الثنائيات السردية..مغزى ومعنى
« قراءة موضوعية »
بقلم: الأديب / محمد البنا
لنص « زنبقة وسط الجليد »
للأديبة العراقية / جمانة الزبيدي
.....................
النص
« زنبقة وسط الجليد »
تلمست بطني فشعرت بالنبض لازال موجودا (كنت أشعر بحركته الخفيفة كضربات قلبي) كأنه شعر بتسميدة يدي عليه فسكن ،تنفست الصعداء ولكنني لا أرى شيئا فالظلام يكتنفني من كل جوانبه ، ورهاب الخوف يسيطر عليّ وينتهشني بضراوة ،
ماهو مصيري؟
ماالذي سيحدث؟
هل لا زلتُ على قيد الحياة؟
نعم أشعر بأنني حية كلما أضطرب النبض بأحشائي ساد الصمت أجوائي سوى من تلاحق أنفاسي اللاهثة ، مرّت بمخيلتي قريتي وجمال خضرتها وأنسيابية جداولها وطيبة أهلها ووجه أبي وأمي ، سالت دموعي وأنا أتصور وجه أبي الحاني وأمي (آه لو كانا على قيد الحياة لوقف أبي كحصن منيع ضد تجبر ابن أخيه)
-ألا زالت تتنفس؟
-نعم قتلها الله
أعرف هذا الصوت جيداً ،إنه هو لا زالت صورته وهو عارٍ بين يدي(......) ولكنه رجل والرجال لايؤاخذون على مساوئهم، هذا ماكان يردده دوما ويتشدق به أمام أهل القرية، من نصبه حامياً لأعراض يتحسسها بعينيه القذرتين كلما مرّت إحداهن أمامه؟
ويحي بأي متجبر ظالم سقطت روحي ؟!
لكنني لم أفعل منكراً
وهل سيصدق هذه الورقة الصفراء التي لاكها بين أضراسه؟
وعداوته الدفينة لي لأني رفضته ؟
وماذا سيحكي للسمّار في مجالس السمر ، وعن بطولاته في الذود عن شرفهم؟إن لم يغسل العار بيديه فهو ...
أخذت اللكمات تحتوشني من كل جانب عاد النبض إلى الاضطراب أخذ يتسارع وكأنه يسابق اللكمات
- آه ، الحمدلله نجيت بأعجوبة .
تحسستْ بطنها ، خفت النبض ، وأنسابتْ الدماء من كل حدب.
جمانة الزبيدي
العراق / ١٥ مايو ٢٠٢٢
.................
« القراءة »
عندما يطالعني عنوان كهذا العنوان أجد نفسي مرغمًا على التوقف أمامه متأملًا ومتفحصًا بدقة شديدة ..معناه اللغوي، دلالاته ايحاءاته النفسية، تماهيه مع الطبيعة وظروفها، فالعنوان يحمل بين ضفتيه زنبقة وهى زهرة ربيعية صيفية بامتياز،، تزرع بذرتها في نهاية الشتاء وبدايات الربيع، وتزهر نبتتها في نهايات الربيع وبدايات الصيف، على الطرف الآخر جليد وهو مادة شتوية بامتياز، فكيف لزنبقة صيفية أن تزهر في جبل جليدي؟... والشيء الآخر يتعلق باللغة، ف زنبقة..مجهلة بينما الجليد معرف ب ال التعريف، والسؤال لم ؟.. فالتجهيل يقتضي العموم والشيوع، بينما التعريف يقتضي التخصيص والتحديد والقصر وليس الشمول.
زنبقة لغويا..مؤنث، وجليد لغويا ..مذكر، ولهذا دلالته ايضا.
والزنبق زهور متعددة الألوان بغزارة، وفي هذا دلالة ايضا على شمولية الانثى وليس خصوصيتها بمكان او زمان محددين.
كل تلك الأسئلة استوقفتني، من ثم أذهب إلى المتن باحثًا عن إجابات لها.
زنبقة..لفظ أنثوي، وبطلة قصتنا..أنثى
زنبقة..مجهلة لغويا، وبطلة قصتنا مجهلة معنويا وماديا، حتى أن القاصة تعمدت ألا تلصق بها اسمًا يحددها، بل تركتها هكذا مع سبق الاصرار والترصد قاصدةً بذلك أن هذه حالة عامة تشمل بنات جنسها كافة في مجتمع ذكوري بامتياز، حتى في تمايز التقييم للخطأ او الخطيئة ذاتها، والجليد مذكر لفظي، وبطل أقصوصتنا ( ابن العم ) ذكر معرف ومحدد وموصف بدقة شديدة، لتثبيت المراد ممتلَا لمجتمع كله رجل سيد متسيد مسيطر ..مجتمعنا الشرقي حصريا، مجتمعنا الذي تنتمي إليه كاتبتنا المبدعة وغيرها من بنات جنسها كمخلوق تابع وخاضع، كطائر هشمت اجنحته، وقصف ريشه، ونزعت أظافره، فعدم حتى القدرة على الاعتراض فما بالك بالمقاومة!
مجتمع ذكوري يسن القوانين لمصلحته، وإن خالفها فهو محق أيضا، وله تمام السيادة والقدرة، اليس هو من سنها؟..إذًا فليغيرها متى شاء وكيفما شاء.
امرأة حبلى من زواج صحيح شرعا ( ورقة صفراء ) لكن الحقد والضغينة يتحكمان والرغبة في التشفي والانتقام تتسيد المشهد، فتلصق بها زورًا تهمة الحمل سفاحا!!
لا لشيء إلا لأنها رفضته يوما ما زوجا لها!!
زنبقة نبتت في غير موسمها وغير تربتها ..هكذا ارتأت الكاتبة وهذا ما تقوله القصة بدءًا من عنوانها، وحتى نهايتها المفجعة ( القتل بلا رحمة ) حين تكالب عليها الوحوش الذكران فأجهزوا عليها بدم بارد، وفخر ..اي فخر هذا يا حثالة البشرية؟!..عن أي شرفٍ تدافعون وأنتم أهل المعصية وصناعها؟!!
نص اعتمد المشهدية كركن ركين لانطاق المشاعر، رغم مأساوية المكان ( محبس او عزل)، فقد اعلن المكان عن نفسه ضمنيًا دون ذكر ظرف مكان.. المكان محبسين وظلمتين..المحبس الاول المكان الفعلي ..غرفة الحبس او العزل، والمحبس الثاني ..الرحم ( تتحسس بطنها)
والظلمتين..اولاهما ظلمة الغرفة، وثانيها ظلمة الرحم..وحبيسين بلا ذنب اقترفاه..اولهما الزوجة الحامل، وثانيهما الجنين ( كنت اشعر به كضربات قلبي ).
وسجانان..اولهما ابن العم الذكر المسيطر، وثانيهما المجتمع باكمله المتجرئ على المرأة والمنصف للرجل.
نص مأساوي بلغة هادئة دون صراخ او تقعر بلاغي، او مبالغة تراجيدية، أنجزت المشهدية الحية بالإيحاء بها ومن ثم تجسيدها في مخيلة المتلقي، حيث ابتدأ السرد بظلام والم وخوف وتوجس ومضى إلى عتاب ولوم ودفاع عن أحقية، وانتهى بسفك دم.
نص بدأته الكاتبة براوٍ ذاتي (ضمير المتكلم) وأنهته بالراوي العليم(ضمير الغائب) وإن كان لي أن أجيز هذا فسأجيزه لسبب واحد عن نفسي اراه وجيها، الا وهو..نقل القضية من الخصوصية إلى العمومية..بمعنى ان المأساة(قهر الرجال للأنثى) قضية عامة لا تخص بطلة الاقصوصة بمفردها، بل هى عامة وتنطبق بحذافيرها على غالبية الإناث في مجتمعنا الذكوري الشرقي.
أمتعني نصك وسردك يا جمانة، ودفعني دفعا لأكتب ما كتبت.
•••••••
محمد البنا
مصر / ١٧ مايو ٢٠٢٢
