بقلم أ. محمد بلكوز
قيل: "البلاغة كلمة تكشف عن البقية"، فالبلاغة على هذا الأساس إيجاز في غير قصور! واختصار في وضوح، وبيان! وتعبير عن المراد بعبارة مختصرة، توحي بالمعنى الكثير!
ولا تقف البلاغة عند حد معنى "إصابة المعنى، وحسن الإيجاز" لتقتنع بإفهام المتلقي بأيسر السبل، والوصول إلى إقناعه بقليل ألفاظ، بل تجنح إلى فرض إعمال العقل على المتلقي، وتحريك ريشة خياله، للبحث في الكلام الموجز عن المعنى الوافر، والرسم بالخيال صورة المعنى الكامل...
لتخرج البلاغة من مهمة الإفهام، إلى مهمة تربية ملكة الفهم، وتنمية المقدرة على استنطاق الكلام، وتقليب معانيه، والتنقيب عن مراداته، للوصول إلى أبعاده المحتملة، وإدراك مقاصده الظاهرة، والخفية...
وعلى هذه الشاكلة شق الشعر العربي قديما طريقه إلى الخلود، وضمن له في المراحل اللاحقة وجودا يتحدى عوامل الزمان، والمكان، ويتجاوز ظواهر التجديد، والتحديث... ليحفظ لنفسه بالبلاغة الموجزة مكانه في ذائقة العربي، ووجدانه، ويفرض بالبلاغة المستفزة للعقل، والخيال، حضوره الواعي، باستنطاقه، ومحاورته، والاشتغال على أبعاده الأدبية، والجمالية...
ولم يكن النثر بدوره في منأى عن البلاغة، يسترسل في حشو، وإطناب، ويطول من غير لزوم ثرثرة، وهذرا!
بل صان لسانه عن الفضول، وألزم نفسه الحديث برزانة، وترو، تمثلا لقول أحدهم " "لا تنفق كلمتين، إذا كفتك كلمة"، وبالأخص، إذا صيغ الكلام كتابة، فهو يتحول إلى شيء مكلف، يدفع فيه صاحبه على الرقاع، والريشة، والمداد، ويحترز فيه عن الوقوع في تهمة الإطالة من غير ضرورة، والتطويل مع عدم الإبانة! وهي تهمة تسقط عن صاحبها صفة الإجادة، والبلاغة.
ويذكر أن جعفر بن يحيى، كان يوصي كتابه: " "إن استطعتم أن تكون كتبكم توقيعات فافعلوا"
و"التوقيع عبارة بليغة موجزة مقنعة" ولعل في هذه الوصية ما ينم عن شدة اهتمام العربي بالإيجاز، لكن مع الإبانة، والإقناع، وإلا خرج الإيجاز إلى غير المراد منه، ليعني التعقيد، والطلسمة، والإلغاز.
واحتفاء العرب بالإيجاز كان لغاية واعية، ولقصد مراد، يدلل عليه قول أبي عمرو بن العلاء في إجابته عن سائل عن التطويل، والإيجاز: "هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم ليسمع منها، قيل: فهل كانت توجز قال: نعم ليحفظ عنها.".
فالإيجاز يمثل لدى العرب مسلكا إلى ترسيخ المعاني التي يراد تخليدها، وإبقاؤها للدهر، تنتقل بيسر، وسلاسة، وتمر من عصر، إلى عصر، في أمن من التحريف، وسلامة من النسيان، والتزوير...
وهذا الإيجاز وليد التطويل، ولا يختلف عنه إلا في أمرين اثنين أولاهما أنه عاقل رزين لا يلتفت إلى الزخرفة، والبهرجة، وثانيهما أنه ذكي، يعبر بالقليل، عن الكثير...
وهذا إمام اللغة سيبويه يحكي عن امرأة من العرب كانت بغيا، بلغت الغاية في الإيجاز، لدرجة أنها تفهم، وتفهم بكلمة غانية، لا أكثر، ولا أقل، فكان يقول لها القائل: خطب، فتقول: نكح وتمضي معه.
