زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

«ليلة فهمت دوستويفسكي» بقلم الكاتب/عمر عباس.


 #ليلة_فهمت_دوستويفسكي 

كانت ليلة لا تنسى، ولعلها من أسعد الليالي في حياتي.. من مدة طويلة وأنا أأبى الكتابة عنها، لأني لم أرد إفشاء سر دوستويفسكي لأحد، أردت أن أستأثر بتلك الحلاوة وحدي، غير أني غيّرت رأيي، لأني أودّ أن يقرأ الجميع لدوستويفسكي، ويذوقوا الحلاوة التي ذُقتها. 

دوستويفسكي إنسان عبقري، ولعل أبرز خصلة فيه هي السخرية، ولطالما اقترنت العبقرية بالسخرية!

حين تقرأ لدوستويفسكي يجعلك تشعر أنك قد فهمت كل شيء، لأنه يأخذك بهدوء ولا ينسى أي تفصيل، فحين يحدثك عن شخص ما، أو يتركه يتحرك في رواياته أمامك، يجعلك تستمع إلى الحوار الداخلي الذي يدور بين هذا الشخص وبين نفسه، وقد يطول الحوار لصفحات عديدة، وانت تبدأ في فهم الشخص رويدا رويدا، وفي اللحظة التي تعتقد فيها أنك قد فهمته حق الفهم، يفعل ذاك الشخص شيئا لم تتوقعه أبدا، فتُدرك حينذاك أنك لم تفهم شيئا بعد، وهنا تبدأ سخرية دوستويفسكي اللذيذة منك. 

أما إذا حاولت أن تفهم دوستويفسكي نفسه من خلال كتاباته، أي تفهم الكاتب من خلال الشخصيات في روايته، حين تحاول فعل هذا مع دوستويفسكي، تكون قد وقعت في الفخ، فدوستويفسكي يتعمق في الشخص حتى تظن أن هذا هو صوت دوستويفسكي، هذا هو دوستويفسكي، لكنك حين ترى تعمقه في الشخصية الموالية في نفس الرواية، تجد أنه تعمق فيها أكثر من الأولى، وهكذا يفعل دوستويفسكي مع كل شخصياته، التي عادة ما تكون متناقضة شديدة التناقض، فتحتار أيهم هو دوستويفسكي!

سأحاول أن أشرح لكم أكثر.. 

تخيّل نفسك في سهل واسع تحيط به كتلة جبلية من كل جانب، كتلة جبلية عالية، وهناك قناص (دوستويفسكي) فوق الجبل يخبرك أنه لن يضربك، بل سيضرب بين الفينة والأخرى الأرض بجانب قديمك، وعليك فقط أن تحزر أين هو! ثم يضع لك زجاجة، في ظل شجرة، بين الحشائش، إن كنت حاد البصر، وكنت في المكان والوقت المناسب، قد ترى شعاع الزجاجة، قد ترى شيئا يلمع في الجبل، فتقطع السهل والوديان والشعاب وتتسلق الصخور، وحين تصل بعد ثلاث ساعات أو أربع من الصعود الشاق، تجد زجاجة مكتوب عليها "أعلم أنك عطشان، هذا بولي في الزجاجة" 

يسخر منك سخرية لاذعة دوستويفسكي، فتقول في نفسك بانزعاج: "يا للأخرق!" وتلتفت يمينا وشمالا، فلا ترى سوى الأحراش، فلا تعرف أتتقدم أم تتأخر لأنك لا تعرف في أي اتجاه هو، فيتحتّم عليك النزول إلى السهل، حتى تتمكن من التقاط إشارات جديدة عن موقعه. 

وفي الليل قد ترى نارا في الجبل، فتصعد إليها، فتجد عندها سيجارة جديدة، وورقة مكتوب عليها: "فكّرت أنك تحب تناول سيجارة في هذا المكان الجميل، لكن أظن أنك مرهق، فرئتاك قد نسفتا أثناء الطريق .. حاول من جديد!" 

ويستمر دوستويفسكي في السخرية منك، حتى تكتشف كل تلك التضاريس، واديا واديا، وفجا فجا، تقلبها حجرا حجرا إلى أن تصل إلى مرحلة لا تثق فيها بحواسك، تدرك أن حواسك تخونك، وهنا عند هذه اللحظة ستبدأ رحلتك الحقيقية في البحث، رحلة تعتمد فيها على التأمّل والتفكير، إذ عليك أن تفكر مثله لتجده. فدوستويفسكي يحرّضك لتستعمل كل خلية في دماغك.

وهذا ما حصل تلك الليلة وأنا أقرأ روايته "في قبوي" سعدت كثيرا، لأني استطعت أن أعرف اللحظة التي سيسخر مني فيها، صرت أعرف أين يذهب، حلّلت حركته ووضعت لها منحنى بياني، فهمته، وكانت كل توقعاتي في محلها، صرت أعرف الجملة أو السطر الذي سيسخر مني فيه، والصفحة التي سيغير منها اتجاهه، وحين أطللت عليه في الحفرة التي كان يختبئ فيها، قال لي:

 "هنيئا لك، فقد أمسكت بي .. من مدة طويلة وأنا انتظر أحدا يمسك بي"

تلك الليلة تحاورت مع دوستويفسكي كثيرا وباح لي بكل أسراره. 

#عمر_عباس

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية