« حَباية زَرقاا »
عاد مِن عمله وقد أرخى كتفيه، وبرزت فقراته تكاد تخترق عنقه، كان طويلاً له "قفا" طويل، ربما استطال إثر بطشِ أكفّ الزمن به، وصل الأربعين لكنه لم يبلغ أشدّه، أو أنه قد بلغه وهو لا يدري. انزلق من عتبة المنزل مع انسلال آخر نور من النهار.
قابلته زوجته نرجس بقميصٍ- سَتان- مشوش بقلوب تخترقها سهام، كانت عاديّة مِن ذاك النوع الذي تراه فلا تجرؤ على تزكيته أو نعتِه بالقبيح، لها قوام مربوع طولاً وعرضًا؛ مِما كدّس طبقاتٍ من الشحوم تتدثر بطبقةٍ قمحية أقرب للسمَار من الجلد، ورغمًا عن ذلك كانت تعتدّ بنفسها، و"الأنا" تبلغ عندها مبلغًا.
قابلته بنظرةٍ متفحصة مدققة ومتحفزة أيضًا، وراحت تسأله:
"حجزت عند الدكتور يا إبراهيم؟"
رفع جبهته التي كادت تلامس ركبتيه إرهاقًا، وقال بإعياء:
"أيوه"
ألقت عليه سؤالاً آخر، كما تلقي حجرًا:
"أنهِي فيهم؟ دكتور الغضاريف ولا اسم الله الذكورة يا راجلي؟"
قالتها وقد شكّلت قوسًا بسبّابتها وإبهامها، قوسًا سوّرت به جانب وجهها.
ردّ إبراهيم، وعيناه بين فخذيه:
"الاتنين يا نرجس"
"طيّب يا خويا"
ثم مصمصت شفتيها وهي تقول:
"ربنا يشفيك"
أعقبت في بخلٍ واستخسار:
"تاكل؟"
شَذرها إبراهيم بطرف عينِه، وراح يعتمل برأسه سيناريو رفضِه للطعام، ووجد أنه سينتهي به إلى نظرة سخطٍ وسخريةٍ واحتقار ودمدمات لن تنتهي حتى تنام جمل حمالة أوجه ، تتقنها وترتجلها"، وتلميحات لا تنتهي!
فما كان منه إلا أن حاول تصدير جاهزيته واستعداده لرجرجةٍ لا تنتهي إلا مع طلوع الفجر.
تَصنّع احتياجه للخروج لقضاء بعض المصالح، تكون هي قد انتهت من إعداد الطعام، رَمقته بنظرةٍ كاشفةٍ خبيرةٍ بما يكتنفه ذاك الخروج:
"زي بعضه"
قالتها بنصف ابتسامة.
خرج ابراهيم صوب السوق قاصدًا صيدلية د. حمدي، فإذا به غير موجود، أخذ يروح ويجيء أمام الصيدلية مفتعلاً مكالمة هاتفية مع أحدِهم، وبين فينةٍ وأخرى يسترق النظر إلى داخل الصيدلية، علّه بالداخل يعدّ شايًا أو قهوة، علّه يحقن إحداهن، أخذ يبرر عدم تواجدِه مستبعِدًا أنه لم يأتِ اليوم، لا سيما أنه الخميس، موسم الفروسية!
كانت تقف على الجانب الآخر سيدة في العقد الثالث، على الأغلب، لها نظرةٌ جادة، وملامح حادة.. ولمّا أرهقه السير قرر أن يدخل ويسأل، ما المانع مِن السؤال؟ وبخطى مترددةٍ دخل الصيدلية، وجاس بنظره في الموجودين، فإذا بهم كثر، ومِن أعمارٍ مختلفة، وفيهم مَن يعرفه، ظل واقفًا يوزع ناظريه بين أرفف الأدوية تارة، وفي الناس تارةً أخرى، وكلما أوشكت الطبيبة على سؤاله تَقهقر وأشار بقضاء حاجةِ غيرِه؛ إذ ليس في عجلةٍ من أمرِه، ولمّا لم يكن هناك بُد إذ انصرف معظم الزبائن، راح يتمتم بحروف مهزوزة، إلى أن باغتته قائلةً بصوتٍ لا يحتمل التردد أثناء الرد:
"تحت أمرك؟"
"كيس فوّار بعد إذنك"
أجابها وهو يزدرد ريقَه، وقد تعرقت جبهته قليلاً وشَحب وجهه.
عاد أدراجه يخالجه السواد الذي سيراه في ليلتِه؛ إذ كان يعتمد على الدكتور حمدي منذ زمن، ليس ضعفًا ولكن لم يعد هناك شغف، وكفّت عيناه عن اشتهائها، فضلاً عن إرهاقه النفسي والعصبي.
انزلق داخل البيت، سلّم ولم ترد، صاحت بأن الطعام قد أعِد، ولم يرد، لم تكن تعلم أنه ترك لها العالَم ورأسه على قميص النوم الأحمر!
