المشهدية الوصفية..ما لها وما عليها
« قراءة » بقلم: الأديب / محمد البنا
لنص " المنصوري "
للقاص المصري / مجدي شعيشع
......................
« النص »
« المنصوري »
—————
لم تكن ميت حديد مؤهلة لصد غدر اللصوص، رغم هدوئها، اللصوص جراد يأتون على الأخضر واليابس، لص الدراكسة كان عصابة وحده، يستحيل محاصرته، تدفعه قوة مفرطة، سمعته مرتقة بشظايا أفعاله، غَضَبه كُفر، وابتسامته تَوَعُد، يتجول فى الشوارع دون حساب، يركب بغلاً -يعلو الحمار قليلاً- وبينهما تشابه كبير، يمطر الرعب أينما حل، ويقاسم الفلاح زرعه ومواشيه إن وُجِد، ومن يبدي اعتراضاً أو حتى عدم الرضا، فلن تسلم ثمرات كده وجهده، ولن ينال مما يمتلك شيئاً، حتى حياته تصبح مهددة بالهلاك إن وقف حائلاً دون أحلام الشيطان، الفلاح يزرع ويحصد، والمحظوظ من يستطيع إطعام أبنائه قبل أن يستولى عليها لص الدراكسة، الحِداد لاينقطع فى داره، فلم يعش له طفل، سخطت زوجته على الحياة معه، وكلما مات لها طفل، جددت العهد، وحَرَّمَت على نفسها طعام السُحت الذي يجلبه لها بالعار، وفَضّلت عليه صدقات الجيران، تنتظر يوم الخلاص منه، فالسوط وسيلة خضوعها لبعض الوقت، فلم تنسى يوماً ابتزازه لوالدها حتى تزوجها، ليلة زفافها على ابن عمها، بعد زواجها بأيام مات والدها حزناً على قدرها، وكل يوم لا يتوقف عن نهش الأمن من القلوب نهش الفئران لحقل ذُره، فالحقول لا أبواب ولا أسوار لها.
سقطت الشمس فى جوف الغروب، تلملم ثوبها الباستيلي الشاحب، يتدلى معها آخر خيوط النهار، قبل أن يدركها الظلام الجاثم على صدر الغروب، خلف نخيل "أرض الكَوَاينة"، على الحدود بين أراضي ميت حديد وميت الخولي، المكان الخصب الذي ترتع فيه الحكايات.
يتبختر لص الدراكسة خلف سور حديقة جدي محمود المنصوري، يتفحصه قبل أن تتوه معالمه فى جوف العتمة، فالأسوار أبواب اللصوص.
فيلا جدي محمود المنصوري، لم تطلها يد لص الدراكسة قبل اليوم، فلبيوت الكرماء مهابة، يستحيل اختراقها.
جدي محمود المنصوري، تشع الطيبة والكرم من روحه، فتطيب الحياة من حوله، فى الصبح موظف بوزارة الري، وبعد العصر نلتف حوله، مرات يحفظنا كتاب الله، ومرات يحكي لنا قصص البطولات، ومرات يرسم بعود حطب حلبة مصارعة على الأرض، ويقوم بتوجيهنا داخلها حتى لا يصاب منا أحد، لا يخلو جيبه من قطع الحلوى، يطعمنا بها، ليستحث بها الأمل الراكد في النفوس فنواصل حفظ القرآن، أو ننشط لسماع الحكايات، ويكافئ بها المنتصر، حتى من يهزم يجبره ببعضها، تولد النخوة فى بساتين الكرام.
استيقظ جدي المنصوري، كما اعتاد لصلاة الفجر، نزل فى حديقته خلف الفيلا، حديقة لا ينبح الكلاب على أسوارها، تتناسل بين أشجارها القطط، وهي وطن يهجر اليه المحتاجين وأسراب الطيور، لا يستعين بمصباح، فهو يعلم أين الثمار التي طابت على أغصانها، المغسولة بالندى، يستطيع تمييز أدق الأشياء فى الظلام. قوته فولاذية، تختبيء خلف طيبته، ولديه ذاكرة فى الأنساب لا يجهلها أحد، البوابة بدون مِزلاج، لا توصد أبداً، ككل بيوت الكرماء، تحرسها أشجار المانجو العتيقة، والنخيل السامق، الذي يطعم القرية دون حساب، رأى شبحاً ملثماً يتسلل للداخل، بجرأة مريبة، عرفه رغم الظلام المعجون بالضباب.
دَلَف خلفه بحذر، يقتلع قلبه على أولاده، عادل ومحمد وصلاح ونبيل، فهم زرعه الذي يعيش من أجله، وقبل أن يتوغل اللص إلى غرفتهم.
انقض عليه من الخلف -فى لمح البصر- انقضاض الصقر على ضبع شارد، اعتصره بين يديه، اعتصار حبة قمح بين شقي الرحى، يمطره بلكمات فى انحاء وجهه، يقابلها اللص بآلة حادة، يستخدمها فى السطو إن لزم الأمر، لكمات الشرف صارعت طعنات الغدر، استبسل فأسقط السلاح يده، غرِقا فى بركة من الدماء، استغاثاته العاقرة لم تلد مُخَلِصاً يبقيه على الحياة، ويظل رهين الحسرات، على حافة الاحتضار، تشهق روحه فتكتم استغاثاته، يستمطر اللكمات مدوية تغلقت كل المنافذ فى وجهه، صفعات كالمجاديف على صدغ القارب،
تسقط كالسيل، تهلك فى طريقها كل السدود، ليستقر على وجهه، تُهَشِمُه.
تكَوَّمَ الأطفال فى ركن بعيد غير آمن، تحتضنهم أمهم، الاستغاثات عالية، مخيفه، مزقت ستائر الليل المختبئة خلف النوافذ، اتجهت مخالب أسود القرية تجاه الاستغاثة، وجاء دور أجدادنا، عبده أبو إسماعيل، حسن الخولي، صابر أبو مصطفى، …….
الشيخ قاسم يؤذن للفجر سريعاً، وتبعه عدة مرات "الصلاة فى حديقة المنصوري".
امتلأت الفيلا والحديقة بالرجال يتبعهم الخفر، خلصوه من يديه، تخليص الثوب من سِلك شائك، وما أن تبينوا أنه لص الدراكسة، حتى انهال عليه كل من طاله غدره، سحلوه فى شوارع القرية.
الصُبحُ يتنفس وأنفاس لص الدراكسة تتقطع، حملوه على "عربة كارو" يجرها البغل الذي كان يَركبه، يزفه الأطفال يطوفون به شوارع القرية وسط فرحة تعانقها التهاني وتباركها الزغاريد، يستبدلون الحسرة التي فجعت قلوبهم بالأمس بفرحة هلاكه.
وخرجنا من القرية طفنا بجثمانه المُضرج بالدماء كالعجل المذبوح شوارع المركز، حتى قريته الدراكسة، التي سقاها ألواناً من العذاب، وقفت سيدة فى منتصف الشارع، جسدها هزيل تستجمع ما تبقى من قوتها، تبدو عليها مرارة العيش رغم جمالها الباهت، عرفنا فيما بعد أنها زوجة لص الدراكسة، انحنت على يد جدي المنصوري تقبلها.
وهتفت بصوت مكلوم، "ينصر دينك يا منصوري"، ولم تنتهِ، حتى رددنا جميعاً "ينصر دينك يامنصوري"
مجدي شعيشع
الكويت فى : 2022/06/04
..................
« القراءة »
أول ما لفت نظري أثناء قراءة هذا النص الجميل هو التشابه اللافت بين فقرة استهلاله وفيلم شيء من الخوف والذي أتقن محمود مرسي تقمص دور عتريس/ الدركسي، وأبدع حسين كمال في إخراجه، رغم يقيني الجازم أن قصة المنصوري وحكايته في قرية ميت حديد قصة حقيقية، إلا أن التشابه جد لافت، لذا كان لزاما علي أن أنوه عنه.
وعند مطالعتي الشغوفة لسراديب النص استوقفني التصوير المشهدي الرائع الذي دونه كاتبنا - المغرم بالتفاصيل- بأحرف نابضة ومداد ناطق..مشهد ما قبيل الفجر وتلمس المنصوري لثمار حديقته، وتسلل اللص الدركسي، ومن ثم وصفه البلاغي لغويا لمشهدية الصراع..قلم بارع وصفي تميز به أ. مجدي، وليس بجديد علي الوقوف على تلك الميزة في سرده- الأقرب للسرد الروائي منه للسرد القصصي القصير- فذلك ما عهدته منه وما استوقفني في باكورة قراءاتي لقصصه، وكانت على ما اذكر قصة " سكة صبحة"، مع توافر فوارق تقنية في سردية كليهما ( المنصوري/ سكة صبحة) وكلها ترجح كفة سكة صبحة، ولا يساورني أدنى شك فيما تسبب في ذلك، وأجزم أنه حين صياغته لهذه الأقصوصة كان يستحضر المشهد من ذاكرة طفولته ويدونه حرفيا كما رآه او تخيله وقتئذ، اللهم إلا بعض الجمل البلاغية التي صورها واستقاها من مخيلة الكاتب الآني بما ملك من أدوات وخبرة.
كاتب واقعي ويحلو له الكتابة الواقعية ولا ضير في ذلك ولا مثلبة، آل على نفسه توثيق حكايات الأجداد مفتتنًا بروح قريته " ميت حديد " متشبعًا رائحة نسيمها وترابها.
ثم يمضي بنا السارد إلى مشهدية أخرى شهيرة ومألوفة في الريف المصري، كما هى مألوفة في كثير من الأحياء الفقيرة في المدن المصرية، إلا وهى " زفة الحرامي " ليصفها للقارئ وصفًا دقيقًا باذخا بكل تفاصيلها كما كانت تحدث في قرى الريف المصري حصريا.
النص كما سبق وأبنا نصًا ينتمي بجدارة لنوعية النصوص الأدبية الوصفية، إلا أن الكاتب استطاع بمهارة أن يبث فيه من روحه المحبة حياة.
وكما قلت آنفا عن ميل القلم السارد للسرد الروائي، لذا فقد حفل المتن بالعديد من الجمل التقريرية، والتي إن جاز لي كناقد أن أتجاوز عن الكثير منها، إلا أن جملة " تولد النخوة في بساتين الكرام"، " الأسوار أبواب اللصوص" لا يمكنني بحال التجاوز عنهما، لفجية المباشرة ووضوح إقحامهما من قبل الكاتب، وهذا ما لا نقبله أو نتجاوز عنه أو نتغافل عن التنويه.
••••••••••••
محمد البنا
القاهرة في ٧ يونيو ٢٠٢٢
