زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

« دراسة تحليلية » _ بقلم: الناقد/ أسامة الحواتمة _ لنص " الهيكل " للأديب / محمد البنا


 




دراسة تحليلية على نص "الهيكل


قصة قصيرة للأديب المصري / محمد البنا 


 بقلمي: أسامة الحواتمة/ ناقد من الأردن.



النص:



« الهيكل » 



تالله...ما أجمل أن يُمسي المرء عاريًا، مُتحررًا من كل شئ يحول بينه وبين أن يفعل ما يشاء وقت ما يشاء . 

الآن أنا سيد نفسي، لا أُنكر أنني كنت عبدًا مطيعًا لذلك الكائن الغبي، 

أركض إلى حيث يُريد، وأحط رُحلي في المكان الذي يشتهيه . 

فكرت كثيرًا أن أتمرد على حمقه وأوامره المُجحفة، إلا إنني ولأنني قارئٌ جيد للتاريخ، لا أنسى ما حدث ل " سبارتاكوس "، ولا طاقة لي لتحمّل ما تحمّله " طومان باي " حين عُلق لشهورٍ تنهشه الغربان، فلذت بالصبر وتجرع المرارة في صمت . 

لا أُنكر إنني تمردت عدة مرات طيلة عمره القصير، إلا إنها كانت في غفلةٍ منه، حين يشرد ذهنه ويطول مكوثه، وعندما ينهض أتلاعب به كيفما أشاء، فلا يستقر على وضعٍ حتى أفقده توازنه، ولغبائه لم يشك بي لحظة، وإنما كان يعزو الأمر لإشياءٍ أخرى . 

مات سيدي، فكانت فرصتي الأولى والأخيرة كي أتنسم عبير حريتي الأبدية ، ضُممتُ لقوافل أحرارٍ سبقوني، في البداية اشمأزوا مني وسدوا أنوفهم، فقد كان بي بعضٌ من بقايا سيدي ورائحته النتنة . 

ذات ليلة فاجأني كبيرهم قائلاً : مرحبًا بك بين أقرانك 

صمت برهةً من الوقت ثم أردف في لهجةٍ صارمة : 

عليك أن تفهم أن الحرية المطلقة مفسدةٌ مطلقة، لذا فقد استننا قوانيننا الخاصة بنا، ولأن الحركة كانت من أهم مظاهر عبوديتنا، فإن عدمها هو أهم مظهرٍ لحريتنا، ولأنّ سادتنا كانوا ثراثرة، فإنّ حديث الصمت هو دأبنا ومسلكنا، كدت أن أهز رأسي إيجابًا، إلا إنني تذكرت مقولته فأحجمت، واضجعت على جانبي الأيمن، ومن عينيّ يبرز سؤالٌ عن هسيسٍ يتنامى إلىّ من داخل غرفةٍ صغيرةٍ ملحقةٍ بالبهو الكبير، الذي نضجع جميعًا فيه، لم انتظر كثيرًا لأعرف الإجابة، بادرني : ليس الآن .... ستدخلها عندما يستبد بك الشبق . 

شبقٌ ؟! ..أي شبقٍ هذا وأنا لا أشعر برغبةٍ في أي شئٍ سوى الإضطجاع وتأمل الصمت المحيط ! 

بعد عدة ليالٍ بلغني ما أثلج صدري، قيل لي أن حبيبتك أخيرًا نالت حريتها، فقد ماتت سيدتها حزنًا على وفاة زوجها، فانتظرت بشغفٍ وشوق قدومها إليّ، إلا إنني تفاجأت بها في البهو المجاور لبهونا، ولا وسيلة أُجيدها لاختراق الجدار الفاصل بيننا، شيئًا فشيئًا تستبد بي الرغبة، وتشتعل جوانحي شبقًا للقياها، حتى بتُ لا أتذكر آخر لقاءٍ حميميٍ بيننا، كيف السبيل إذن لإفراغ ما ينوء بحمله كاهلي ؟ ...اختلست نظرةً إليهم، يا إلهي ..هم أيضًا يطفق الشبق منهم كوميض البرق في خلاياهم، يكاد الجوع يتقاذفهم، إلا أنّ القوانين المُقيدة

 لحركتهم تمنعهم، وفجأةً يتسلل إلى البهو يصيص ضوءٍ ، يتزايد ، يتبعه ظل ذلك الكائن الغبي، وهو يدلف إلى بهونا، وينحني يلملم فيهم ويضعهم في الغرفة الضيقة، المح خلسةً ابتساماتهم تكاد تتفلت من عقالها، بينما يزداد ذعري 

وأنا أحاول جاهدً ألا يصلني هسيسهم الشبق .


محمد البنا ٢٠١٧


..........


نبذة عن التحليل الصوتي (فونيتيك) والدلالي (سيمانتيك) للغة السرد:


لغة السرد فيها مظاهر للفونيتيك والفونيم، وصوت منولوجي ثم خارجي متماسك بنغم متعدد ودلالات السخرية ثم السخط، فيخال للقارئ صورة الهيكل بين السخرية والسخط في تراجيدية اللابقاء بين كلاليب اللاحرية في سيمفونية سردية وشعرية لافكاك بينهما. 

ومن مظاهر الفونيتيك في سياقات النطق للغة السرد دون الأخذ بصوت كل حرف و مفردة على حدة إنما بصوت الجمل الغالب لأعمق مخارج الحروف استخداما في الجملة الواحدة كمقطوعة سياقية، والتي لها تأثير سمعي ما في أذن المتلقي مثل:

"تالله...ما أجمل أن يُمسي المرء عاريًا، مُتحررًا من كل شئ يحول بينه وبين أن يفعل ما يشاء وقت ما يشاء ." 

فهذه مقطوعة صوتية سياقية فيها: هاء لفظ الجلالة في القَسَم (تالله) فالهاء هنا أعمق مخرج صوتي جوفي ضمن السياق ويليه في العمق الماءات الثلاثة: (ما أجمل)، (ما يشاء)، (ما يشاء) فألف ما/ هي رديفة في العمق الجوفي للهاء، مما شكل فونيتيك سياقي جوفي عميق له تأثير جاذب لأذن المتلقي، ويتوفر في النص أمثالة مختلفة عن هذا الأسلوب، تفصيلها يحتاج دراسة مطولة. 



الدراسة التحليلية للنص:



بداية، ليس وحده الظل هو البطل المستعبد كما في باقي نصوص الأدب، وليس وحده القرين الذي طالما أراد ينفك عن استعباده لذلك الميت، وهنا لماذا لا يكون الهيكل العظمي هو أسطورة النص المستعبدة فهو قوام البشرية؟ 

بل العربة البشرية التي تقودها الأنا الذاتية حيث تريد ومتى تريد

نعم هو الهيكل الذي أيضا يتنقل بالأنا في ملذات الدنيا وجحيم الآخرة

فمرة يشكو بفكيه ساخرا من عبودية الأنا

ومرة تشكو الأنا من عبودية الهيكل في صراعٍ لم ينفك، حيث تجلى هذا الصراع في قوله:

"تالله...ما أجمل أن يُمسي المرء عاريًا، مُتحررًا من كل شئ يحول بينه وبين أن يفعل ما يشاء وقت ما يشاء . 

الآن أنا سيد نفسي، لا أُنكر أنني كنت عبدًا مطيعًا لذلك الكائن الغبي". 

"أركض إلى حيث يُريد، وأحط رُحلي في المكان الذي يشتهيه".


ويبرر الهيكل محاولات عصيانه للأنا كأداة للعنصر المحاكي للأنا الإنسانية(العنصر المحاكي أي الشيطان) طيلة مصاحبته له في الدنيا عند قوله:

"فكرت كثيرًا أن أتمرد على حمقه وأوامره المُجحفة، إلا إنني ولأنني قارئٌ جيد للتاريخ، لا أنسى ما حدث ل " سبارتاكوس ولا طاقة لي لتحمّل ما تحمّله " طومان باي " حين عُلق لشهورٍ تنهشه الغربان، فلذت بالصبر وتجرع المرارة في صمت". 


وفي هذا (التمرد الفاشل) دلالة على الانصياع التام من قبل الآدمية البشرية ممثلة (بهذا الهيكل) خوفا من العقاب والألم وحبا بملذاته الآدمية، فهو بمفهوم الراوي عبدا بين الذات (الأنا) وبين (شيطانها) وفي مفهوم الحقيقة الإلهية هو جسدا مسخرا من الله للإنسان لتكون الروح فيه بشرا آدميا مهيأً للإختبار..

ويعاود الهيكل متقمصا لسان الشيطان منفصما عن روحه، يحاول التعبير عن أسطورة الملحمة بين الشيطان والإنسان، ليثبت للمتلقي نجاحه في التمرد وسطوته على الذات الإنسانية:

"لا أُنكر إنني تمردت عدة مرات طيلة عمره القصير، إلا إنها كانت في غفلةٍ منه، حين يشرد ذهنه ويطول مكوثه، وعندما ينهض أتلاعب به كيفما أشاء، فلا يستقر على وضعٍ حتى أفقده توازنه، ولغبائه لم يشك بي لحظة، وإنما كان يعزو الأمر لإشياءٍ أخرى".


لكنه (الهيكل) يعلن حريته بعد تلك الملحمة (طيلة عمر الإنسان) وكأنه هو المنتصر لكنه لا يزال يختلط عليه التعبير، فليس لسانه الآن لسان الشيطان المتعالي على (الذات) بل لسان متحرر من سلطة النفس وشيطانها، كما في قوله:

"مات سيدي، فكانت فرصتي الأولى والأخيرة كي أتنسم عبير حريتي الأبدية ، ضُممتُ لقوافل أحرارٍ سبقوني، في البداية اشمأزوا مني وسدوا أنوفهم، فقد كان بي بعضٌ من بقايا سيدي ورائحته النتنة". 


فهو هيكل إنسان يشك بصلاح النفس التي كانت تسكنه بعد بعد جولات وصولات مع إبليسها اللعين، فلذّنوب والخطايا رائحة عالقة بمفاصل الهيكل لا يقل وصفها بأقل من وصف النتانة التي عبَّر بها الراوي البليغ، لينتقل بالمتلقي بين المكان واللامكان (البرزخ) إلى قوافل من الهياكل العظمية اشتمَّت بوضوح تلك الرائحة التي لو كانوا أحياء لم يتسنَّ لهم رومها بأنوفهم..

ثم ينتقل إلى البرزخ بظرفية مشهدية (ذات ليلة) فيخلع الهيكل حواريته المنولوجية ويعتري جمجمته خطاب كبير الهياكل صدىً لم تكن لتسمعه آذانه لو كان حيا:

"ذات ليلة فاجأني كبيرهم قائلاً : مرحبًا بك بين أقرانك 

صمت برهةً من الوقت ثم أردف في لهجةٍ صارمة : 

عليك أن تفهم أن الحرية المطلقة مفسدةٌ مطلقة، لذا فقد استننا قوانيننا الخاصة بنا، ولأن الحركة كانت من أهم مظاهر عبوديتنا، فإن عدمها هو أهم مظهرٍ لحريتنا، ولأنّ سادتنا كانوا ثراثرة، فإنّ حديث الصمت هو دأبنا ومسلكنا، كدت أن أهز رأسي إيجابًا،". 


ولتكون الفجأة قد شكمت حلمه بالحرية الأبدية المطلقة، "كدت أن أهز رأسي إيجابا" حتى هزة الرأس، في ذهوله من كبير الهياكل، كانت على وشك أن تكون، لكنها لم تكن، حقا يالَ حرصه ويالَ جبنه! ويالَ خيبته من متمرد فاشل، فما إن تخلص من استعباد الشيطان والنفس حتى خضع واجما لقانون البرزخ (كما في مخيلة الراوي) ليعود إلى منولوجيته:

"إلا إنني تذكرت مقولته فأحجمت، واضجعت على جانبي الأيمن، ومن عينيّ يبرز سؤالٌ عن هسيسٍ يتنامى إلىّ من داخل غرفةٍ صغيرةٍ ملحقةٍ بالبهو الكبير، الذي نضجع جميعًا فيه، لم انتظر كثيرًا لأعرف الإجابة، بادرني". 


وظل واجما صامتا خاضعا للقانون الجديد حتى أنه لم ينبس ببنت شفه ليجيبه كبيرهم

"ليس الآن .... ستدخلها عندما يستبد بك الشبق". 


ليستفهم ويتعجب منولوجيا من جديد: 

"شبقٌ ؟! ..أي شبقٍ هذا وأنا لا أشعر برغبةٍ في أي شئٍ سوى الإضطجاع وتأمل الصمت المحيط!".


إنه شبق اللذة الآدمية الملتصقة برائحة الهيكل النتنة، هو شبقٌ لعودة النفس الخاطئة (حبيبته) من سقوف السماوات إليه، ينتطرها بشبق، فهذا القانون الجديد هو أشد صرامة من قوانين الاستعباد لمَّا كان حيا

ويسرد مستمعا دون أن ينبس بسؤال:

"بعد عدة ليالٍ بلغني ما أثلج صدري، قيل لي أن حبيبتك أخيرًا نالت حريتها، فقد ماتت سيدتها حزنًا على وفاة زوجها، فانتظرت بشغفٍ وشوق قدومها إليّ، إلا إنني تفاجأت بها في البهو المجاور لبهونا، ولا وسيلة أُجيدها لاختراق الجدار الفاصل بيننا، شيئًا فشيئًا تستبد بي الرغبة، وتشتعل جوانحي شبقًا للقياها، حتى بتُ لا أتذكر آخر لقاءٍ حميميٍ بيننا، كيف السبيل إذن لإفراغ ما ينوء بحمله كاهلي ؟". 


فعادت حبيبته (تلك النفس المنزوعة منه) ولكن ليس إليه، بل إلى من يحاولون تلبسها، فكم هي شبقة تلك الهياكلُ! فذلك لحرية (النفس المحبوبة) الأقل استعبادا من قانون البهو، فلا سبيل له إليها إلا الاختلاس:

"...اختلست نظرةً إليهم، يا إلهي ..هم أيضًا يطفق الشبق منهم كوميض البرق في خلاياهم، يكاد الجوع يتقاذفهم، إلا أنّ القوانين المُقيدة لحركتهم تمنعهم"


فلم يتمكنوا منها كما يبرر لهم هذا الهيكل الملتزم بقانون البهو لتكون المفاجأة، مكافئة لالتزامه بالقانون المعاكس للاستعباد، قانون الحرية، حيث لا حركة ولا كلام سوى الصمت والتمرد باختلاس.. 

فيسرد:

"وفجأةً يتسلل إلى البهو بصيص ضوءٍ ، يتزايد ، يتبعه ظل ذلك الكائن الغبي، وهو يدلف إلى بهونا، وينحني يلملم فيهم ويضعهم في الغرفة الضيقة، المح خلسةً ابتساماتهم تكاد تتفلت من عقالها، بينما يزداد ذعري 

وأنا أحاول جاهدً ألا يصلني هسيسهم الشبق".


لتكون نهاية مشهد هذا الهيكل الحذر المتردد ذو الرائحة النتنة نهاية مشرقة كما يراها في بصيص ضوء، بعودة حبيبته إليه (النفس العائدة من سقوف السماوات) لكنه يتفاجأ بعودة ذلك (الكائن الغبي) إنه الدَّفَّان أو التُّربي وهو ذاته حارس المقبرة -كما يراه هذا الهيكل- فيهيل عليه التراب ونفسُه الأمارة بدت تَحِلُّ بين مفاصله مرة أخرى ليتهيَّأ إلى مشهدٍ آخر...



••••••••



بقلمي: أسامة الحواتمة/ الأردن













عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية