوى ثم لتأتي رصاصة مشتعلة احمرار فتفصل بينهما وتمرق في رأس الطفلة لترديها قتيلة.
ياليلي المسجى..
كفاك تمسح بالحبر السري
هذه صورة إبداعية معنى ومبنى، حتى نرسمها يجب أن نمتلك خيالا داخل خيالنا، فالليل المظلم ماهو الا زمن ولون أسود، تمتد له يد سوداوية لتمسح بحبر سري لا يترك أقرا لكنه يدون حروفا ما غير منظورة، فهذا خيال خيال ومجهول مجهول.
رابعا؛
مدرسة الأدب السورية امتداد لشعر المهجر.
شعراء المهجر -لمن لا يعرفهم- هم مجموعة من الشعراء العرب انتقلوا من بلدانهم في الفترة مابين 1870 الى 1900الى عدة بلاد أجنبية منها اسبانيا التي كانت حاضنة لهم، وامريكا الشمالية والجنوبية، وسبب انتقالهم هو الضغوط السياسية والاجتماعية القاهرة، فبعضهم كان يلاحقه النظام الحاكم ليقمع حريته وقلمه، وهناك كونوا عدة روابط كالرابطة القلمية، ومن اهم شعراء المهجر؛
جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة، جورج صيدح، نعمة الله الحاج، يوسف أسعد غانم وغيرهم..
وأرى أن مدرسة الأدب السورية المعاصرة تسير على نهج شعراء المهجر مع اختلاف طفيف، التهجير الذي يعانيه الشعب السوري يحاذي تماما انتقال شعراء المهجر الي الغربة، ربما كان انتقالهم اختياريا إلا أن تغريب الشعب السوري قسري، يشترك الأدب السوري المعاصر مع شعر المهجر في موضوعاته الشائكة خصوصا رثاء الأوطان والظلم والقهر واغتيال الحرية ونزيف الروح.
وبالربط بين هذه الخاطرة وبعض نماذح شعر المهجر يتضح لنا التناظر والتشابه، وقد اخترت لهذه المقارنة بعض أبيات لشعراء المهجر تسير في اتجاه الخاطرة موضوع النقد..
قصيدة أخي لميخائيل نُعيمة
أخي إن ضج بعد الحرب عربيٌ بأعماله
وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله
فلا تهزج لمن سادوا، ولا تشمت بمن دانا
حتى قوله..
فلا تطلب إذا ماعدت للأوطان خِلّانا
لأن الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم
سوى أشباح موتانا....
قصيدة أمنية المهاجر
إيليا أبو ماضي
تخيرت منها هذه الأبيات للمقابلة المعنوية
ليس بي داء ولكني امرؤ
لستُ في أرضي ولا بين أصحابي
..
كلما استولدتْ نفسي أملا
مدت الدنيا له كف اغتصابِ
..
ثم اختم بهذا البيت المعبر من ذات القصيدة
كل أرض نام عنها أهلها.. فهي أرض لاغتصاب وانتهاب.
ولولا خشيتي أن يطول بنا المقام لزاوجت بين كل بيت لشعراء المهجر وما يناظره من الخاطرة، لكني سأترك هذه المهمة للقارئ الحصيف ليجول بخاطره حول كل مفردة ومعنى.
___________
الخاطرة
فيما بعد الحداثة (3)
.......
سبق وتحدثنا عن تعدد الشكل النصي لفن الخاطرة الوجدانية، وطبقنا سمات الشكل المتعامد على نص إبداعي متصل بشعر المهجر من حيث المعاني والصور البيانية، واليوم لدينا تطبيق جديد على الشكل النصي الشذري لفن الخاطرة، وحتى نضبط سمات هذا الشكل إليكم هذه الومضات المركزة..
أولا
الشكل الشذري للخاطرة هو شكل متعامد كذلك لكن الاختلاف يكمن في تقديم دفقات شديدة الاقتضاب سريعة التدفق.
ثانيا
إذا فصلنا كل شذرة من السياق ستستقل بمعنى تام لا يحتاج إلى سياق قبل أو بعد.
ثالثا
هذا الشكل يتطلب مهارة ونضج فائقين لأن كتابة الخاطرة مرحليا هكذا بحيث يفصل كل شذرة معنويا ثم يدمجها سياقيا فهذا أمر ينتمي إلى فن الرسم بالكلمات، اللوحة الفنية عبارة عن خطوط متعددة لكن بجمعها يكتمل المشهد.
رابعا
ستجد رابطا مشتركا متكررا في كل شذرة، إما رابط لفظي، أو تصويري مشهدي، أو رابط زمكاني، بحيث يشد الكاتب خيطا حريريا رفيعا يصل بين كل شذرات السياق دون أن تلحظه سطحيا لأنه متجذر في المعنى.
.....
التطبيق
بين أيدينا نص أنموذج للشكل الشذري، تتحقق فيه غالب هذه السمات بل زيد عليه روعة وإتقان، لدينا خاطرة الأستاذة المبدعة
إيمان السيد.. المدرسة السورية في الأدب
النص..
في سماءٍ ما
أعرف رجلاً جواداً
كلما أشار بيديه
للغمام
انهمر المطر ألواناً
فسقى الناس جميعاً
إلا قلبي!
في أرضٍ ما
أعرف شجرةً كبيرةً
كلما جلستَ تحت ظلها
ازدادَ عطشُها!
على جدارٍ ما
في صحوة الانتظار
أرقدُ كساعةٍ بلا عقرَبين
فيموت الوقت مشنوقاً
في سقف الشوق!
على طريقٍ ما
ترافقني امرأةٌ مربوطةٌ
قدمُها بظلِّ الرصيف
كلما مشيتُ نحوَك
أعادني إلى الوراء!
فوق طاولتي المستديرة
تموت كل الزوايا
التي راهنتَ
على أسري فيها!
إيمان السيد
....
أولا؛ إمكانية الفصل بين الشذرات
لو اقتطعنا أية شذرة من النص بمعزل عن بقية السياق لوجدناها متكاملة دون الحاجة إلي غيرها، هكذا
في سماء ما
أعرف رجلا جوادا
كلما أشار بيديه للغمام
انهمر المطر ألوانا
فسقى الناس جميعا
إلا قلبي!
...
دفقة تعدل نصا بتمامه بيانا واقتضابا، تتكون من مشهد ثم حيثية مشهد (أعرف رجلا جوادا) ثم حدث المشهد (أشار، انهمر) ثم المفارقة، سقى.. إلا قلبي.
كذلك..
فوق طاولتي المستديرة
تموت كل الزوايا
التي راهنت على
أسري فيها!
مشهد ثم حدث ثم مفارقة، استقلال تام للمعنى والبنية
ثانيا؛ الرابط المشترك بين شذرات النص
ليس لدينا هاهنا رابط واحد بل أكثر، أولها رابط مرئي وهو الصورة المشهدية التي تتصدر كل شذرة كما في
في سماء ما.. في أرض ما.. على جدار ما..على طريق ما.. فوق طاولتي المستديرة.
ثم رابط التنكير الذي تكرر في كل الشذرات إلا الأخيرة، وهو الحرف (ما)، الذي يبدو في ظاهره تنكيرا وفي باطنه تعريفا، السماء ال..ما والأرض ال..ما والجدار ال..ما كلهم معرفة لدى الكاتب وإلا لما علم كيف يحيط بما حدث فيهم، ونحن بدورنا عرفنا المجهول من الذي عرَّفه لنا.
رابط ٱخر
وهو الربط الوجداني غير الظاهر
فلو اختزلنا بؤرة كل شذرة لصح أن نقول..
الشذرة الأولى..جحود (صنع)
الثانية.. حرمانا (أدى إلى)
الثالثة.. فقدان الشعور بالوقت
الرابعة..قيود المشاعر
الخامسة.. لا لن تستطيع أسري، وتلك مفارقة صيغت بالخاتمة وكأن النص كله شذرة واحدة متدرجة فلزمها خاتمة صادمة وهنا يكمن الإبداع.
ثالثا؛ الذهنية والذاتية عند إيمان السيد
المتابع لنتاج الأستاذة إيمان سيلحظ ميل أسلوبها إلى مُذاهنة القارئ بالرغم من ظهور الطابع الذاتي، بمعنى أن تخلق الكاتبة بيئة مشتركة بين حروفها وذهن القارئ، حتى يحيط القارئ بالنص عليه أن يشحذ ذهنه تماما لمواكبة الدفق الأدبي، في هذا النص على سبيل المثال يتوجب على القارئ لمح الخيال الذي تصوره الكاتبة
في سماء ما أعرف رجلا.. هل يوجد رجل في سماء؟ وإن وجد كيف يشير إلى الغمام فيسقطه مطرا؟ ثم كيف يخصُّ بإنعامه أناسا دون غيرهم، أُسمّى هذا التصوير المتراكب (استبداد ذهني) فلن يستطيع القارئ الانسلاخ عن تصور المشاهد المتداخلة، وكأنه أصبح جزء منها.
كذلك في الخاتمة يظهر الاستبداد الذهني في تخيل مائدة دائرية، والشكل الدائري مظنة الاتصال والغلق، لا أول له ولا ٱخر، ثم ننصدم بأن هذه الدائرة ماتت زواياها التي لم توجد أساسا، وتلك المذاهنة والتذويت (التحدث عن الذات) يُلزمان القارئ بالغوص وسبر الأعماق.
رابعا؛ التجانس والمواءمة
بدأ التجانس من حيث بدأ الرابط التصويري، والحكاية عن المشهدية الظاهرة كما قدمنا ،(في سماء، في أرض، على طريق) تجانس مكاني متجدد في كل شذرة
ولمسنا التجانس كذلك معنويا كما وضحنا عند اختزال معنى كل شذرة فهذا جحود نتج عنه حرمان أدى إلى تيه في الزمان والمكان.
وأضيف إلى التجانس اللفظي تلك المسحة المؤلمة التي تبدت في شكوى الذات..
إلا قلبي..
ازداد عطشها..
يموت الوقت مشنوقا
أعادني إلى الوراء
تموت كل الزوايا
راهنت على أسري
.......
أخيرا
وتأكيدا على المذاهنة والذاتية لدى الكاتبة، أختم الورقة النقدية بأن هناك أقلام لها عين ترى، وأذن تسمع، وأنف يشتم، ووجه ملأته تجاعيد الزمن، ويد تجيد الرسم بالكلمات، وتلك أقلام تعرف طرق الإبداع والخلق، وفي لغتها لغة وفي غموضها بيان، وإلى المزيد من هذه الأقلام في المراحل التالية للبحث في الخاطرة بعد الحداثة.
••••••••••••
الخاطرة
فيما بعد الحداثة (4)
الحدود الفاصلة بين الخاطرة وقصيدة النثر
(ورقة نقدية)
..........
إن البحث في أغوار النثر لشعري هو أمر غاية في الصعوبة خصوصا وأنه لا توجد قواعد شكلية أو كمية وكيفية يمكن الاطمئنان إليها في عملية القياس الأدبي بين الجنسين(الخاطرة والقصيدة النثرية) لذلك فالبعض يرى ألا فارق بينهما، والذى يرى هذا الرأي كأنه يتخلص من المشكلة بشكل سلبي، وإذا فتشنا في أبحاث السابقين والمعاصرين وجدنا الأمر أكثر صعوبة، إذ لا توجد أبحاث ناجعة قاطعة تحدد الفواصل بينهما، ويلجأ معظم الباحثين إلى تكييف الوضع تبعا للذائقة والتجارب المطروحة من كلا الجنسين الأدبيين.
ثم إن اللجوء لقواعد البناء الشكلية وحده سوف يكون قاصراً في بيان الفوارق، وكذلك الاعتماد على مضمون كلا الجنسين وحده سوف يكون أكثر تميعا لتشابه حالة البث الوجداني الذي يتبعها الكاتب في معظم الأجناس الشعرية وبخاصة الخاطرة والقصيدة النثرية، لذلك سوف أطرح بعضا من الفوارق الشكلية والجوهرية بشكل مختصر مركز وكلها مبنية عندي على التجريب ومطالعة الإنتاج المطروح على الساحة الأدبية وأعتمد فيها على رؤية نقدية خاصة غير ملزمة.
أولا؛ من حيث الشكل؛
إذا اتفقنا أن الخاطرة هى دفقة شعورية آنية، فسوف نكون على يقين أن هذه الدفقة -من حيث الكم- ستختلف مابين كاتب وآخر، ببساطة قد تطول الخاطرة أو تقصر أو تتوسط، ربما برزت الخاطرة في شكل سطور معدودات، بشكل مسترسل دون تشطير أو تقسيم كفقرة، أو في شكل شطرات أو شذرات، القِصر وتحرر الشكل سمة غالبة في الكتابات المعاصرة.
أما القصيدة النثرية فهي ممارسة أدبية مستقرة، لا تخرج فى شكل دفقة واحدة، بمعنى آخر تتميز القصيدة النثرية بعنصر الصناعة الأدبية الفاخرة، لذلك فهي إفراز تدريجي للفكر والعاطفة، في شكل مقاطع متعامدة شبه مستقلة تربطها الوحدة العضوية وتسلسل الفكر، غالبا تكون أربع مقاطع - كما رأيت من النتاج النثري -لكل مقطع استقلالية في ذاته لكن يرتبط بالسابق واللاحق فكريا وعاطفيا، قد يطول المقطع الواحد في حجم خاطرة كاملة، والقصيدة المصرية لا تصلح في شكل ما إلا بشكل شطرات وأبيات متعامدة، ولا يصلح لعرضها الشكل النصي ذو الفقرات.
بعض النقاد يرون أن الخاطرة لا عنوان لها، وبعضهم لا يمانع، أما القصيدة النثرية فلها عنوان وهذا أمر متفق عليه قولا واحدا، بل لقد زاد بعض النقاد أن كل مقطع قد يحمل عنوانا منفصلا.
ثانيا؛ من حيث المضمون
الخاطرة الوجدانية والقصيدة النثرية قوامهما النثر بلغة الشعر، وعلى ذلك هناك تشابه بين اللغة المستخدمة في كلا الجنسين، لكن الخاطرة مغرقة بطبيعتها في التصوير والاستعارات المجازية، وكلما أجاد الكاتب في عناصر المجاز والصور الماورائية الترميزية التي تنحو تجاه المواربة فقد قدم صياغة جميلة لدفقه الشعوري، أما القصيدة النثرية فهي تعتمد جمال البيان، وقوة اللفظ والبلاغة، والاقتراب من التجريب والواقعية، واختيار المفردات والتراكيب ذات الوقع والإيقاع، كما قلنا هي صناعة أدبية فاخرة، لهذا الفارق تحديدا تتطلب القصيدة النثرية كاتبا متمرسا شديد الإجادة لفنون اللغة، في حين أن كاتب الخاطرة يشترط فيه إجادة اللغة حتى من دون الخبرة والتمرس في كتابة الشعر.
وحتى تتضح الصورة إجمالا؛ يصح إطلاق مصطلح الشعر الحر على الخاطرة، وقصيدة النثر، وقصيدة التفعيلة قبلهما، فجميعهم يشتركون في التحرر من قيود الأوزان المتكررة في كل بيت، ويتفقون في حرية التعبير بشرط استخدام اللغة الشعرية.
ثالثا؛
بعبارة أشد إيجازا تعبر القصيدة النثرية عن تجربة كاملة بتفاصيلها المتدرجة والمتعددة
في حين أن الخاطرة مثل البرقية الشعورية تعبر عن لمحة وجدانية خاصة هي جزء من تجربة.
التطبيق
بالنظر إلى هذين النصين تتضح بعض أوجه الاختلاف مابين الخاطرة وقصيدة النثر شكلا وموضوعا كما وكيفا، وأؤكد في الختام أن كل ماتقدم هو حدود اعتبارية، وأكرر أن الأدب ليس فيه صحيح مطلق ولا خطأ مطلق، وكذلك فإن حركة التطور المستمرة في الأدب تجعل وضع الحدود الأجناسية أمرا شديد التعقيد.
نموذج لخاطرة من الشكل النصي ذي الفقرة المتصلة الواحدة..
أعْدُو في فلاة الفقْد، لا أمِيْزُ بين نهارِ كَدٍّ ولا ليلِ سُهْد، تغوصُ قدماي في رمالِ وهمٍ نثرتْهَا يداكَ من قَبْلِ بُعْد، جئتني مُستضْحِكاً تنشرُ النسيمَ عبقاً في باحاتِ صمتي، وما كان الرحيلُ سوى قتلٍ... من غير بُدّ.
كلما نظرتُ حولي ساءلني الطيرُ؛ ما جدوى السرابِ إذ ينشطُ فوق اليباب؟ كأنه يسخر من رهف قلبٍ تنحتُه سُيولُ العِتاب، فأجيبُه بالصَّفحِ همسا؛ أبِغيْرِ الحبِّ كنتَ تحيا هكذا... في زُمرةِ الأسراب!
..................
نموذج للقصيدة النثرية...
" علمتني "
..
عَلَّمَتْنِى أنَّنِى انسَانٌ .. لَدَيْه قلب
وأنَّ هذا القلبَ.. خُلِقَ حتى يُحِب
وعَلَّمتنى أنْ تجتهدَ عينَاىَ فى اثْنَتَين؛
تأمُلِ الحُسْنِ فى وجْهٍ بديعِ الصورةِ وعينين
والبكاءِ.. إنْ هىَ تاهتْ فى صفحاتِ السنين
****
علَّمتنى..
الغُصَّةَ وتَجَرُّعَ كاسَاتِ الأنين
وأنَّ الفرق بين النورِ والظلامِ..
ليس الليلَ والنهار
قالتِ انتبهْ للنورِ فى حَوَرِ العيون
وتعلَّمْ كيف يكونُ القلبُ وعاءً للحنين
علمتنى سِحرَاً قد حيّرَ الرّاقين
وترتيلةَ الشوقِ ما بَرِحَتْ تمتحُ بالظنون
****
علمتنى..
أنَّ السهادَ لذةُ العاشقين
وأنَّ الصبابةَ رفيقُ دربِكَ والقرين
علمتنى كيف أُبْحِرُ فى موانى الصابرين
ودفتي راحةُ يديها ومصباحى الجبين
علمتنى كيف تنبتُ الآهاتُ فى صخرٍ حزين
وأنَّ الغزلَ فى وجنتيها كترنيمةِ العارفين
وأُنشُودة الناى بصوتِها.. لحنُ العازفين
****
علمتنى..
أنَّ البئرَ ليس مَجْمَعَ الماءِ الدفين
بل ابحثْ عن الآبار فى أحداق المحبين
وأوصتنى؛ اذرفْ لكل ذكرى أيها الضنين
****
علمتنى..
ألا أرى من دونها نساء
وقالتْ؛ قلِّبْ بناظريك حيثُ تشاء
هل عرفتَ كإسمى دُرة الأسماء؟
هل رمقتَ كعينى فى الحَوَر حسناء؟
متى لحِظتَ كلحظى.. مُنتهى الأهواء؟
فيمنْ سمعتَ كصوتى ترنيمة غنَّاء؟
وهل تفتَّقَ ذِهْنٌ عن هكذا عطّاء؟
فقلت رويداً رويداً.. يعُوزُكِ الإطراء
فأنتِ ماوفيتِ.. نشدتك الإصغاء
لقد ملكتِ الحُسنَ بوجهكِ الوضّاء
سلطانةٌ بجمالٍ.. وعيونُكِ الوزراء
***
علمتنى..
أنْ أجترَّ الذكريات هكذا
بين عبق الحب، وهُيامٍ يُضوِّعُ بالشذا
فكلما ضللتُ السبيلَ كان المنقذا
****
علمتنى.. وعلمتها
أحبتنى.. وأحببتها
فارقتنى.. لكن بعد أنْ... علمتنى
...............
الخاطرة
فيما بعد الحداثة (5)
•••
نظرة شمولية لتطور كتابة الخاطرة
بقي أن نستعرض بشكل تدريجي مراحل كتابة الخاطرة في مشوار الكاتب، خصوصا أن الخاطرة تأتي كمقدمة لإرهاصات الموهبة الأدبية في حياة الكاتب، ثم يكتشف نفسه فيما بعد، فيتجه حيثما أجاد قلمه سواء في ناحية الشعر بفنونه أو السرد بفنونه، ونقول أن الخاطرة تسبق في مشوار الكتاب لعدة أسباب، منها أنها نص متحرر لا قيود فيه من وزن ولا قافية، ولا حجر فيها على كم ولا كيف، ومن الأسباب كذلك تنوع موضوعاتها ومساحة التعبير، كذلك لكونها دفق وجداني لا يحتاج إلا إلى صبها في قالب لغوي رشيق، فضلا عن تفعيل مخيلة الكاتب وصوغ الصور البيانية والمجازية بلا تأطير.
بناء على كل ماتقدم تعتبر الخاطرة من أكثر فنون الأدب ذيوعا وانتشارا في الأوساط الأدبية، والجدير بالذكر أن بدايتها لدى كل كاتب تأخذ منحى خاصا، والتعويل هنا على تراكمية الثقافة والفكر واللغة وشفافية الوجدان، وغالبا مايحدث اضطراب عند المبتدئين فلا يعرفون ما الذي يكتبونه وما تصنيفه، ذلك أن الكاتب يبدأ صياغة الخاطرة بخلطها مع الشعر العمودي الذي لا يعرف عنه الكثير، فيظن أنه يكتب شعرا، ومن ثم يلتزم السجع في طول الخاطرة، وأنا لا أرفض هذه النوعية من النصوص، ولا أقبلها كذلك، لن أرفضها كبداية تأسيسية ستوجه كاتبها فيما بعد حيثما يجيد، ولا أقبل تصنيفها ضمن جنس الخاطرة لافتقادها إلى خصائص التخاطر، فلنسمها إذاً النثر المسجوع..
وقد مررت بمثل هذه المرحلة عند بدايتي، وسوف أعرض أحد النصوص كمثال لنتاج هذه الفترة الأولية في مشوار الكتابة..
رفيف
..
رسولي إليك..
طائرُ الأقدار
على شُرْفَتك يقفُ..
رَهين الانتظار
مكتوبي صَدَّرْتُه نداءً..
يا بعيد الدار
ألَمْ يَأنِ لكَ وَصْلىَ
بليلٍ أو نهار؟
ليت الزمان..
كان توَقَّفَ
ما استدار
ولم تَأتِنا أنواءٌ بآخرةٍ
ولا إعصار
فالروح ثكلى بليلِها
ترقُبُ النَّجمَ في المدار
جاوَزَتِ المَوَاتَ بخُطوةٍ
نحو الاحتضار
فلمْ يَعُدْنى طَيفُك...
ولا رسولُك قد زار
وكلُّ إلْفٍ يقطعُ ويصِلُ..
غيرى أنا.. أحْتاَر
رفقاً بأميرٍ
أو أسيرٍ
فى هَوَاكُمُ الغَدَّار
....
ولا يفوتني أن أذكر في هذه المرحلة تقصير النقاد والأدباء الراسخين، وبخلهم على المبتدئين بالمعارف الأدبية، إذ لم أجد في بداية مشواري لا مراجع غنية، ولا مقالات توجيهية، ولا حتى نصحا وإرشادا، من ثم قطعت الزمن الطويل لألتقط معلومة من هنا وأخرى من هناك لأكوّن شخصية الأدب الخاصة، وٱليت على نفسي أن أجمع ثم أمنطق ما جمعت، وبعدها أبسطه لكل مريد ومهتم من القراء والمبتدئين.
المرحلة الثانية في رحلة كاتب الخاطرة تأتي بعدما يتعلم ويطالع نتاجات غيره من الذين سبقوه، لكنها مرحلة متوترة كذلك إذ يحاول الكاتب رفع مستوى كتاباته والتخلص من قيد السجع ثم الدخول إلى فضاءات رحبة بلا حدود، فنجد مستوى الإنتاج في هذه المرحلة يتذبذب بين الإجادة والتقليدية، ولن نرفض هذا النتاج المتوتر كذلك بل علينا دعمه وتوجيهه حتى يصل لمرحلة النضج.
والنضج هو المرحلة التالية، فيها يتمكن الكاتب من إبراز شخصيته الخاصة بمعزل عن تأثيرات غيره، وفيها يتضح المنتج النهائي ونستطيع الحكم على هذا المنتج إما بالإبداع أو غير ذلك.
قضايا فرعية..
على ذكر السجع في فن الخاطرة، ومن وجهة نظر شخصية، الخاطرة لا تلتزم بأية قيود فهي متحررة تماما من حيث الشكل والمضمون، لكن إذا كان الكاتب كفؤا بما يكفي لتضمين الإيقاع الموسيقي داخليا وخارجيا في خاطرته فلا غضاضة، إذا كان ذلك دون إرهاق السياق وترهله، فبعض الإيقاع يطيب لدى القارئ ويمزج ذائقته بوجدان الكاتب في لحظة فريدة من التوحد بين النص والقارئ، والسجع والجناس والطباق والتورية كلها من المحسنات البديعية التي تطرز السياق وتخرجه عن النمطية والركاكة.
التصوير المجازي..
قيمة الخاطرة وبداعتها تكمن في قدرة الكاتب على خلق صور بكر غير متكررة ولا تقليدية، وهذا سوف يميز نصا عن ٱخر من حيث الأداء البياني وصقل اللغة.
التكرار..
لعل تكرار لفظة واحدة أكثر من مرة داخل سياق الخاطرة يؤدي إلى نمطية غير محمودة، وهنا يجدر الذكر أن التكرار ليس مرفوضا بعامة، بعض التكرار لجملة ارتكاز واحدة قد يخدم السياق شريطة أن يوظفه الكاتب حسن التوظيف، والتكرار في الفنون الأدبية جميعها ينطبق عليه نفس الأمر، نرفضه إذا أدى إلى الترهل والنمطية، ونقبل حسن توظيفه، وليس أدل على قيمة التكرار من القرٱن الكريم..
فبأي ٱلاء ربكما تكذبان.. تكررت مع غالب ٱيات سورة الرحمن عروس القرٱن.
ففروا إلى الله إنني لكم منه نذير وبشير.. تكررت مرتين متقاربتين في سورة الذاريات.
السياق..
هناك بعض الإشكاليات فيما يخص سياقات فن التخاطر، منها على سبيل المثال تداخل الضمائر، بمعنى أن يشتمل السياق على ضمير متصل ما يسبقه أكثر من مرجعية، فيتوه القارئ لأي منها يرجع الضمير، وهذه أيضا إشكالية عامة في كل الفنون الشعرية والسردية، كذلك هناك إشكالية في دقة الأداء النحوي وتطبيق قواعد اللغة العربية، لذلك أهيب بكل كاتب ألا ينقطع طوال مشواره الأدبي عن مدارسة علم النحو والتوسع فيه قدر الإمكان..
الإشكالية الأخيرة هي حسن البيان، وهي تحتاج إلى التوسع والإحاطة لأنها تعرقل مسيرة الكاتب في كل فنون الأدب، هي موهبة قبل كل شيء، لكن في جزء منها هي مهارة تقوم على المران والتجريب، ومن أهم طرق اكتسابها القراءة والمطالعة والتشبع بروح اللغة وتذوق النصوص الخالدة لكبار الشعراء والروائيين، دون التأثر حد التقليد.
أخيرا..
ما زال لدينا الكثير من الأطروحات حول فن الخاطرة، لكننا سنتحدث عنها من خلال الجانب التطبيقي للبحث، المقال القادم هو الأخير وموضوعه سيكون ورشة كتابية نتلقى فيها مشاركات الأصدقاء، ثم نضع لها تقييما نقديا مختصرا، ويسعدني مشاركة الكتاب سواء المبتدئين أو المجيدين، ويشرفني كذلك مشاركة الأساتذة النقاد للتقييم والتوجيه، المجال مفتوح للجميع.
______________
فيما بعد الحداثة (6)
خاتمة
بقي لنا استعراض بعض الوسائل المساعدة على كتابة فن الخاطرة، وهي تصلح كذلك كمنهاج لغالب فنون الأدب العربي، وسوف أقدمها بشكل مقتضب دون إخلال، ومن ثم سيكون المقال في رؤوس أقلام.
أولا مفهوم البلاغة
في تعريف البلاغة قيل الكثير، تخيرت منها القليل، هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، بمعنى أن يناسب الكلام الموقف الذي يعبر عنه بلا زيادة ولا نقصان، ويعجبني كثيرا تعريف ابن الأثير فقد قال أن مدار البلاغة كلها هو استدراج الخصم إلى الإذعان، وهو تعريف لطيف، علينا أن نتخيل أن القارئ خصم يجادل في فكرة ولغة النص، وأن على الكاتب أن يستدرج قارئه ليسلم بما كتب، وهنا يتبدى لنا مفهومان، أولهما بلاغة الإقناع، ثم بلاغة الإمتاع، وعلى ذلك نستطيع اختصار معنى البلاغة في عبارة بسيطة؛ أبلغني فكرتك بنص يقنعني ويمتعني بلفظ مناسب ولغة صحيحة فصيحة.
ثانيا؛ الاختزال والتكثيف، علينا أن ننظر مرارا للسياق الذي كتبناه لتقديم الخاطرة، ونزن كل جملة بميزان الحكمة، هل هناك لفظ زائد لا يفيد المعنى؟ هل هناك معنى ناقص لم تؤده الألفاظ؟ هل هناك ترهل ما يعتري النص؟
ثالثا؛ عنصر التصوير
لعله من أهم مميزات فن الخاطرة، وحتى نعرف سمات التصوير المجازي الناجح فيجب أن نوفر هذه السمات
الجدة والابتكار
العمق الموغل في التخييل
التجانس والتٱلف بين ألفاظ الصورة الواحدة، وبين الصورة والصور الأخرى في السياق
تعددية المدلولات لكل صورة
كأن أقول.. ورياح الذكرى تلعق ما تبقى من غبار صبري
أو .. وطوفان الذكرى يجرف زبد العبرات
أو.. ودفاتر الذكرى تطويها يد المستحيل
وهكذا..
رابعا؛ حسن البيان
ومعناه أن تسوق لي قصديتك بلغة منمقة فصيحة خالية من الأخطاء بكل أنواعها سواء كتابية أو املائية أو نحوية، أو أن تفصح لي عن فكرتك وشعورك بالشكل الذي أفهمه وأدرك عمقه، وأن تحرص ككاتب على تخلية السياق من الإبهام والغموض وألا تتداخل الضمائر في مرجعيات كثر.
خامسا؛ طريقة العرض
وهي من أهم عناصر الجمال التي تجذب أو تنفر القارئ، اختر القالب الذي تصب فيه نصك، ولكل فكرة قالبها الذي يناسبها، فمثلا الخاطرة السردية يناسبها شكل الفقرة المتصلة حتى تسهل للقارئ الاسترسال ومتابعة السياق، الخاطرة الوجدانية العاطفية يناسبها الشكل النصي المتعامد لتقطير المعاني بالتدريج، والخاطرة متقطعة الدفق يناسبها الشكل الشذري، وهكذا
مع الأخذ في الاعتبار حسن تقسيم الجمل عند تمام معنى كل منها، ووضع علامات الترقيم المساعدة على التبيان، فإذا استخدمت أسلوب استفهام فضع علامته الدالة عليه، وكذلك التعجب، والفواصل اللازمة والمنقوطة، والنقاط المتتالية الثلاثة للدلالة على كلام محذوف، والنقطتين المتتاليتين للدلالة على فصل بين جملة شرط وجوابها.
أخيرا..
أيها الكاتب الفطن.. قبل أن تنشر خاطرتك كمنتج أدبي للقراء أعد قراءتها مرارا وانظر أتستمتع أنت بما كتبت؟
وسل نفسك هل تمكنت من بناء نص سيجعل القارئ يتوحد معك في حالة شعورية فكرية واحدة؟
هل استطعت - من خلال النص- أن تمتلك وجدان القارئ ليندمج مع الحالة الشعورية وكأن القارئ هو الذي يكتب عن تجربته؟
تم بحمد الله
ونسأل الله التوفيق وحسن البيان وفصل الخطاب.
______
سيد عفيفي
عضو اتحاد كتاب مصر
