« مما تعدون »
قصة/ خالد العجماوي.
"أنا لن أقتلك يا عزيزي. لست أعتمد على القتل الرحيم. فكرتي تعتمد على اختصار ستين عاما من عمرك في ستين دقيقة. هذا كل ما في الأمر"
أشار إلى جهازه الذي يشبه الأنبوب. إذن هو لن يقتلني فيرحمني من هذه الحياة.
"إذا دخلت جهازي هذا، ستمر عليك الدقيقة عاما كاملا من عمرك. حتى إذا أكملت داخله ساعة، خرجت منه شيخا كبيرا. كم عمرك الآن؟"
"أربعة وعشرون"
"إذن من المفترض أن تخرج منه بعمر الرابعة والثمانين. ربما لن يتحمل جسدك ولا خلاياك، فتموت قبل انقضاء الساعة. أنا لا أقتل ولكن أسرع الزمن. فهمت؟"
أومأت برأسي، فرد ورقة أمامي وأعطاني قلما. طلب أن أقر أني متطوع، وأني موافق أن أختصر من عمري ستين عاما في ستين دقيقة. قد أموت في نصف التجربة. إن كان مقدرا لي أن أعيش حتى سن السبعين، فهذا يعني أني سأموت في الدقيقة ٤٦. المشكلة إن أكملت الدقائق الستين. هذا يعني أني سأخرج شيخا مسنا، ولست أضمن كيف سأكون وقتها. ربما أصاب بجلطة في المخ، أو وهن في القلب، أو داء المفاصل. كل هذا وارد. هل يحتاج القرار وقتا؟ ولم التفكير؟ ألم آت إلى هنا في الأصل كي أموت؟ كنت أظنه إعلانا عن القتل الرحيم، والذي انتشر كثيرا في الآونة الأخيرة، ولكن الخطة تغيرت قليلا. لا يهم. ومن قال إني سأعيش إلى الثمانين؟ سأموت غالبا في الدقائق الأربعين من عد ذلك الأنبوب. رسمت على شفتي ابتسامة واثقة وأنا أضع توقيعي، وابتسم بدوره. وأشار إلى الأنبوب مرحبا بي في حرارة: " أهلا بك. تستطيع الدخول الآن"
قمت وأنا أنظر إلى الأنبوب الذي يشبه البيضة المطولة. لم أفهم لم كانت ساقاي ترتعشان وأنا أدلف داخله، ساعدني رجلان، وقد ابتسما لي ابتسامة لم أفهمها. استلقيت فيه، وأغلق علي الأنبوب بصوت معدني ثقيل.
1:00: تسارع النبض داخلي. داخلني شعور بالأمل. أمل؟ كيف آمل وقد كنت يائسا؟
2:00: تسارع نبضي أكثر. شعرت بنشوة فرح عجيب. كأني أقفز هنا وهناك.
3:00: كأن قلبي توقف! تباطأت النبضات فجأة. كأني كسول، ومحبط. طاقة من الحزن لفتني..
4:00: في نصفها الأول حزن وكآبة. في نصفها الآخر شعرت بنشوة غامرة.. كأنه الحب!
5:00: خفق قلبي بعنف. شعرت بلهفة واشتياق. شعرت بالحرمان. شعرت بالرغبة.
6:00: شعرت بفرح عجيب. طاقة من العطاء. من الأمل..كانت دقيقة كالنسمة.
7:00: انتابني بعض الغضب. في نصفها الأخير أصابني فوران. كادت دماغي تنفجر وقد تملكني غيظ، وحنق، وغيرة..
8:00: لازمني الحنق. انتابني شعور بالرغبة في الانتقام. شعرت بشهوة مفاجئة، يشوبها رغبة في السيطرة والتشفي. قذفت شهوتي كأنها بركان من غضب مكبوت.
9:00: بكاء..ندم..شعور عجيب بالضياع..
10:00:إرهاق..كأن نبضي لم يعد منتظما..خمول..رغبة في الموت.
11:00: بكاء محموم في نصفها الأول. في نصفها الآخر انتابني شعور مختلف. رغبة تملكتني كي أصلي!
12:00: انتظم قلبي. صار هادئا. كأنني في صلاة، وحولي ملائكة يسجدون حول العرش. كانت دقيقة من الجنة..مفعمة بالهدوء. مملوءة بالإيمان!
13:00: شعور بالمسئولية. رغبة في الإصلاح، شعور بامتلاك الحقيقة. وأنه لا بد من نشرها وتبليغها.
14:00: إحباط..أمل..صراع..خوف..رجاء..
15:00: آلام على وجهي كأنها صفعات..رذاذ كأنها بصقة على جبهتي، وإلام على معصمي كأنها قيود..كاد قلبي أن يقف من فرط الألم.
16:00: في نصفها الأخير زال شعوري بالقيد، ولكن تملكني اليأس، ورغبة جديدة في الموت..
17:00: رغبة عجيبة في التحرر.من كل فكر أو التزام..لم أعد مؤمنا..
20:00-18:00: كانت مملوءة بالضحك! بلا سبب..شعرت أني أطير بعيدا مع سحابات الدخان. كأني أستمع إلى نكات ماجنة وسخيفة..شعرت برغبة حادة في السخرية من كل شيء!
21:00: ألم داخلي..شعور بالغثيان، والرعشة، والدوار. تشنجات عصبية حادة كأنها أعراض انسحاب..
22:00: شعور عميق بالخوف..كأنني أركض..مطاردة..كأني أسمع صوت أبواق وأرى قضبانا..
23:00: آلام حادة مجددا..بصق على وجهي. ضربات هنا وهناك.. وقيود على معصمي، وشتائم..
24:00: رغبة هائلة في الموت. كأنني أدفع رأسي على حائط كي ينفجر منه الدم.
25:00: كأنه انتابني بصيص خفيف من الأمل..في النصف الأخير زاد الأمل ضعفين، وشعرت بشيء جميل.
26:00: ازداد الجمال جمالا. شاب شعوري بعض الشوق. لهفة..ولكن قلبي كان هادئا. مع شعور بالمسئولية الهادئة..
27:00: كأنني أبتسم..ثم كأنني نجم سعيد.. مفعم بالأمل والعطاء. قذفت شهوتي كثيرا في نصفها الأخير، مع كثير من الحب.
28:00: شعور عجيب بالمسئولية. بالعطاء..بالأبوة..
29:00: شعور بالقلق..بالخوف..ثم شعور بالاطمئنان.
30-35:00: ما أجمل السعادة وقد أظلها الهدوء!
36:00: قلق عجيب..خوف من أن أفقد شيئا ما. شخصا ما!
37:00: زاد القلق. تعملق الخوف. رغبة شديدة في الدعاء والصلاة.
38:00: دموع هادرة..حزن عميق..كأن الحياة تحولت إلى سراب. شعور مؤلم بالفقد.
39: حزن..شعور بالمسئولية..شعور الأبوة تفاقم..
40-45:00: شعور جميل بالفرح وإن كان هادئا، مع مسحة من حزن لم يمت.
45-50: أصبحت المشاعر ثابتة فترات أطول. هدوء..ورغبة في الصلاة..
50-55:00: دقائق سعيدة..مشاعر جديدة بالأبوة. ذكرتني بالدقيقة الثامنة والعشرين!
56:00: بعض الألم..شعرت بضيق في صدري.
57:00: شعور الضيق يتزايد..شعور بالتعب..بالوهن..
58:00: شعور مؤلم باحتباس البول. أريد أن أبول!
59:00: آلام في المفاصل..ضيق في الصدر..احتباس في البول..ولكن مع كل هذا هاديء، ولدي رغبة في الصلاة..
60:00: شعور عام بالامتنان والشكر..أنفاسي واهنة. وجسدي ثقيل..
صدر أزيز معدني. انتهت الدقائق الستون، وفتح الأنبوب. خرجت بساقين واهنتين، ونظرت لنفسي في مرآة الغرفة فلم أعرفني. كدت أقع لولا أن أسندني هذان الرجلان اللذان ساعداني كي أدلف منذ ساعة خارج الأنبوب.. أو منذ ستين عاما داخله. جلست على كرسي قريب..قلت في رجاء:
"أريد قلما وأوراقا"..
نظرا إلي في حيرة. قلت:
"سأكتب مذكراتي!" ,
