زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة بقلم: أ. منى احمد البريكي /في نص :"شبق" للكاتب: عمر حمش








.قراءة في نص :"شبق"

للكاتب: عمر حمش

بقلم منى احمد البريكي /تونس


*******************


قرأت النص مرة واحدة  لأني وجدته من النوع المفتوح  فلا يجد فيه القارئ أي صعوبة ولا يثير فيه الرغبة في إعادة القراءة وارتأيت أن أركز قراءتي على

☆البؤرة الدرامية للقصة:

يندرج هذا النص ضمن أدب "الإعتراف "
الذي يركز فيه الكاتب على شخصية يختارها  ويختفي وراء ضعفها واضطرابها فيجعلها تعبرعن لحظات  تعيشها ولا تجد حرجا في إظهارها وسرد الواقع على  علاته ،ووصف هشاشتها ومشاعرها المنفلتة؛ فيجعلها تتموقع على ذاتها لتلامس ندوبا في روحها وافكارا سيئة تبنتها وآراءا سلبية تجاه الآخر اعتمدتها مقياسا ومؤشرا لبناء أو قطع علاقاتها به .ذلك في  تماه تام  مع ما ذهب إليه ألبير كامي [الضمير المذنب يجب أن يعترف ،والعمل الفني هو اعتراف. ]
وفي هذا النص لم يكتف الكاتب بالمكاشفة بل جعل تيمة الجنس  البؤرة الدرامية التي مثلت الحدث الأبرز على خطى محمد شكري في الخبز الحافي وحنا مينا في الياطر . ليعبر السارد المتكلم عن انغماسه في الحسية ،ويوغل في وصف رغباته الجنسية التي انقاد إليها، وعاش وطأتها في مكان لا يستجيب لشبقه (وسيلة نقل عمومي  )وتحت أنظار الآخرين؛ الذين لم يكونوا على بينة مما يحدث له لولا اعترافه الصادم وهو يتمركز حول ذاته غير مبال بنظرة المجتمع أو موقفه منه.
و[بين العفوية التامة لتصرفاته و،ملاحظاته، وانعدام حساسيته تجاه المشاعر الطبيعية ؛والمحتملة من جهة أخرى ، تقع هاوية تصعب علينا رد فعل عاطفي تجاهه.]كما يقول *ديفيد سبرينزر*في كتاب "الراوي في رواية القرن العشرين "
وبين مناهضة المجتمع لهذا الفعل المشين ؛ينقسم القراء إلى شقين:شق يتعاطف مع ضعفه في  لحظة انسياقه إلى  تصوراته،وخضوعه لجانب الطين الآسن في النفس البشرية ،الذي يغرق الروح في وحله .
وشق ينكر عليه ذلك فيهاجمه اعتمادا على نظرة أخلاقوية محضة وانسجاما مع أطر وقوالب اجتماعية سطرها الدين والعرف كما يصرح الكاتب *دبليو أتش *[كون الإنسان حيوانا اجتماعيا،يجعله بالتأكيد مدينا للمجتمع من أجل الفرص التي يحصل عليها لإظهار قيمه الأخلاقية والروحية. ]
ولأن الأدب حقل شاسع لقضايا الفرد والمجتمع وارهاصاته وأفكاره ورغباته المكبوتة كالحلم والجنوح للانفلات من قيود االسياسة والدين خصوصا  كان الجنس ومازال محظورا يجب القفز عنه إلا أن بعض الكتاب والأدباء ومنذ قرون يكتبونه بإطناب غير مبالين بأصوات تصل أحيانا إلى تكفيرهم واتهامهم بالزندقة والأمثلة عديدة  من أبرزها الشاعر *أحمد الشهاوي*الذي كفر تكفيرا صريحا من قبل المتشددين بعد أن صدر له ديوان "الوصايا في عشق النساء" وتصنف هذه الكتابات ^خدش للحياء العام ^وجريمة يعاقب عليها القانون رغم صعوبة تحديد مفهوم الخدش من قبل القضاء باختلاف المجتمعات ومدى تقبلها لهذه الكتابات العارية .اضافة إلى التناقض الذي يحمله القانون نفسه الذي ينظم حياة البغايا ودورها ويجعلها خاضعة لرسوم وأداءات  تحددها الدولة وتشرف على تطبيقها .
فهل وظف الكاتب في أقصوصة "شبق"الجنس فنيا ليبرز ما تعانيه المرأة عند اختلاطها بالرجل سواء في الشارع أو وسائل النقل العمومي (مكان الأحداث الذي اختاره )او في العمل من تحرش ذكور يعانون الكبت والضغوط الاجتماعية والاقتصادية وقلة الوعي وضعف الوازع الديني في ضمائرهم؟
أم كان ممن "يدس الفن في الرغام"كما قال الأديب  يحي حقي؟
كنت سأعتبر القصة [عبث في عبث ] كما وصف سارتر رواية الغريب لالبير كامي؛وباعتبار أن [ الإبداع تجربة فردية متخيلة .لا يمكن تكرارها في سياق تاريخي مغاير أو حالة نفسية أخرى.بينما وصف عملية جنسية يشترك فيها كل الناس بمختلف طبقاتهم ومستوياتهم الروحية والفكرية أمر عادي خال من الإبداع. ] حسب رأي الدكتور بهاء زكرياء الذي اشاطره فيه حين تكون الكتابة عن الجنس لغاية تجارية صرفة ولا أعتبره كذلك لأنني أرى الجنس والسياسة والدين مشتركا انسانيا مثل ومازال إشكالا في طروحاته المتنافرة والمتباينة.
وكاتب النص يتلبس بشخصية السارد ويصف لنا انجذابه وضعفه وانفجار رغباته استجابة لمثير خارجي (هذه الفتاة المندلقة عليه في مكان ضيق:المقعد المشترك 
ويخوض تجربة حسية ويعيشها بكل تفاصيلها.لكن ما ينقذ النص من الابتذال والإسفاف هو لحظة نهاية القصة التي اكتشف فيها السارد أن الفتاة فاقدة للأهلية ومضطربة نفسيا لذلك  جاءت بها والدتها "لتسحب مجاورته على الاسفلت مترنحة غائمة العينين ،ثم تجرها عبر مدخل بناية ،كتب عليها -للامراض العقلية-.
فقد صبغ على اعترافه وظيفة تجاوزية ليبدو في مواجهة مع المجتمع ويفضح ممارساته المسكوت عنها ويندرج ضمن لعبة الانتهاك التي يلجأ إليها السرد لكشف الحقيقة مهما كانت صادمة فلحظة الانتشاء هنا صنو للضعف تسلط الضوء على هشاشة الرجل عموما من خلال تجربة فردية للسارد اتخذت صهوة الكتابة ضمن الأدب "الايروتيكي" لتنادي بضرورة حماية المرأة من التحرش الجنسي الذي تتعرض له في كل مكان وحين وعدم السكوت ورفض واقع مقيت في مجتمع نصفه مريض ونصفه الآخر مستلبا ،لا حول ولا قوة له.وبذلك يبتعد الخطاب عن البذاءة ليصبح رسالة رمزية ذات دلالات تمس الواقع وتسعى لتغييره والارتقاء به ويتصادم بعنف مع ضمير مجتمعي غارق في النقص ،
يرفض التعري ويعيش الإزدواجية في كل جوانب حياته.

وأختم بالقول بأن الرفض الذي يتبناه النقاد والمثقفون لهذا النوع من الكتابة يزيد انتشاره ويغذي رغبة القارئ في مطالعته خفية فيسجل نجاحا منقطع النظير على حساب إبداعات أخرى أكثر أدبية وجمالية.لذلك يجب إرساء منهجية واضحة في نقد هذه الأعمال والابتعاد عن الأحكام  المناهضة والتجريم تماما لأنها  ستستفيد منها باعتبارها قمع لحرية الإبداع والخيال

النص: شبق ..

لاصقتْه في المقعد الخلفيّ لعربةِ الأجرة، وساقُها الممتلئةُ مالت عليه!
لماذا لم تجاوِرْه مرافقتُها العجوز؟
هرب محترقاَ إلى الأشجارِ اللاهثةِ، أغنيّة غَنجَت في المِذياع، فانكمشَ ملتصقا بالباب، وتشاغَل بركضِ الأشجار! 
كفُّها سقطتْ على ساقِه، فابتلعَ صرخةً كادت تفضحه، وجهُ السائق الخشنِ في المرآة خمّنَه يزجرُه، ذراعُها فوق فخذِه تمدّدَت، فجرى فيه وحشٌ، أصابعُها تحرّكت مترنمةً، ورأسُها استلقى على صدرِه عصفورَ نارٍ، فجُنّ الوحشُ داخلَه!
رسَمَ لها صورةََ في الأشجارِ، رآها غجريّةً تُهيجُ شَعرا فَحْمياًّ، وتُشهِرُ في الصّدرِ التفاحَ!
وفي ورقِ الشّجرِ رآها تجري، وتقول:
- كُلني! 
فانهارَ في المقعد، ينتفِضُ، حتى فوجِئ بصوت أمّها الضعيفِ؛ يوقف العربة، ثمّ وهي تنزِل؛ تمد ّذراعيْها، لتسحَبَ مجاوِرتَه على الإسفلت مترنحةً غائمةَ العينين ، ثمَّ تجرّها عبرَ مدخَل بنايةٍ، كُتب عليه:
( للأمراضِ العقليةِ)


***********

منى أحمد البريكي/ تونس


عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية