صخر يبكي
*******
يحملُ أبوعادل كلَّ حجارةِ قلعةِ حلب على ملامحِ وجهه الصخريِّ،وفي عينيه تتراءى أزقةُ حي القاطرجي حيث كان يسكنُ قبل أن يُهجَّرَ مكرهاً .
جالستُه وبدأتْ تجري على لسانهِ الملاحمُ مؤكداً لي أنّهم شاهدُوا القيامةَ بأعينهم،وأنّ الموتَ عاشَ معهم أيامَهم الأخيرةَ قبل خروجهم .
ينزلُ البرميلُ المتفجرُ في البنايةِ المجاورةِ فيسويها بالأرض، ويسارعُ الناسُ لالتقاط الجثث من بين الحجارة؛ سبعُ جثثٍ تتكدسُ في سيارةِ أبي عادل التي صارت تقطرُ دماً،وتحينُ منه التفاتةٌ فيلحظُ أنّ بين الجثث طفلاً صغيراً صدرُه يعلو ويهبط، إنّه يتنفس!
وكالبرق يتوجهُ أبوعادل بسيارته إلى المشفى، وعندما يصل ينتزعُ الصغيرَ من بين الجثثِ الهامدةِ ،ويهرعُ به إلى طبيبٍ مرهقٍ يداه مغموستان بالدم وهو يحاولُ تضميدَ النازفين بخرقٍ بيضاءَ، يُدخِلُ الطبيبُ خرطوماً في حلقِ الصغيرِ ويقول لأبي عادل :‘‘انفخ بشهيق وزفير... عساك تساعده... ( وأكتر من هيك ماعنا )‘‘
قالها الطبيب والقهرُ يأكلُ وجهه، ويبدأُ أبو عادل بالنفخِ شهيقاً وزفيراً والصغيرُ يتنفسُ بصعوبة.
يبدو الخرطومُ بين فم أبي عادل وصدر الصغير قناةَ الحياةِ الأخيرةَ التي لايمرُّ منها إلا الكرامُ في زمنٍ صارت فيه الكرامةُ يتيمةً..
يكملُ أبو عادل القصة : ‘‘ مرت خمس ساعات وأنا عم أنفخ... وآخر نص ساعة حسيت بطعم الملوحة، وصار الدم يطلع من صدر الولد ورغم هيك كملت نفخ وصرت أبصق الدم كلما امتلأ فمي....وبعدين... فجأة سكن الولد! ضربتو وضغطت على صدرو.،مافي فايدة.شخصوا عيوني وحملت الولد ،وصرت أركض متل المجنون في ممر المشفى المفروش بالجثث ،وأنا عم صيح وصوتي أقوى من صوت القصف : .. ياالله دخيلك... يا الله !!!! ‘‘
صعقني الذهولُ وأنا أسمع حكايةَ الموتِ ! ولم أنتبه إلى أزقةِ حي القاطرجي في عينيّ أبي عادل وهي تجري دمعاً.
أولُ مرةٍ في حياتي أرى وجهاً صخرياً يبكي
تمت .
***************
بقلم الكاتبة : منى عزالدين
