زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

« قراءة » _ بقلم: الأديبة والناقدة / كنانة عيسى _ و الأديب / محمد البنا _ في قصة « خبز وعواء وقمر » _ بقلم: الكاتب / نبيل نجار


 



قصة للنقد....



من إبداعات القاص السوري:  Nabeel Najjar .



••••••••


« خبز وعواء وقمر» 



أطلق عواءً طويلاً فيه بحة سرور، كان ينظر للبدر

 الذي أنار فرجة بين الغيوم، نفض جسده بتلك الرعشة الكلابية ليخرج بقايا المطر من فروه الأسود اللامع.

ـ هيه.. أيها الحيوان..ماذا تفعل؟

انتصبت أذناه بشدة، زام بدهشة! نظر حوله: الدنيا ساكنة سكون المقابر إلا من خرير مياه كانت تتجه نحو البالوعات الحديدية المتخمة.

مشهد الساحة كلها كان مهيباً إذ انعكس الضياء على التمثال البرونزي الذي رفع يديه في لحظة

تجل قل مثيلها كأنه يريد احتضان السماء وماتحتويه من أجرام بدت أكثر لمعاناً وقرباً حتى كادت تلامس الأصابع المفرودة بطهرٍ صوفي خلاب.

 تجول الكلب الهرم بعرجة خفيفة في قائمته الأمامية اليمنى، سحره المنظر المهيب، أطلق صافرة ممطوطة خرج معها بعض البخار الأبيض.

نسي ماكان يبحث عنه، عاد يداعب القمر بعواء مرح وهو يظن أن عواءه كان سبباً في انزياح الغيوم.

ـ ليلة جميلة، ألا تظن ذلك؟

هذه المرة وبرغم الخوف والدهشة المرتسمتين في عينيه، رفع رأسه تجاه النصب.

ـ تستطيع الكلام!..لوى عنقه بدهشة، لم أسمع في حياتي بمثل هذه الأعجوبة.

ـ وهل سمعت بكلب يتكلم؟ رد متهكماً.

"لابد أنها هلوسات البدر" فكر الكلب.

ـ صرت أراك كثيراً هنا في الآونة الأخيرة.

ـ نعم..قال بحزن..تركتني جماعتي بعد أن كبرت ولم أعد قادراً على مجاراتهم.

ـ ياللجحود! أنا أيضاً نقلوني إلى هذه الساحة الخربة.

ـ نقلوك؟ من؟.

سحابة فضولية حجبت وجه القمر لبرهة فصمت التمثال حتى مرت كأنه يخفي سراً خطيراً.

ـ ألا تتذكرني؟ سأل التمثال بعد أن استعاد ألقه.

نظر الكلب ملياً هذه المرةـ بقدر ما أسعفته عينيه الضعيفتين ـ دقق في الرأس الكبير وفي الوجه؛ خال أن محدثه يبكي فقد سكنت بعض قطرات المطر في ثقوب حول العينين والأنف الكبير، نزل إلى الصدر العريض المحلى بالنياشين المنخورة.

مسح بقائمته اليسرى على جبهته حائراً همس بصوت حزين: هرمنا.

ـ أنا كنت منصوباً في أهم ساحة في المدينة؛ أكد بثقة.

اعذرني..اعذرني ياسيدي، خفض قائمتيه الأماميتين؛ أنزل وجهه بخشوع بينهما فيما يشبه الإنحناء بينما بقيت عجيزته وذنبه الذي أصبح جافاً تماماً الآن ويتحرك بعصبية مرفوعتين.

ـ لابأس..يبدو أنك كلب مهذب، وأنا كنت أظنك متشرداً همجياً.

ـ لا ياسيدي.. أنا أنحدر من سلالة عريقة، جدي ك

ـ لكنك لاتتذكرني..قاطعه التمثال.

ـ بلى.. بلى ياسيدي، أذكر عندما كنت جرواً كنت أرى صوراً تشبهك على كل جدران المدينة وأبنيتها

تنهد التمثال: الحمدلله مازالت بعض الكلاب تذكرني.

ـ كل الكلاب تذكرك ياسيدي، اندفع مجيباً.

ـ نعم.. أنتم قوم مشهورون بالوفاء والإخلاص، وقد بدأت أشعر بالإعجاب نحوك بشكل خاص.

هز ذيله فرحاً، فكر بالتسلق ناحية يد النصب لعله يحظى بتربيتة حانية، ولكن ضعفه الجسدي وفكرة أن الكلاب فاشلة في التسلق جعلته يكتفي بإخراج لسانه الطويل في إشارة إلى الود الذي بدأ ينشأ بينهما.

بلاريب أن خفوت ضوء القمر وتحول لون نوره إلى الأصفر الخابي ساهم في نشر حالة من الكآبة؛ إذ أسدل الكلب جفنيه وأرخى رأسه حتى لامس صدره.

ـ مابك؟

ـ كنت أتذكر تلك الأيام.. أيامك.

ـ نعم..كانت أياماً عظيمة..تاريخ مجيد.

ـ أترى مقلب القمامة الذي هناك؟ أشار الكلب بقائمته المريضة.

ـ من موقعي هذا لا أرى غيره، أجاب بحسرة.

ـ صدقني..لم نعد نجد فيه مايؤكل..صار البشر يسبقوننا إليه، أجبرونا نحن الكلاب الفخورة على أكل الجرذان الميتة والسحالي اللعينة ـ هز رأسه بأسى ـ على أيامك كنا نجد بعض العظام.

ـ نعم..نعم كانت أيام خير.

ـ نعم كنت ترمي لنا بعض العظام.

في هذه الآونة اختفى تماماً وجه البدر وراء سحب سوداء داكنة.

اقترب الكلب من قدمي الصنم..رفع قائمته الخلفية اليسرى؛ بال، ثم مضى.



••••••••••


الوعي الجمعي التهكمي



عودنا الأستاذ نبيل على نصوص متمايزة لا تتشابه، هدفها احتواء القارئ ضمن حالة رفض تهكمية  تظهر في مفارقة ساخرة شديدة،  لتشكك في مصداقيه المتلقي الإنتقائية عما اختزنه من موروث ثقافي وفهم جمعي لصيغة الرمزالعامة.وإن كان قد برع في وصف ليلة داكنة بلغة مسبوكة و بأنسنة شخصيتيه  الغير مألوفتين ليغالي في طرح جريءٍ يستفز تفاعل القارىء مع بنية النص  المفتوح، فإنه أضاء الحقيقة المحضة هنا والتي  تربط شكليًا شخصيتين متماثلتين ضمنيًا، إذ ينتميان لفئة واحدة ومنتاقضتين شكليًا

شخصية التمثال المنبوذ، زمن سلطة دكتاتورية مندثرة

وشخصية الكلب المنبوذ، رمز  قوة النخبة المحكومة بالمصلحة والمنفعة الخاصة على حساب (البشر) (الشعب المسحوق)  وهما في التقائهما يفرزان مرحلة التردي المجتمعية التي تبرز أزمة غياب السلطة في انقلاب سياسي أو ثورة عسكرية ، وتوابعها من فقر و وعوز وانحلال اقتصادي سافر.  وانحدار كامل لمنظومة الإنسان الذي انتهي ليقاسم الكلاب مقالب القمامة. 


فالتمثال وهو رمز السلطة المندحرة وقد انتهى ب

( بالنياشين المنخورة)  

والكلب هو تأويل النخبة الملتصقة بزمن ولى بقياداته  و رجالاته

(كل الكلاب تذكرك يا سيدي) 

(كنت ترمي لنا بعض العظام)


 وينتهي النص الإبداعي في عالم من الدلالات المفتوحة بنهاية قاسية مشحونة بالوجه الآخر للواقع، الاحتقار والرفض من قبل التابع للمتبوع في غياب عنجهية السلطة وساديتها.

نص مميز ،قد يظهر بشكل محاكاة لما عرفناه في كليلة ودمنة أو قرأناه من رمزية نصوص زكريا تامر، لكنه ولا ريب أتقن الخروج عن كل إطار محتمل ليظهر تغيرات الموقف الاجتماعي والإنساني في حقبة غياب السلطة

على لسان ما لا يجدر بنا التعاطف معهما؛ كلب شارد وثمثال نسي مجد صاحبه وجبروته.

فلا عواء للكلاب ولا  قمر للدكتاتورين الزائلين ولا خبز للجائعين المهمشين



•••••••


كنانة حاتم عيسى 



••••••••••••••



عودة إلى حكايات كليلة ودمنة ولكن بملابس عصرية تتماشى وحالنا المزري الآني والمستمر إلى ما شاء الله له أن يستمر، ولعل الملاحظة الدقيقة والمهمة للغاية هى تغييب الشعب عن النص اللهم إلا في لمحة واحدة( تكالبهم على صناديق القمامةوفي هذا يتبدى لنا المستوى الثالث للنص الرمزي ثنائي القطبين ( السلطة/ التمثال وخدامها/ الكلاب) ثنائي المستوى ( الظاهر / تمثال وكلب، الباطن/ طاغية وحاشية)، ملقيا ضوءًا شديد السواد على جزيئتين شديدي الأهمية، أولاهما حسرة الطاغية بعد زوال ملكه، وثانيهما نسيان أقرب المقربين له بعد زوال سلطته، إذ لم يتبق من سلطانه سوى تمثال ملقى في زاوية منسية يجاوره صندوق قمامة، ومن ثم اندحار هيبة خدمه ( كلابه ).

كل هذا عادي وظاهر ومكرر تاريخيا وأدبيا، فما الجديد إذًا؟..وأقول أن الجديد ها هنا هو في المعالجة الخفية والتي تجلت في المساحات الفارغة المتروكة لمخيلة المتلقي كي يملأها من عندياته ووفقا لمستوى تفكيره وقدرته على التخيل، إذ وضع القاص أسئلة جلية شديدة الوضوح، وترك للمتلقي مهم الإجابة..من هو الطاغية الجديد؟، من هم حاشيته؟.. متى سيتولى الشعب زمام أمره بنفسه؟..فنحن أمام رعية خانعة خاضعة مستأنسة، زال الطاغية ولا زالت تقتات قوتها من فضلات أكابرها..سادة وعبيد، ولعل الأنسب والأفضل والأقوى هنا هو قول الله عز وجل في محكم آياته ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)...عظمة النص تتجلى ها هنا في مستواه الثالث إضافة لما اعتمده القاص من أسلوب ساخر جالد للذات، وببراعة أغبطه عليها.



•••••


محمد البنا ٢ مارس ٢٠٢٢










عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية