زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءات نقدية بقلم_مجموعة من الكتّاب والنقاد لقصة(سالومي) للكاتب: "محمد كمال سالم"


 

قراءة الأستاذ الفاضل "محسن الطوخي"

••••

تنقسم القصة إلى جزئين متباينين تمام التباين، يربط بينهما خيط واه وهو العلاقة التي تربط الشخصيات بالمكان.

 ‏ونلتقي في القصة بزوجين من الشخصيات.

 ‏ ‏الزوج الأول هما الراوي وزوجته، وهما يحتلان وحدهما القسم الاول من القصة والذي يمكن اعتباره القسم الواقعي. فهما يشرعان في السفر لأداء واجب العزاء في وفاة زوجة صديق مقرب لهما بالوباء. وعليهما قطع مسافة بالسيارة للوصول إلى القرية التي حدثت بها الوفاة. ونرى الزوجة متاثرة وحزينة دلالة على العلاقة الوثيقة التي تربطها بالمتوفاة. لكن عاصفة تثور وهما على الطريق، وتسوء الأحوال الى حد انزلاق السيارة وتعطلها، فيغادرانها تحت العاصفة لأن الزوج يعرف القرية التي صارا على مشارفها، وقضى بها شطرا من حياته. يلجأ الزوجان إلى أقرب بيت لاح لهما.

 ‏ ‏إلى هنا ينتهي القسم الواقعي من القصة لنلج قسما مختلفا تماما تهيمن عليه الفانتازيا.

 ‏ ‏تبدأ الفانتازيا بمجرد الاستجابة لطرقات الزوج على باب البيت. فسيدة البيت لا تبدو في الشكل والهيئة اللذين يناسبان حياة القرية، وثيابها العارية لا تناسب الطقس الغاضب. ثم يتعرف الزائران على السيد عفت صاحب البيت الذي يجتمع فيما يشبه الاحتفال وحوله رهط من علية القوم ( كأنهم خشب مسندة ). 

 ‏ ‏سنشير إلى طائفة من الملاحظات على المشهد السابق ثم نستكمل:

 ‏ ‏- الريبة التي استولت على الراوي فور التقائه بالسيدة. والتي تكررت فور لقائه بالسيد عفت. وهي ريبة مرجعها الشك في أنه على معرفة سابقة غير مؤكدة يالسيدة. لكن هذه الريبة تكتسب بعدا مختلف بالنسبة إلى السيد عفت، فهو تعرف فيه على أستاذه القديم، والملفت أن هذه العلاقة القديمة طرحت فيما يشبه الإبهام، فالتلمذة على يد أستاذ اتخذت بعدا يفوق العلاقة النمطية بين تلميذ ومعلم مدرسي، يوحي بذلك ألفاظ وردت في الحوار مثل: " نهجك المقدس " . 

 ‏ ‏-- التركيز على أن اهتمام المستقبلين انصرف تحديدا إلى الزوجة.. فالسيدة كما ورد على لسان الراوي .. " .. بالغت في الاهتمام والترحيب بزوجتي .. " . وجاء على لسانه أيضا في مشهد التعرف على السيد عفت .. " رحب السيد بزوجتي التي... " .

 ‏ ‏-- تلاحظ أن الحوار اقتصر على الزوج والسيد. ولم يبد الحاضرون أي دلالة على وجودهم في المشهد، وتأكيد ذلك وصف الزوج لهم بأنهم " خشب مسندة ".. وهو وصف قرآني ورد في الآية الرابعة من سورة المنافقين في وصف المنافقين. وهو بالتالي يثير علامة تعجب. فإذا سلمنا بأن الزوج علم من أمر السيد والسيدة عن سابق خبرة - ولو لم تكن مؤكدة - حيث أنها اتسمت على الدوام بالريبة، فالعجب سببه اعتبار الحضور من فئة المنافقين دون سابق معرفة بهم. بل ودون أن يستعرض أي إسهامات منهم بالقول أو الفعل تبرر وصفهم بالنفاق.

 ‏ ‏-- تباينت ردود فعل كل من الزوج والزوجة مقابل الجو الغريب الذي وجدا نفسيهما فيه. فالزوج صار متوترا، واتسم سلوكه بالهجوم والشراسة دون مبررات. فهو يهاجم السيد ويصفه بالتنازل عن هيبته، ويسم السيدة بأنها عاثت في القرى إفسادا وتشريدا، ويهاجم الحضور متهما إياهم بأنهم خبؤوا الأذان، وخبؤوا المسجد. وبغض النظر عن غياب التمهيد لهذا البعد الديني، فالموقف الدرامي الذي ألجأ الزوجين إلى البيت طلبا للنجدة من العاصفة، والترحيب الذي قوبلا به لا يتوافق مع المزاج الهجومي الذي بدا عليه الزوج.

 ‏ ‏يتبع -

 ‏ ‏- ‏أما بخصوص الزوجة، فنجدها على عكس الزوج تماما تغير مزاجها ومال إلى الاعتدال بمجرد التقائها بالسيدة. حتى أنها نسيت أحزانها على صديقتها المتوفاة فلم نلمح أي إشارة منها إلى الغرض الأصلي من رحلتها مع الزوج، بل إنها في سلوك انقلابي تماما ترفض الانصياع لرغبة الزوج في المغادرة، و " تفر " من يده وتتعلق بالسيدة .. " فلنبق هنا .. إني أحببتها.. " . وهو موقف مثير للتساؤل والدهشة.. فماذا يمكن أن يكون قد دار بين الزوجة وبين السيدة في فترة لا تتجاوز زمن الحوار بين السادة ليكون مبررا لهذا الانقلاب الحاد في المزاج، وفي السلوك.

 ‏ ‏- ‏أما الخاتمة فهي مغرقة في الفانتازيا. إذ يتقبل السيد عفت ثورة الزوج دون أن يبدي أي تفسيرات أو أجوبة خلاف ماذكره بشكل مبهم من أن وجود السيدة هو سر احتفاظه بشبابه الدائم، ومن بين ضحكاته يأمر بفتح الستائر ليكتشف الزوج من خلال النافذة شمسا مشرقة، ومروجا خضراء، وأطفالا يلهون في سعادة. لا أثر إطلاقا للعاصفة التي ألقت به وبزوجته إلى هذا البيت الغريب. ولكنه عندما يشرع في المغادرة من خلال الباب الذي أتيا منه يصطدم بالعاصفة التي لازالت في عنفوانها.

 ‏ ‏- ‏أما السيد الذي وصفه الراوي بالبلاهة مرتين، وبالساخر مرة فقد وضع الزوج أمام ثلاث خيارات.

 ‏ ‏-- النافذة وهو خيار محال لأنه الماضي الذي لن يعود.

 ‏ ‏-- المغادرة وهو محفوف بالمخاطر في ظل عاصفة هوجاء.

 ‏ ‏-- البقاء.. حيث البيت هو الحاضر وسيجد مستقبله فيه.

 ‏ ‏- ‏وتنتهي القصة بعد أن حدد كل من الزوجين خياراتهما. أما الزوجة، فقد اختارت البقاء. وأما الزوج فقد اختار ألا ينصاع لرغبة تملى عليه من أشخاص لم يثيروا فيه إلا الريبة والتوجس. فينطلق قافزا من النافذة ، لكنه يكتشف صدق السيد، إذ لم يجد أرضا تحمله ودلالة الجملة لا تحتمل إلا معنى واحدا، ألا وهو الفقد.

 ‏ ‏- ‏أخيرا : مادلالة العنوان الذي حمل اسم شخصية تاريخية ذكرت في قصص العهد القديم موسومة بالتآمر حيث كانت حلقة في مؤامرة هيروديا للتخلص من يوحنا المعمدان. في الحقيقة اجتهدت في العثور على رابط ولم أفلح.

 ‏ ‏- ‏وافر التحية لإبداعك صديقي العزيز محمد كمال

__________________


قراءة الأستاذة "فاطمة المخلف"

••••

دراسة نقدية لقصة سالومي للكاتب 

محمد سالم كمال 

:::::::::::::::::

 قصة جميلة تعبر عن واقع مر بآسلوب خلط بين وافع وخيال يبدو لأول وهلة ان القصة رمزية 

 ‏ ‏لكن الكاتب استطاع بعبقريته ان يضع القصة في مكان يجمع الواقعية بقالب رمزي منظور ليعبر عن فكرته 

 ‏العنوان وموسيقا لفظه يكاد يذكرك بالكلمات العبرية سالومي… 

 ‏وبعيدا عن السفسطايية والاتكاء على الأدب الماضي او أراء الفلاسفة

اقرا النص بعين قارئ عادي وما تتركه القصة فيه من أثر 

الاستهلال… و هو عادة اجتماعية لدى العرب بالقيام بواجب العزاء نحو الاصدقاء .نجح الكاتب بسرده بجمال وتشويق 


اشارة للحاضر عن واقع جمع العالم باسره بوباء كوفيد الذي جعل العالم يعيش ماساة انسانية شملت كل الدول والشعوب 


المتن ..

هو خصوصية لواقع عربي ..

كانت العوامل الخارجية كالظواهر الطبيعية فوق ارادة الانسان وقدرته على مواجهتها ..فحرفت مسيرة سيره ليبحث عن الأمان في اقرب ملجا له ولو كان لا يعرف الكثير عنه لكنه يستطيع طلب اللجوء كما حدث في الواقع العربي 

بعد الحروب والويلات .


وقوافل المهاجرين الذين تحملو ا الموت بشتى الطرق تاركين اوطانهم نحو المجهول بكل ما تحمل الكلمة من معنى 


وما المطر الا عبارة رمزية تدل على الويلات التي حلت ببلادنا ومجتمعاتنا التي تذكرنا بان المطر ويلات وغضب 


كما ذكر في اكثر ايات القرٱن 

القرية التي التجا لها 

الكاتب هي العالم بطريقة مصغرة بعد سيطرة العولمة 


القصور التي اقيمت هي لأفكار والقيم التي تم نشرها لتغيير ثقافة

وقد اشار الكاتب… حجبت خلفها… .

لتغيير ثقافة الشعوب وتهميش وتغييب ثقافاتهم .


اما داخل القصر 

فهو واقع عالمي معاش للشعوب المنهكة والفقيرة 

المراة الشقراء رمز لصهيونية واذنابها 

بثوبها الازرق..وما هو الا رمز للون الماء واشارة لما في علمهم وقناعاتهم بين بحر ونهر 


والرجل المقعد الذي يجب ان يكون 

ان يكون قد مات 

هو ذلك التسلط والاستبداد للسلطات الحاكمة 

والتي هي مقعدة لا تستطيع ان تقدم او تؤخر بل هي واجهة ليتلسط من خلفها ويتحكم المجتمع

اعداء الامة وتراثها وجذورها 

 تلك

 ‏ ‏ الحسناء المتحكمة بالعالم

 ‏اما الجالسون كا الاصنام الخشبية هي دول العالم التي لا تحل ولا تربط وقد تكون اشارة للقوى التي تحكم وفق ارادة الفاتنة الشقراء ..

يشربون ويلهون 

عالم غارق بالفساد والظلم 

اما الساحة والاطفال فهو ماضينا وسلامنا. 

 الذي،فقدناه بعد الانزلاق في درك العولمة وخسارة قرارنا وتقرير مستقبلنا بات بأيد هؤلاء الأصنام 

 ‏ ‏والشقراءالتي تحركهم 

 ‏ ‏اما من يريد الخلاص واتخاذ القرار فمكانه خارج النافذة حيث الفضاء المجهول والمترامي على احتمالات الخوف 

 ‏ ‏وهو الواقع الذي يعيش به العالم العربي 

 ‏ ‏وافتقاده لرؤية مستقبلية تدل على السلام أو الأمان والإستقرار 

 ‏ ‏اما الزوجة فرمز لتفكك الاسرة وقد تكون رمز لضياع المراة العربية وراء المظاهر والحضارة المزيفة 

 ‏الرجل المقعد الذي اشير الى ماضيه المقدس 

 ‏قد يكون اشارة خجولة للقدوة التي كنا نتمسك بها او المعلم او رجل الدين او السياسي الفاضل 

هكذا رسم الكاتب صورة لواقع معاش في ظل 

الوباء والعولمة والتطبيع ..اشجار الزيتون التي هي رمز للسلام وارض فلسطين .

من لم يطبع يغرد خارج السردب وحيدا .

مطالبا بحقوقه 

ماضيه وحاضره ومستقبله 


راسما الامل لجيل إن اراد الخلاص عليه النظر للنوافذ والتحليق رغم الخوف والترهيب هو فضاء للخلاص 

اما عن

 العنوان

 ‏ ‏ الذي خدم القصة بحرفية وكما اشرت سابقا 

 ‏ ‏هو رمز لمن طبعوا 

 ‏ ‏سلام وهمي 

 ‏ ‏وضياع حقوق 

 ‏ ‏والنهاية التي جاءت مدهشة 

 ‏ ‏لا ارض تحملني 

 ‏ ‏الفضاء والفراغ الامتناهي 

 ‏ ‏لكنه ارادة وقرار حر .

 ‏المتن ..حبكة رائعة وشخصيات مرسومة باتقان 

 ‏جمل سهلة جميلة بقالب أبداعي أدبي جميل 

 ‏استخدم فيه البيان والصور والتشابيه لخلق نص متكامل 

 ‏واستخدام فنية الخطف خلفا للماضي 

 ‏ابدع الكاتب حقا 

 ‏ارجو ان اكون قد وفقت بقراءتي وخيالي لما رمى له الكاتب من مغاز .

 ‏فاطمة المخلف /سورية

 ‏________________

 ‏

قراءة الأستاذ "عبد الجابر حبيب"

••••

قراءتي للقصة القصيرة/سالومي/ للكاتب محمد كمال سالم  


بداية نحن أمام قصة قصيرة اعتمدت الرمزية ابتداءً من القصة المعنونة بسالومي ...من هي سالومي ..لاشك أن الكاتب يدرك تماماً اللغز الحقيقي الذي يختفي وراء هذا الأسم ..

**إذا لابد لنا من تسليط الضوء على العنوان ...وكما يعلم الجميع بأن العنوان هو الواجهة الإعلامية لأي نص سواء أكان شعراً ، أم نثراً ...قصة، أو رواية ..وهو المفتاح الدلالي لكوامن النص الإبداعي. لذلك لابدَّ من العودة إلى هذا الاسم ..سالومي ...وما الذي دفع القاص اختيار هذا الاسم ليكون عنواناً لقصته ..علينا أولاً أن نستنبط التاريخ والأسطورة لنعرف أية سالومي يقصدها الكاتب محمد كمال سالم ...

أولاً ـ هناك رواية تقول بأن سالومي هي من النساءاللواتي حضرن عملية الصلب (صلب السيد المسيح)كما ورد في أنجيل مرقس .. وذكر بشكل غير مباشر في انجيل متى تحت مسمى مريم أم يعقوب ويوحنا ..لذلك فقد درج التقليد الكنسي على دعوتها ـ القديسة مريم سالومي ـ


ثانياً ـ سالومي هي أول شاهدة على ميلادالسيد المسيح ابنة خالة القديسة مريم العذراء

ثالثاً ـ سالومي هي شخصية أخرى التي طلبت من الملك هيرودس قتل يوحنا المعمدان بعدما كشف هذا الأخير تلك العلاقة المشبوهة بينها وبين الملك الآنف الذكر 

واستخدم الكاتب اوسكار وايلد (١٨٩١) سالومي في إحدى مسرحياته مقتبساً من العهد الجديد ...حيث يصل بطل مسرحيته هيرودس في وقت متأخر إلى بيت ما؟...وماهو هذا البيت إلّا بيت للدعارة ..وكل الأدوار تؤديها مومسات أو زبائنهن ...حيث نرى سالومي ترقص من أجل هيرودس مقابل قتل يوحناالمعمدان فيما بعد حيث يرضخ الملك أخيراً لطلبها ...

رابعاً ـ سالومي هي صيغة المؤنث من سليمان وهو الصيغة اليونانية من شالوم ...بمعنى السلام وهو مشتق أيضاً من اللغات السامية من شالوم أو سلام أوسلمى في العربية والتي تعني السلام ...

من خلال العنوان الذي هو تشويق للقارئ ليسبر أغوار القصة 

فياترى ما الرابط بين سالومي وأحداث القصة التي نحن بصددها وهل هناك علاقة ما بين الشقراء في البيت الذي لجأ إليه بطل قصتنا مع زوجته وبيت سالومي لاوسكار وايلد المحرضة على قتل يوحنا المعمدان ...سيتضح ذلك من خلال أحداث القصة ...


** الاستهلال اعتمد الكاتب على حدث هام جداً سيطر بشكل فظيع على العالم وأصبح شغله الشاغل الوباء العالمي (الكورونا ) كوفيد 19 الذي حصد آلاف الأرواح وعلى إثره تراجع اقتصاد الكثير من البلدان ومثل الآخرين يقوم بطل القصة وزوجته للقيام بواجب العزاء .. 

حيث نجد الكاتب يلجأ إلى الكلمات الدلالية المرمزة (يأبى هذا العام أن يمضي بسلام ) ( في مثل هذه الأيام كنا نستعد لنحتفي بقدوم عام جديد ...ننتظر دقات منتصف الليل ...سنبصح في عهد جديد ) وكأنه يربط بين سالومي التي حضرت ميلاد السيد المسيح و الزمن الذي جرت فيه أحداث القصة ...أي اعتمد على في البداية على سالومي القديسة ...

الكلمات ..سلام ....عهد جديد ...منتصف الليل ...كل ذلك يشير إلى ماسبق من الحديث عن سالومي ...الوقت المتأخر .. انجيل العهد الجديد عند اوسكار ....منتصف الليل ...وصول الملك هيرودس بوقت متأخر إلى ذلك البيت ..

( الوباء حسبته أسطورة تروى في الحواديت ) أي وباء يقصده الكاتب وأية أسطورة إن لم تكن أسطورة العبور التي تحولت إلى كوابيس أقلقت مضجع الإنسان الذي كان يعيش بأمان ...وماكانت تلك الغيمة المرافقة بالرعد والبرق إلا كارثة جاءت في وقت غير مناسب ومتى كانت للكوراث موعد 

ومتى كان للإنسان من الكارثة مهرب ( همي بالسير ، القرية القادمة أعرفها فقد قضيت فيها عقداً من صباي) 

إذا بطل القصة لديه ذكريات مع بيادر القرية وبيوتها وأزقتها وأشجارهاقبل إن تقتلعها يد الغدر .. 

وكيف لم تلحق بها الأذى والجرافات قد فعلت فعلها وحولت تلك البيوت الطينية إلى كتل اسمنتية خالية من ملامح الماضي الجميل ...وسكنت تلك البيوت وجوه غريبة (أرى الآن تطاولاً في البنيان وأبرجاً عالية احتلت مكان أبراج الحمام )

ويستمر الكاتب بعرض الأحداث عن طريق السرد والحوار حتى نهاية القصة وهو يغوص في عمق حكاية قديمة جديدة ..حكاية الاستيلاء فكرياً واقتصادياً على أبناء القرية التي هي نموذجاً لبقية القرى والبلدات وربما للأوطان فيما بعد حيث تمتد أذرع الأخطبوط لتسولي على الأراضي ولاتكتفي أبداً وإنما تريد سلب الإرادة المتبقية لدى من بقي مخلصاً لأغصان الزيتون ويعز عليه ظل تلك الأشجار .. ونرى من يركض جرياً وراء السراب ومايسميه المعارضين لسياسة الرضوخ وفرض الشروط بالتطبيع عن طريق الشقراء ...سالومي بين قوسين التي سيطرت على الجميع 

(ضحك مني السيد ساخراً ...هذا هو الماضي الذي لن يعود ....ولا أشجار الزيتون ..أما هنا فهو الحاضر ومستقبلك هنا)

ولحظة الاستنارة هي مع الأسف تتزامن مع الانكسار الذي لاجبر للخواطر فيه إلا بانبعاث بطل من الماضي وآحياء صلاح الدين من قبره لينصر يوحنا المعمدان ويأخذ بثأره من سالومي وعشيقها الملك هيرودس ويفضح مؤامرة أولئك الصامتين على جريمة اغتصاب أرض سكت حتى أقرب الأقرباء عن صرختها

**السرد واللغة والحوار : 

اعتمد الكاتب على توزيع المساحات اللغوية في قصته بين السرد السهل دون اسهاب مع حوار مقتضب إلى حدٍّ ما ... استخدم 

الكاتب أفعالاً حركية لتوطيد المراد منها ( خبأتم ـ بعثت ـ افتحوا ) وأفعالاً حسية للفت نظر القارئ إلى الخطر المحدق ( نظرت .. وجدت .. لفح )


** الشخصيات : من المعلوم في القصة القصيرة قليلة لاتتجاوز الخمسة ...بطل القصة الرئيسي وبطل مساعد وثلاث شخصيات داعمة فلو عددنا شخصيات الكاتب رأينا الزوج والزوجة ...والمقعد والشقراء ...وتلك الشخصيات الصامتة ...

**التنقلات نجح الكاتب في كيفية التنقل بشخصياته عبر الأماكن الضرورية دون أن يلجأ إلى تنقلات غير ضرورية لاوجود لها دون أن يكون للمكان أثر في ذات البطل ..وشخصيات القصة  

** الحبكة : توفق الكاتب في التصعيد بالمواقف الدرامية من السير في الطريق إلى الغيوم التي تلبدت إلى ترك السيارة بعدما استحال السير بها ..اضطرار البطل إلى السير ماشياً واللجوء إلى أقرب مكان آمن ...وهنا تبدأ العقدة حيث يرى مالم يكن بالحسبان، وتحدث المفاجأة حيث يرى معلمه القديم كسيحاً تدير أمره تلك العاهرة صاحبة الثوب الشفاف والتي لاتنمتي بحال من الأحوال إلى هذا المكان الذي قضى عقوداً من صباه .. الصراع بين الماضي والمستقبل والحاضر الذي يقف مكتوفاً لاقرار له .. 

ليجد نفسه على أرض هشة لاتحمله 


الصدمة والرمزية : ظهرت جلياً من خلال الحوار العبثي بين البطل والمعلم الكسيح والذي يجيب على سؤال بسؤال آخر ومابين الباب والنافذة حيث نجد النافذة ها هي إلا نافذة على التاريخ ...على الماضي الجميل حيث الشمس والأشجار والأطفال ...والباب الذي لو خرج منه لن يجد سوى استمرار العاصفة التي تعيق بطل القصة من الاستمرار والوصول إلى مكان العزاء للقيام بواجب العزاء ...وماذلك إلا ترسيخ للعادات والتقاليد الاجتماعية الأصلية في مجتمعاتنا ...والرمزية الثانية تلك الشخصيات الصامتة التي لاتتحرك ..وكأني أرى كل شخصية تمثل دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن ولايحركون ساكناً رغم ما تجري أمامهم أحداث رهيبة تجاه بعض الدول والشعوب ...وكأن تلك القضايا الإنسانية تأطرت بأسوارقوية، ولايحق لأحد نقاشها 


العبرة : ربما أراد الكاتب أن يلفت نظر القارئ إلى مرحلة سياسية عصيبة من تاريخ الشعب الفلسطيني خصوصاً والعربي عموماً وما آل إليه الوضع العربي من تشتت والركض وراء التطبيع الذي ماهو إلا فخ كبير ...يحذرنا منه عن طريق طرح أسطورة سالومي ورقصتها الأخيرة قبل الغدر بيوحنا المعمدان ...فهل تتشابه الأحداث بين الشقراء وسالومي وبين المعلم الكسيح ويوحنا المعمدان .. وبين بيت العاهرة والبيت الذي تحول إلى مكان لسلب العقول في عصر العولمة دون أن يكون لأغلب الشعوب رأيي فيما يجري ...


**الخاتمة: لاشك الحوار الذي دار بين بطل القصة والكسيح 

ماهوإلا ناقوس الخطر الذي أشار إليه البطل وتجلى أخيراً في قوله ( فرت زوجتي من يدي إلى ذات الرداء الأزرق ...وقالت فلنبق هنا .. إني أحببتها )

ولم يكن أمام بطل القصة سوى الهروب إلى الماضي عبر النافذة ...(قفزت من خلالها فلم أجد أرضاً تحملني ) الأرضالتي كانت رمزاً للخصوبة والعطاء ..اليوم يعث فيها الفساد ...

قبل أن أنهي ما أردت قوله فقد تمكن الكاتب من استخدام الرمز و الاسقاط الجميل لقصة سالومي على واقع بات شبيهاً لواقعنا، وكأنه يقول التاريخ يعيد نفسه مرات ومرات ....ولكن هل من يتعظ ....

عبدالجابر حبيب

_________________


قراءة الأستاذة "جيهان الريدي" 

••••

قصة شديدة التميز كما هي أعمال أديبنا الأستاذ محمد كمال سالم 

وتتجلى فيها سمات إبداعه المتميز 

حيث نجد فيها 

براعة الكاتب في تصوير المشاهد والأحداث والنفاذ إلى أعماق شخصياته التي رسمها هو بتأني

قدرة الكاتب على مزج ماهو ذاتي وما هو موضوعي ،ومزج الهدف والرسالة بالمتعة ، ومزج الاسترسال ومنطقية الأحداث بالنهايات الغير متوقعة ، يخلق حالة فريدة من القص المفيد والممتع في آن واحد

ينسج الكاتب كل خيط من خيوط قصته على مهل ،ثم يبدأ في تضفيرها ؛لتخرج لنا قصة تتماهى فيها الأحداث مع الشخصيات ،بحيث إنك لا تجد لأي شخصية تصرفا غير منطقي ،ولا تجد أحداثا غير مبررة في سياقها ،ولا تجد أحداثا مقحمة ،أوليس لها ضرورة في خدمة سياق النص 

التكثيف الواعي الذي يؤكد أن الكاتب يعرف من أين يبدأ ،ومتى يتوقف ليسدل الستار ،ويكتب كلمة النهاية بطريقة محبوكة لا تخلو من جماليات الأدب 

الاهتمام باللغة الموحية ذات الجمل القصيرة المتلاحقة ،التي تجعل القارئ يتابع بشغف سطور القصة وأحداثها

الاعتناء باختيار أسماء دالة وموحية لقصص المجموعة، بحيث يعد كل عنوان مفتاحا مؤثراً وميسراً للولوج والتفاعل مع أحداث القصة.

_______________


قراءة الأستاذ "الحمداوي لحبيب"

••••

قراءتي لقصة الكاتب محمد كمال سالم.. سالومي.

في القصة القصيرة كما هو الحال بالنسبة لكل أنواع الكتابات من رواية وققج وغيرها، يبقى العنوان أول المستقبلين للقراءفقد يستفزك فتتوقع ما سيرد، وقد يحفزك ويدفعك لتقرأ بنهم وشراهة... 

وقصتنا اليوم لن تحيد على هذه القاعدة، سالومي لهذا الاسم رمزية،وبالتالي فالكاتب واع ولم يختر العنوان عبثا ولمن أراد التعرف على هذه الشخصية فليعد الى الفكر الكنسي... 

القصة بدأت بسرد جميل، جعلنا نتفاعل معه ،فسرنا معه بقلوبنا في الطريق وحين تلبدت الغيوم، وهرعنا معه في حذر حين ترك سيارته والعقدة تشتد ونحن مشدودين الى الحل وننتظر الفرج وازدادت الحبكة صدمة في الحوار العقيم مع أستاذه، بعدما استقبلته تلك العاهرة وكأنها كانت تنتظر زبائن جددا.وانتهى الأمر بهروب البطل من واقع مقيت والإرتماء في أحضان الماضي الجميل. 

لكن ما الهدف الذي نشده الكاتب والرسالة التي أراد ايصالها ؟

القصة تستهدف رسم واقعنا بدرامية الضعف الذي ينخر عضد الوطن من ميوعة وسوء تدبير، وحتى الأقدار لم ترحم ضعفنا وأبى هذا العام أن يغادرنا دون أن يبتلينا بالأمراض الكارثية وتبعاتها، وما بال الأستاذ و الأصنام المحيطين به، الى ما يرمزون إليه من سلبية اتخاذ القرار؟  

يبقى التنويه بالسرد والحوار الماتع، واللغة الجميلة رغم وجود خطإ ترددت كثيرا قبل الإشارة إليه /زاد من دهشتي شكلها، هيئتها/

التصويب هيأتها. 

مودتي واحترامي

_______________


قراءة الأستاذ "جمال الشمري"

••••

في البدء أحيي أستاذي المبدع على قصته هذه

هي قصة غارقة في الرمزية من عنوانها حتى خاتمتها

سرد سلس مترابط بجمل بسيطة بديعة في ما تحمل من معان

سالومي الشاهدة على صلب المسيح أو ولادته أو ربما تلك التي أمرت بقطع رأس يوحنا

لاأعلم أيهما أشار لها الكاتب

رغم ميلي إلى رمزية سالومي الأخيرة في الغطرسة والطغيان والخبث

رأيت ذلك حينما استفردت بالزوجة واستطاعت جذبها إليها 

(لكن لم أرى أي إشارة لشرور تلك السيدة إلا لو كانت إشارة الأصنام، هي تلك الشعوب التي احتلتها ،هي من تشي بذلك)

ذاك الرجل المقعد واضح أنه ماضينا وانتكاساتنا بيد طغاة وشعارات براقة فارغة من محتواها 

أتفهم غباء الزوجة وانصياعها لمكر سالومي

لكن هل الهروب للمستقبل وترك الماضي خلفنا ، يعتبر ضعف؟!!

هل وصل اليأس للكاتب بحيث كفر بأي مجهود فردي أو بسيط للهروب من النكسة؟؟

تلك الخاتمة 

اميل لفكرة أن الكاتب لمح لاستحالة حصول تغيير في واقعنا العربي

فذاك المقعد وهو رمز الضعف العربي الذي سلمه الغرب زمام هزائمنا لن يترك لنا أرضا صلبة لأي محاولة للانفكاك من قيد إرث طويل من الهزائم والخيانات 

أشكر الكاتب على رمزيته وما تبناه في قصته من تلميح لواقعنا البائس

كنت أتمنى أن يكون حيز الحوار في القصة أطول ليشمل الزوجة وسيدةالقصر بالاضافة للزوج والسيد عفت

أظن حشر كورونا بالقصة كان من الممكن الاستغناء عنه

كان من الممكن أن تبدأ القصة من تلك العاصفة التي هبت والزوجين مسافرين في السيارة

لم تفد الكورونا أي معنى للقصة ولا واجب العزاء ولا ذاك الموت الذي طال أحدهم

لو استعاض الكاتب بما يجري من نكبات في فلسطين أو باقي العرب وذاك الموت بيد طاغية أو محتل لكان ذلك أفضل.

دمت أستاذنا محمد كمال سالم ودام تميز حرفك.

______


قراءة الأستاذة "روضة الدخيل"

••••

سالومي

قصّة لبست رداء الرّمزيّة

الإشارة الأولى إلى العام الجديد و حادثة الوفاة و الوباء، استمرار لمعاناة سابقة و دوامها.

تقنية استرجاع الماضي حنين للنّقاء و الأمان و السّلام، وكلّها قيم مفقودة في الحاضر، تدخّل الطّبيعة في تغيير مسار الرّحلة إشارة إلى عوامل خارجيّة لا يمكن مواجهتها.

تبدّل حال القرية بشكل مثير للدّهشة دليل على مسار ممنهج نخضع له دون انتباه لحجم التّغيير الذي يزرعونه فينا.

البيت الغريب و المرأة و الحضور، إشارة إلى الأدوات و الوسائل المستخدمة لتخديرنا و تغييبنا عن واقع نتجمّد فيه فكريا و اقتصاديّا، و هو سجن عبوديّة و استهلاك، أمّا الأستاذ المقعد فهو القوى المقنّعة التي تبتزّنا بشتّى الوسائل لتمرير مخطّطاتها.

يبقى التّرهيب من القادم لمن يغرّد خارج السّرب و التّهويل من المجهول.

الخاتمة قفزة في الفراغ لقطة ذكيّة تترك للقافز حريّة الاختيار و البدء من جديد.

قصّة جميلة مغرقة في الرّمزية عبّرت عن مهارة و إتقان و لغة مناسبة.

كلّ التّوفيق للقاص محمدكمال محمد كمال سالم

روضة الدّخيل

____________

قراءة الأستاذ "علاء طبال"

••••

تحليلي المتواضع لقصة سالومي للأديب القاص أستاذي محمد كمال سالم:


📝فكرة القصة: أعاد الكاتب سرد حكاية سالومي من خلال علاجها بطريقة لا تختلف كثيرا عن الطريقة التي عالج بها المسرحي التنين أوسكار وايلد حادثة سالومي، إلا أن الكاتب أضفى حلة عربية وبعض بهارات عبثية تشبه عبثية مسرح بيكيت التجريبي: تحويل اللامعقول إلى معقول، السقوط اللانهائي؛ من المعروف أن الفراغ فيزيائيا وهم بحسب أرسطو وفيرنر هايزنبرغ وألبرت آينشتاين، أما بحسب بيكيت والكاتب فهناك فراغ أدبي ووجودي، سقط فيه بطل القصة - الذي هو بشكل أو بآخر تمثيل رمزي ليحيى عليه السلام - وهذا السقوط لم يكن سقوطا عاديا، هو سقوط لا نهاية له يبرز انتصار قوى الشر على الخير، وقد كان الكاتب بارعا في تأطير الشر بزمن فايروس كورونا.

يحيى يسقط ويسقط ويسقط إلى الأبد، وسالومي - زوجة العجوز - حية لا تموت؛ مرر الكاتب هذه الجزئية من خلال الحديث الذي دار بين الزوج والعجوز، ألم يكن العجوز في عداد الأموات لولاها؟


📇أبرز التقنيات الأدبية المستخدمة:

أ- السرد المتسلسل.

ب- البطل راوي القصة؛ حكى لنا يحيى عليه السلام قصته وهو في رحم الفراغ؛ ولذلك أجد خطفا إلى الخلف وضعه الكاتب بشكل ضمني في القصة.


📖الاستهلال والمقدمة:

وضع الاستهلال القارئ أمام عتبة العقدة؛ لقد كان الكاتب ذكيا بإيهامنا أن القصة ستجري لدى صديقهم الذي ماتت زوجته.

لكن لو كانت جملة الافتتاح في مكان الجملة الثانية أفضل، وأرى حذفها مبرر؛ هي مهدت للمصيبة في جملة لم تضف شيئا للقصة، وهكذا مصيبة لا تحتاج إلى استهلال بل يستهل بها.


🗣️📜العرض والسرد والوصف والحوار:

لغة القصة جيدة من جميع النواحي، الصور البلاغية جيدة، ولم أجد عيبا فيها إلا تحويل الألف المقصورة إلى ياء؛ هذه عادة كتابية لدى الإخوة والأخوات المصريين والمصريات أكرهها جدا.

الحوار جاء مقتضبا معبرا قصيرا؛ أي مثلما تقتضي أصول كتابة القصة القصيرة الحديثة.

ومن حيث مذهب القصة، قصة سالومي قصة مخاتلة مخادعة؛ حسبتها في البداية خيالا تاريخيا فقط، لكنني وجدتها بعد قراءتها أيضا تنتمي لأدب العبث والواقعية السحرية (السريالية الفائقة).


📉النهاية: أجمل ما في القصة، كمية العبث واللاجدوى فيها هائلة ومحزنة.


تقييمي للقصة: ٨.٧/١٠

______________

"سالومي"

يأبى هذا العام أن يمضي بسلام.

جاءنا اليوم خبر وفاة زوجة أحد الأصدقاء، متأثرة بالوباء اللعين.

خرجت أنا وزوجتي في احترازية شديدة، سنسافر لقضاء واجب العزاء، فمثلهم لا يجوز أن نتأخر عنهم.

زوجتي مازالت تبكي، تتمتم بكلمات أكاد أتبينها، أحاول التركيز في قيادة السيارة، خطوب تلتها خطوب هذا العام، أجهدت الروح، تبعث على اليأس الشديد.

في صغرنا، في مثل هذه الأيام كنا نستعد لنحتفي بقدوم عام جديد، ننتظر دقات منتصف الليل، ننتظر الدنيا التي سوف تتبدل، سنصبح في عهد جديد.

تبينت بعض من همهمات زوجتي:

_الوباء، حسبته أسطورة تروى في الحواديت، ذريعة تستخدمونها في قصصكم لغياب بطلها دون مبرر.


غامت السماء فجأة دون مقدمات فوق الطريق الزراعي، تجمع سحاب أسود كثيف، وكأن الليل قد هبط قبل موعده، ثم زمجرت السماء بالرعد وأبرقت!! ثم أمطرت وابلا شديدا.

زحف الوحل على الطريق وأصبح زلقا، لم أستطع السيطرة علي عجلة القيادة، انحرفت السيارة يسارا، انزعجت زوجتي وسيطر عليها الخوف، مالت السيارة واستقرت على جانب الطريق، فأصبح البقاء فيها ضربا من المجازفة، فغادرناها وقلت لزوجتي: 

_همي بالسير، القرية القادمة أعرفها فقد قضيت فيها عقدا من صباي.


عندما اقتربنا، لاحظت تغير المكان، كانت مجرد قرية بيوتها من الطين، أرى الآن تطاولا في البنيان، وأبراجا عالية احتلت مكان أبراج الحمام.

لم يكن لدي وقت للتأمل، أو الاختيار، طرقت أول باب صادفنا، كان لبيت فخم من طابق واحد.

كانت الدنيا قد أظلمت، وغرقت أنا وزوجتي في الماء والوحل.

لم يطل انتظارنا ، حتى فتحت لنا الباب سيدة ، وأمرتنا بسرعة الدخول، وكأنها كانت تنتظرنا!!

زاد من دهشتي شكلها، هيئتها التي لا تناسب هذه القرية، و ثيابها التي لا تناسب هذا الطقس، شقراء في ثوب أزرق بهيج يكشف عن مفاتنها، أحسست لأول وهلة أني أعرفها، أكدت لي نظراتها المترقبة المرتابة هذا.

أسرعت إلينا بمناشف، وبالغت في الاهتمام والترحيب بزوجتي.

دلفنا إلى بهو كبير، تراص فيه بعض من علية القوم يحتفلون، يشربون، ولكنهم كالأصنام، أو كأنهم خُشب مسندة، يتوسطهم سيد قعيد علي كرسي متحرك، قدمته لنا السيدة:

_السيد عِفَت صاحب القصر!

رحب السيد بزوجتي التي لم تلاحظ ريبتي، ثم أخذتها السيدة المتبرجة وانتحت بها جانبا، وبقيت أنا مع السيد عفت، فقلت له:

-ألا تذكرني؟

-‏وهل أعرفك؟

-‏ربما لا، ولكن مثلك يعرفه الكثير من أمثالي، هي أجيال كاملة تعرفك، فأنت أستاذنا، وأنا تلميذ من مدرسة نهجك المقدس، ما يشغلني هو كيف اجتزت كل تلك الاعوام، رجل في عمرك من المفترض أنه الآن .....

قاطعني قائلا: 

-‏من بين الأموات.

ثم ضحك ساخرًا.

-‏دنوت منه وهمست إليه:

-‏أراك كسيحًا في مقعد متحرك، لكن وجهك ينبض بالشباب،

-‏من هؤلاء الأصنام؟ وكيف لهذه السيدة أن تكون في بيتك؟!! 

-‏كيف تآلفتما وتعرف أنها عاثت في القرى إفسادا وتشريدا؟

-‏كيف وتاريخك المقدس؟!

قال في بلاهة: هي من بعثت فيَ الحياة، بفضلها مازلت موجودا وسأبقى.

قلت له: 

-‏من أوجدها بيننا ذات الثوب الأزرق الفاضح!! من؟!

وجدته مازال على ضحكته البلهاء، 

نالني الغضب، تَلفّت حولي أتفرس في المكان، صحت فيهم: 

-‏ما الوقت الآن؟

-‏هل خبأتم الأذان، كما خبأتم المسجد؟!

-‏وأين زوجتي؟

قال السيد ضاحكا: هاهي زوجتك، لم تغادرك بعد، ثم أردف:

-‏افتحوا هذه الستائر.

نظرت خارج النافذة، فإذا الشمس مشرقة، مروج خضراء، قبة ذهبية وأطفال بسطاء يمرحون في سعادة.

أسرعت، أمسكت يد زوجتي، هممنا بالخروج، فتحت الباب، وجدت الظلام ومطرًا كالسوط لفح وجنتينا، عدت مندهشا، أنظر خارج الباب، ثم خارج النافذة!!!

ضحك مني السيد ساخرًا، قال مشيرًا للنافذة: هذا هو الماضي الذي لن يعود، ولن تعود تلك الأطفال، ولا أشجار الزيتون.

أما هنا فهو الحاضر ومستقبلك معنا.

خارج الباب تمشي إلى المجهول وحدك، ومن هم علي شاكلتك.

فَرت زوجتي من يدي إلى ذات الرداء الأزرق وقالت: فلنبق هنا، إني أحببتها، وتعلقت بها.

اشتاط غضبي، قررت ألا أنصاع لرغباتهم، عدوت نحو النافذة، قفزت من خلالها، فلم أجد أرضا تحملني.

•••••

الكاتب: "محمد كمال سالم" 


عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية