غلبة
أخيراً اشتريت البيت الذي كنتُ أحلمُ به طوال عمري، بيت ريفيّ حقيقي في فنائه شجرة، وتحت ظلّها كلب ينبح.
لكنّ من أوّل ليلة اكتشفتُ أنّ الشجرةُ تجذب إليها الطيور عند المغيب، أمّا الكلب فقد كان نباحه لا يهدأ طوال الليل.
و لأنّي أهوى الهدوء...قطعتُ الشجرة، ودسستُ السمّ للكلب.
في الصباح راودني شعور بأن الصفقة لم تكن مناسبة لي... لذلك أفكر ببيعه والبحث عن بيتٍ ريفيٍّ حقيقي...في فنائه شجرة، و تحتها كلبٌ ينبح.
قراءة الأستاذ حامد الشريف
تخطيت المرة الرابعة والخامسة في قراءة هذا النص الجميل الإبداعي… كنت خلال رحلة القراءة المجهدة هذه؛ أحاول الوصول إلى عمق النص وأفهم دلالاته وما يرمي إليه، وأجد أنني في نهاية الأمر عاجز عن الإلمام بكل جوانبه أو استخلاص فكرته الأساسية، لا لأنه عصي على الفهم كما يبدو، فترميزه مقبول إلى حد كبير كونه يعتمد على مفردات وجمل واضحة الدلالة محددة المعاني لا لبس فيها وليست حمالة أوجه يصعب الجزم بمغازبها كما يحدث مع بعض النصوص المرمزة شديدة التعقيد التي نطالعها احيانًا، وهي بالتأكيد أي العبارات لا تخلو من مباشرة ايجابية وفق حكاية واقعية ومشهدية جميلة وتسلسل حركي متوازن يربطك بالحدث ويوقفك على تناميه دون أي ارتباك، ويأخذ بيدك إلى النهاية المخاتلة أو الصادمة دون أن ينفرك منها بل يدعوك بمحبة للتفكر فيها والبقاء قريبًا من النص وهو يعدك بأنك ستصل إلى الفهم الذي تريده بشيء من الصبر والمثابرة، ما يعني أن عناصر نجاح هذا النص القصصي القصير اكتملت في ظني، ولم يتبقى غير فهمه أو تشكيل رأي حياله، ومع ذلك عجزت عن فك الشفرة والوصول للمغزى على الأقل في المحاولات الأولى أو لنقل الجزم باستنتاجاتي .
في الواقع إن مثل هذه النصوص الإبداعية تشبه مسائل الفيزياء والرياضيات التي يعجز البعض عن حلها وقد يسب ويلعن واضعها بينما يفك بعضهم عقدتها قبل أن يرتد أليك طرفك… إذًا العيب ليس في نصوص كهذا بالدرجة الأولى وإنما في الأدوات التي بمتلكها القارئ، وكاتب كهدا ليس ذنبه أن ما كتبه يحتاج إلى ذهن صافي وقدرة على الاستنتاج والربط والتحليل وتوظيف القدرات العقلية العليا وصولًا للمعاني المضمخة التي بوصولك إليها ستبتسم استعلاءً للكاتب وعجبًا من عجزك عن مجاراته في الفهم.
أعود للنص الذي حقق بالنسبة لي المزج المطلوب بين المباشرة والوضوح والتلقائية وكذلك السردية الواقعية في وقت لم يخلو من معاني عميقة جدًا كانت هي عنصر إبداعه وجماله الحقيقي وشكلت قطبي نجاحه، وحتى يكتمل هذا النجاح الذي أرجوه يتبقى الوصول إلى المعنى المقصود، ولعلنا نستطيع ذلك بتفكيك النص وتجزئته والنظر لكل ذلك على حدة، فالرجل _ وأعني بذلك بطل القصة _ مما يبدو كان لديه اشتراطات مسبقة للبيت الريفي الذي سيسعده ويلبي احتياجاته وكان واضحًا أن هذه المواصفات ليست وليدة تجارب شخصية وإنما ناتجة عن خبرات غير مباشرة استمدها من محيطه البشري وأشترى على أساسها بيت في الريف ظانًا أنه ملائم له ويلبي احتياجاته النفسية بوجود شجرة في فنائه الخارجي وكلب ينبح، ليكتشف لاحقًا من خلال التجربة المباشرة أنها مواصفات غير جيدة ولا تلائمه على الإطلاق، فذهب باتجاه تغيير الواقع بما يناسب ويتلاءم مع احتياجاته الحقيقية التي عرفها بالتجربة والخطأ، كان ذلك ليبدو طبيعيًا ومتوقعًا ويتكرر حدوثه ولا بأس فيه لولا أنه عاد إلى المربع الأول وقد شعر بعد نجاحه في تغيير الواقع بما يناسب قناعته المستحدثة، أنها لا تناسبه وأن عليه العودة مرة أخرى للصورة القديمة التي بنى عليقها قراره.
فهل هذا يعني أن النص يخبرنا بطريقة أو أخرى أننا على الأرجح نعيش في قوالب جاهزة معدة سلفًا و وهي كما يبدو من السياق السردي ليست بالضرورة مقنعة بل قد تكون مبنية على أشياء تافهة وغير مؤثرة، فلا نبتعد عنها حتى نعود إلبها ونتمسك بها أكثر، أو أننا لا نفكر في تفاصيل هده القوالب واشتراطاتها إطلاقًا وإنما نخصع لها دون وعي وعندما يحدث الضرر المتوقع نحاول الخروج منها لكننا تعجز في نهاية الأمر ونعود إليها أكثر إذعاننا وتسليمًا، ذلك ما يتضح من خلال قطع الشجرة وتسميم الكلب وهو الفعل المتفرد الذي قام به البطل بعيدًا عن القالب الجاهز لكنها لم تدم طويلًا إذ كانت ردة فعل مؤقتة وضح من البداية أن خروجه منها ليس إلا مسألة وقت يعود بعدها إلى تلك القوالب التي تتحكم في قراراته وترسم له طريقه في الحياة، لأنه لو لم يكن كذلك لكان اختياره متطابق مع حاجاته الجسدية والنفسية، لذلك أصبح من المؤكد أن مثل هذا الرجل المتردد سيعيش هذا الاضطراب في اتخاذ القرارات وفي كل مرة قد يقدم على بعض الخطوات التي يستلزمها الموقف كحل مؤقت ثم ما يلبث أن يعود عنها ويندم عليها، ما يعني أنه غالبًا لا يخضع لها بالمطلق مهما كانت صائبة وأقرب لوافعه واحتياجاته…
لعلي _ إن صح فهمي _ أو لنقل إن اتفقنا على هذه الزاوية فالنص يحتمل زوايا أخرى فيمكن ببساطة سحبه للحالة السياسية أو الدينية لمجتمع ما، إن أردنا منه ايصال رسالة مبطنة يفهمها المقصود بها. أقول إن صح فهمي فأنا أتفق مع الكاتب في هذه الجزئية المهمة وهو ما يسمى بسياسة القطيع التي تستلزم السير وفق قناعات معينة لا علاقة لنا بها ونجد صعوبة كبيرة في العودة عنها وربما نوقع الضرر في محيطنا ونتسبب في فوضة عارمة كلما حاولنا الخروج عليها قبل عودتنا وارتهاننا إليها كما حدث في ثورات الربيع العربي التي انقلب عليها من أشعلوا نارها أو هذا ما ظهر لنا في بعض البلدان، بينما كان الأسلم أن يكون القرار صائبًا من البداية فيتم اختيار المنزل وفق احتياحاته هو لا أن يختاره وفق رؤية المجتمع ويعود بعد ذلك إلى احتياجاته الشخصية فيقطع الشجرة ويقتل الكلب، ولم يكن بحاجة لمثل ذلك لو أحسن الاختيار، والمصيبة العظمى أنه سيعاود تكرار نفس الخطأ ويقينًا سيتجه إلى نفس الحلول وهكذا يظل يدور في حلقة مفرغة طالما لم يتفطن إلى أن الخلل الكبير ليس في مواصفات المنزل وقدرته على اسعاده أو لنقل في الحالة السياسية أو الدينية التي يريدها في مجتمعه الكبير، وإنما في عجزه عن التفرد وامتلاك قراره، وعدم ايمانه بحاجاته الحقيقية، ونظرته إلى الحباة من منظار الأخرين… بالطبع هذه الصورة التي فيما يبدو أرادها الكاتب إنما هي صورة حقيقية ونراها كثيرًا في محيطنا القريب بل إن قلة من ينجون منها فيرسمون حياتهم بأيديهم، وأقرب مثال على صدق هذه النظرة بعض كتاب الروايات والقصة القصيرة جدًا حين نجدهم يسايرون الوسط الثقافي دون قناعة وربما دون فهم، فيكون خروجهم على المألوف؛ لحظي، إذا تأثروا بحوار أو مقال أو وقعوا على نص إبداعي يببن لهم عوار كتاباتهم، يعودون بعد ذلك إلى نفس الممارسات التي تقيهم شر ألسنة القطيع وتبقيهم داخل دائرته المحمية، بينما الحياة لا يقودها إلا المتفردين ممن بملكون قراراتهم ولا يعودون عنها بسهولة ولا بلتفتون لغيرهم عند اتخاذها… كل هذه المغازي العميقة استقيتها من هذا النص وأظنني استطعت فك شفرته أو على الأقل تفردت بقرأتي له وفق أدواتي وأخذته من زاويتي ما يعني أنتي لن أكون بحاجة لقطع الشجرة وقتل الكلب والعودة مرة أخرى لقراءة النص ومحاولة فهمه بالطريقة التي أرادها كاتبه فهو يقينًا لديه ما يخبأه داخل النص ويكره أن يطلعنا عليه ويقر به….
أرفع لك القبعة أستاذ نزار على هذا النص الإبداعي رغم أنك لم تكن تقر نظرتي لبعض نصوصك المعقدة وإنكاري عليك رمزيتها الكبيرة واستحالة فهم بعضها واحتمالها عدة أوجه لا يمكن الجزم بأحدها… اليوم استطعت أو لعلي لأول مرة أنتبه لنص من نصوصك الإبداعية الذي يحقق معادلة الإبداع القصصي على الأقل من وجهة نظري الشخصية.
قراءة الأستاذ عبد القادر الغامدي
بدأ النص بكلمة استهلالية هي *(أخيرا)* التي توحي بطول الزمن في انتظار ذلك الحدث والتعب والكد وجمع المال حتى يحظى بالبيت الذي ((*يحلم*)) به
استوقفتني طويلا وشدتني كلمة *حقيقيّ* التي أثارت داخلي تساؤلا :-
هل يوجد بيت ريفيّ حقيقي وآخر غير حقيقي؟؟
هذه الصفة (*حقيقية الأشياء) * تجعلنا أمام *وهمية الأشياء* المقابلة لها !!
*لكنّ* :- كم ألعن هذه الـ لكن ّ كونها تقلب الأمور دوما رأسا على عقب وهذا ماتوقعته وحدث أن البيت الريفي الحقيقي لم يعد كذلك بفعل *مؤثرات خارجية* لم يحسب لها البطل حسابا وهي :-
( أن الشجرة باتت مصدر إيواء لجماعات الطيور التي لم يحدد نوعها وكيف أضرت به وأن نباح ذلك الكلب الذي رسمه حلما فبات همًّا ) جعلته يفكر منذ الليلة الأولى وتحت ستار الظلام *بالتغيير / الحياة* وذلك بأن يقطع الشجرة ويدس السم في زمن وجيز جدا *(فكرة الموت من أجل الحياة)* ؛ هذا التغيير طلبا لحياة أفضل جعلته يلجأ لفكرة *(الموت)* ذلك لأن حلمه الذي طال انتظاره لم تحققه هذه البيئة *الحقيقية* التي *رسمها خياله* القروي الحالم .
وفي الصباح (*لحظة الانكشاف *) يراوده شعور قاسٍ أن فعله بالظلام لم يكن موفقا أبدا ً وأن عليه الرجوع إلى التعلق بحلمه القديم حتى وإن تكاثرت الطيور وطال نباح الكلب فهي في نظره البيئة التي طالما تمناها بعيدا عن صخب الحياة المختبئة غير المعلنة في النص
*وكأنما يقول هذا الـبطل لنا تمسكوا بأحلامكم الصغيرة وإن اعتراها مايعتري كل موجودات الحياة من نقص أوتنغيص (الطيور / نباح) ذلك أكثر ملاذا لقلوبنا وأمانا لنفوسنا من العودة لبيئة نضج فرارا منها *
*ونلعنها صباح مساء لأننا لسنا منها وليست منا في شيء .*
*هذه قراءتي*
التي نهلتها منذ عام 1990 من أستاذي العظيم (*عبدالله الغذامي)*
في جامعة الملك سعود حين كنت طالبا بين يديه وماأزال كذلك…
*وهي طريقتي* التي تخصني هنا في تناول أي نص أراني مشدودا إليه أولامس شيئا في داخلي *واستفزني بشكل أوبآخر* كما فعل فعلته *هذا النص المختلف * للصديق نزار الذي جعلني أحوم حول النص ثم أنطلق صوب جسده *لأحلل * مارأيته منه *وأفكك بنياته* اللغوية والدلالية في نسق نقدي معرفي محاولا استقراء الكلمات والجمل وماوراءها من *ظِلال الكلمات* .
والسلام مسك البدء والختام✅😊✅
*عبدالقادرالغامدي ✍🏼*
*قارئ مر ّ من هنا 👈🏼 وترك أثرا ربما لدى من سيأتي خلفه وربما لا*
