كلماتٌ في العربيَّةِ تَطَوَّرَ معناها حَسْبَ العُصُور التي مَرَّتْ بِهَا. مِثال:
أَدَبٌ: لَمْ يَكُنْ مَعْنَى هذه الْكَلِمَةِ في الجاهليَّةِ كَمَعْناها الْيَوْمَ، كانَ مَعْناها مُتَّصِلًا بِالْمَأْدُبَةِ، وهو الطَّعامُ الذي كانَ يُصْنَعُ في المناسباتِ الكبيرَةِ، كاحتِفالٍ في زَواجٍ، أَوْ لِوَفْدٍ مِنَ الضُّيُوفِ في سَفاراتِ العَرَبِ عِنْدَ الملوكِ وَزُعَماءِ القبائِلِ، أَوْ في وِلادَةِ مُهْرَةٍ أصيلَةٍ، لِأنَّ العَرَبَ قَدَّرَتْ قِيمَةَ الخَيلِ، أو عِنْدَما يَنْبُغُ شاعِرٌ في قبيلَةٍ مِنَ القبائِلِ فَتَأْتِي القبائِلُ الأُخْرَى لِتُهَنِّئَها بِالْحَدَثِ العظيم، لِأَنَّ الشّاعِرَ كانَ لِسانَ قَوْمِهِ، يَحْمِي عِرْضَ قبيلَتِهِ، وَيُخَلِّدُ مَآثِرَها فيما يُعْرَفُ "بِأَيّامِ الْعَرَبِ". فكانَتْ تُقامَ الْمَآدِبُ، وَتُنْحَرُ الْجُزُرُ، ويُطْعَمُ النَّاسُ وَيُوَزَّعُ الطَّعامُ على المحتاجينَ.
ثُمَّ تَطَوَّرَ مَعْنَى الكلِمَةِ إلَى الأخْلاقِ الحميدَةِ. ومِنْهُ الْحَديثُ الشَّريفُ في صِفَةِ النَّبِيِّ عليْهِ السَّلامُ: "أَدَّبَهُ رِبُّهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ". فمعنى "أَدَبٍ" هنا ليس مِنَ المَأْدُبَةِ، وإنَّما مِنَ الخُلُقِ الطَّيِّبِ، الذي قالَهُ سُبْحانَه:( وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ. القلَمُ آية ٤) وفِي آيَةٍ أخرى؛( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُوا مِنْ حَوْلِكَ. آل عمران آية ١٥٩).
وذَهَبَ آخرون فقالوا: كلمَةُ "أَدَب" حَصيلَةُ قَلْبٍ في حُروفِ كلمَةِ "دَأَب"، ومَعْناها الْعادَةُ. نقول:
فُلانٌ دَأْبُهُ القِراءَةُ. أيْ عادَتُه وَشُغُلُه الدائِبُ. عرَفْنا هذا عن جَمْعِ كَلِمَةِ "أَدَب" وَهْوَ أَدْآبٌ في الأصْلِ، وَهْوَ أيْضًا جمعُ "دَأَب"، ثمَّ حَدَثَ إعلالٌ لُيِّنَتْ الهمزةُ الثّانيَة في كلمةِ "أَدْآب" وقُلِبَتْ ألِفًا فَأصبِحَتْ آداب.
والشيْءُ نَفْسُهُ نَجِدُهُ في كَلِمَتي بِئْر أَبْآر، وأصبحتْ بعدَ الإعلال آبار. وكذلك أسَدٌ أسْآد وأصْبَحَتْ وَآساد.
إنَّ كَلِمَةَ "أَدَب" المستعملةَ حاليًّا للدَّلالةِ على النثرِ والشِّعْرِ والقصَّةِ والرِّوايَةِ والمسرَحَيَّةِ هي نتاجُ العصْرِ الْحَديث. وَكَذلِكَ كَلِمَةُ "أديب". لم يَعْرِفْها العرَبُ في الْماضِي بالمدلولِ الحالي. وأغلبُ الظَّنِّ أنَّ أَوَّلَ مَنْ أَطْلَقَ كَلِمَة "أديب" هوَ ياقوتٌ الْحَمَوِيُّ (ت ٦٢٦ هج) أطلقَها عَلَى مَوْسوعَتِهِ في تراجم الأُدباء وأسْماها " إرْشاد الأرِيب في معرِفَةِ الأَديب"، التي عُرِفَتْ فيما بعد بمعجم الأُدَباء. ثُمَّ جَاءَ ابنَ خلدون (ت ١٤٠٦م) وأطْلَقَ كَلِمَةَ أدَبِ على الكتُبِ الأرْبَعَةِ المشهورَةِ: البيان والتَّبْيين للجاحظ، وكتاب الكامل في الأَدَبِ للمبرّد، وأَدَب الكاتِبْ لابن قُتَيْبَةَ الدِّينَوَري، وكتابِ الأمالي لِأَبي عَلِيّ القالي.
أمّا تعْريفُ الأدَبِ بالمَفهومِ المُعاصِرَ فليسَ سَهْلًا. بِسَبَبِ ما ينْطَوي عَلَيْهِ مِنْ فُصول إنتاجيِيِّةِ فِكْرِيَّةٍ وَلَدَها العَقْلُ الإنسانيُّ. وخيرُ تَعريفٍ اصْطَلَحَ عليْهِ مّؤرِّخو الأدَبِ هُوَ "كُلُّ كَلامٍ يُثِيرُ في الإنسانِ مُتْعَةً ذِهْنِيَّةً". وحتَّى هذا التَّعْريفُ يُقَصِّرُ عَنِ المفهوم الْواسِعِ لِمُصْطَلَحِ "أَدَب".
•••••••••
أ.د. لطفي منصور
