« رؤية انطباعية »
بقلم: الأديبة والناقدة / كنانة عيسى
لنص " الصهباء قارئة الفنجان "
بقلم الكاتب: عزيز عثمان
____
« الصهباء قارئة الفنجان »
اعتدل فنجان القهوة المقلوب في يدي بعدما جلستُ متكئةً وفردتُ شعري الأحمر على أريكتي العجوز، أصيلةٌ تلك الأريكة التي أورثتها الجدات للأمهات، آلاف الأعوام من المسير حتى امتلكناها، ميراثنا أريكة ومرآة وطاولة مستديرة، ومعهم بعض فناجين القهوة.
حدقتُ بالفنجان الذي رسمت فيه حبيبات البن الجاف تضاريس حيوات مضت، رمقتني السيدة الخمرية بعينيها البشريتين، هي إحدى السيدتين المتحلقتين معي حول الطاولة المستديرة منذ القِدم، ارتعشت حين بادلتها التحديق، فها أنا ذا أشاهد مجددًا...
سألتني السيدة الخمرية إن كانت الجرأة تنقصني لأقص عليها ما أراه على جوانب الفنجان، فأجبتها:
بل تنقصكِ أنتِ القدرة على تحمل ما أرى.
ارتعبت، كُسرت عجرفتها وانكمشت على نفسها علّها تحتمي مما سوف تسمعه، فاعتدلتُ في جلستي وأنا ممسكة بفنجانها أتأمله، فقلتُ لها وأنا أنظر لوجهها الذي ينطقُ خوفا وفضولا:
كان عليكِ التخلص من جثة الشقراء بطريقة أفضل مما فعلتِ أيتها الحمقاء.
اتخذت الخمرية وضع الجنين ولم تنبس ببنت شفة، ربما لتحتمي وربما لتثبت براءتها من قتل رفيقتها التي ابتسمت، نعم... ابتسمت رفيقتها الشقراء قبل أن تمد يدها إلي بفنجانها المقلوب هي الأخرى، كانت تبتسم متسامحة برغم الحزن المرتسم على ملامحها، كم أكره تلك الابتسامة.
في غيبوبة اللاوجود؛ رأيت الشقراء في الفنجان بجناحيها وملابسها البيضاء التي تلطخت بنزف دمها المسفوك، بينما تمسح السيدة الخمرية سكينها ويدها من الدماء وتلعنني وتلعنها وتطالب بالحرية، كم هي غبية، لم تشاهدني في تلك الأثناء، ربما لو كان لها عينٌ أخرى في ظهرها لرأتني أحتفل بنصري وأرقص رقصتي البذيئة.
الويلُ كل الويل... أعادتني الشقراء بابتسامتها الكريهة المتسامحة إلى جب الواقع... لابد وأن أجعل شريكتي الخمرية تقتلها مرة أخرى، سأجعلها تقتلها وتقتلها وتقتلها، وسأجلس وحدي على الأريكة، حينها سأعتلي رأس شريكتي.
لماذا ترغبين في قتلي يا صاحبة الشعر الأحمر؟! لماذا تريدين الانفراد بها؟! نحن شركاء يا عزيزتي، أنا لم أجبرها على شيء وكذلك أنتِ؛ فأنا أنصح وأنتِ توسوسين، أتعتقدين أن تلك الخمرية الجميلة بحاجة إلينا؟! إنها كاملة بوحدتها، بل أكاد أجزم أنها ستقتلكِ لو تخليتُ أنا عنها، أنتِ لا تفهمين المعنى الحقيقي للشراكة، تعتقدين أنها شريكتك، وحقيقة الأمر أنني أنا شريكتك فيها، وعلينا أن نتعاون، لكنكِ ترفضين، حسنا... سأتركها؛ لتتذوقي معنى الخسارة. تستطيعين الآن قراءة فنجان السيدة الخمرية مرة أخرى.
لم أفهم مقصد الشقراء منذ البداية، هل تعني؟! لا... لن أقبل بشريك، إما أنا وإما فلا.
قبل أن أمسك بفنجان الخمرية مرة أخرى؛ وجدت تلك الأخيرة تغرس سكينها في صدري، تقتلني وتبصقُ على جثتي، ثم تقف بيننا وتلعننا آلاف اللعنات، تلعن العظة والوسوسة معا، تهتف بالحرية. ظلت تهتف وتهتف حتى ابتعدت لتقف أمام المرآة المعلقة خلف الأريكة؛ ظهر حينها انعكاس صورتها ثلاثية الأبعاد كالعادة، لكن الشقراء اختفت في المرآة، وكذلك أنا.
في غيبوبةٍ أخيرة لم يعد لنا فيها وجود؛ تجلس السيدة الخمرية وحدها على الأريكة العجوز بينما تحدق بالفنجان الوحيد على الطاولة، لكنها لم تعد تطالب بالحرية، لم تعد تطالب.
تمت: الصهباء قارئة الفنجان
عزيز عثمان
•••••••••••••
« القراءة »
النص النفسي الرمزي
نص نفسي يتحدى نفسه
كم هو جميل أن نصطدم بنص كهذا، ،متشابك مرتبك وعميق، يمتاز برؤيته الوجودية وبنكهته النفسية الفرويدية التي تلخص
، ، الوجود الإنساني في الانتماء ومفهوم التحديق وإدراك الذات من خلال الذات الآخرى، فنحن لا نعرف الوجود دون الفناء ولا الماضي دون الحاضر ولا الحياة دون الموت،ولا الحرية دون الاعتقال لا الباطن دون الظاهر ثلاث نسوة جلسن منذ القدم حول طاولة واحدة، على أريكة الجدات دلالة على اتصال الماضي بالحاضر ليقرأن المستقبل )) في (غيبوبة اللاوجود)
ثلاث ذوات في روح إنسانية واحدة تتصارع فيها الأنا العليا مع الدنيا(الهو) ، الوعي مع اللاوعي، الرغبة اللاوعية المحرمة مع الرغبة الشرعية المقبولة اجتماعيا وعرفيا
لتهزم فيها (الشقراء) والذات الساردة أمام (الخمرية) ،وتستحوذ على المشهد بسادية مفرطة سوداوية تمثل الانزياح المعرفي الخفي لرؤية الذات الحقيقية أمام رغباتها المجردة فتجد لها مسمى منطقيًا يقبله عرف المجتمع وتسوغه له طرائقه وطقوسه.
وكان الاستسلام الذي نمارسه في حياتنا أما طغيان الرغبة الحسية،وإسقاط مفاهيم الهزيمة الداخلية من منطق المنظور اللاكاني (نسبة ل لاكان) النظرة التي ترى الأشياء جميعها في لحظة من خلال الأضداد التي تنهشنا كبشر تصارعنا الحياة
فإذا كانت الذات الساردة، هي العين الثالثة، بنصعها ونقائها،الروح البدائية الشفيفة التي تقدر على استبصار
واقع بديل ،بعيدًا عن دنيوية محضة، تمتاز بالقدرة علي المواجهة والانكشاف والظهور بشكل علني كما في (السيدة الخمرية) التي سترتكب القتل في سبيل الحفاظ على سيطرة وجودها الحيواني وهيمنتها الغرائزية التي تسعى للبقاء،، فإن (السيدة الشقراء ) هي المثالية المتطرفة، الاستثناء المتشبث بالمنظومة الأخلاقية الضد الأصيل للسيدة الخمرية والتي ستسقط أولا في عراك غير متكافئ، أمام طاقة الشر الأقوى.
نص تمكن كاتباه المبدعان من إطلاق فكرته ببراعة، وبلغة رصينة موحية وبتسلسل كلاسيكي أحكم عناصر السرد لينتهي بنا لحقيقة واحدة
إنَّ شرعية الوجود الإنساني مرتبطة بإسقاط واحد، تنتصر فيها الرغبة المجردة في الذات الإنسانية المتناقضة في احتدام الصراع ضد الحياة.
وكما يقول كيرت كوبين
يضحكون علي لأني مختلف وأنا أضحك عليهم لأنهم الشيء ذاته.
••••••••
Kinana Eissa
5-6-2022
