زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قصة مجرد زنزانة أخرى!! بقلم أ.أحمد عبد الحميد



* مجرد زنزانة أخرى!! *
بقلم أ.أحمد عبد الحميد
آلاف المطارق تضرب رأسه، غارقًا في عرقه الغزير فوق فراشه الرثّ..تمامًا كأيامه...يصحو بعد تلك السهرة التي قضاها يدخن المخدرات في المقهى ليلاً...يمزق أعصابه ذلك المواء المتقطع اللحوح لهرّ سخيف في الحارة.. كان ذلك الخوف المرضيّ من القطط يشعل أذنيه خجلاً ويورثه شعورًا بالنقيصة والخلل في رجولته..والده كان يري ذلك ميوعة مفرطة وكثيرًا مانال منه التقريع العنيف، حتى يتعلم السيطرة على ذلك الرهاب الغريب في نظر والده... رجلٌ يخشي القطط!! ....هراء!!...
لم يكن يحب المخدرات ولم تستهويه قط.. ولكنه دأب مؤخرًا على أن يجد فيها سلواه ومهربه المؤقت اللحظي من تلك الكوابيس المتراكبة التي يحياها...لبث برهة يستجمع وعيه في الفراش قبل أن يستحث جسده العاصي على النهوض، فيضطجع مشعلًا لفافة تبغ، ينفث دخانها بعيون غائمة ترمق السقف المتشقق...إن هي إلا بضع دقائق حتي يتعين عليه أن يخرج من داره ليضع نفسه فوق القضبان مثل كل صباح مكرر باهت، وكأنه سيزيف يؤدي ما قُدّر عليه من عذاب عبثي لا ينقطع...لن يلبث أن يغادر داره حالكة الجدران الكئيبة تلك، قاصدًا عربة الفول ، حيث يندس وسط جموع المنهمكين في تحطيم البصل وتمزيق الأرغفة، قبل أن يحشر نفسه في ميكروباص متهالك يحمله إلى عمله...يقضي اليوم- أو يقضي اليوم عليه للدقة- متملقًا مديره اللزج، ومتفاديًا مؤامرات الزملاء اليومية... أقصى أمنيات قلبه هي انقضاء الساعات الثقيلة ليفرّ من ذاك الصخب الذي ينهش روحه، ويعود في المساء ليدخن المزيد من المخدرات يرمم بها سلامه النفسي، حتى يتلاشى وعيه فينام...
مرة أخيرة قبل أن يطفيء سيجارته وينهض من الفراش، يجتر فيها ذلك الطيف المخملي الذي يشاغل خياله طوال الوقت..كان يفتقدها بشدة.. تمامًا كما كان يفتقد ذاته القديمة المشحونة بالبهجة والحماس وأحلام الصبا وآمال الغد..حين كان يطالع وجهه الشاحب في مرآة الحمام المغبشة، يدرك أنه صار مجرد بالون مثقوب تسربت منه كل تلك الآمال، وحلّ مكانها جالونات القهوة وليالٍ حالكة ثقيلة الوطأة، أعادت تشكيل ملامحه النضرة القديمة وخريطة روحه ذاتها..
مازالت تستيقظ هي في مجرى دماءه فتنكزه بذكراها التي كانت يومًا تضفي الألوان على الموجودات من حوله..تلك الشهب والسدوم وعطور الرياحين وروائح الكافور التي تم تقطيرها لتتشكل في هيئة أنثى..لماذا غابت وكيف عنّ لها الغياب؟..لم يدرِ قط السبب في غيابها المباغت، ولكنها كانت حاضرة دومًا رغم ذلك الغياب..شعر بنشوة بالغة وهو يسترجع لفتاتها وسكناتها وابتسامتها العذبة وتفاصيلها الرقراقة التي ذابت خلاياه يومًا فيها...
لم يقطع تلك الخيالات المنسابة بداخله سوي زئير أنثى فرس نهر يتعالى من الصالة الضيقة لداره، وهي تصرخ في أطفالها وتسبّهم حتى يستيقظوا للّحاق بمدارسهم..إتسعت عيناه في رعب وهو يرمق كومة من الشحم تقتحم عليه الغرفة مرتدية جلبابًا منزليًا حال لونه، وتراكمت فوقه بقع الزيت وآثار العرق ، تصرخ فيه كي يستيقظ، مع المأثور من الزجر اليومي ومصمصة الشفاه حسرةً على حظها العاثر الذي قسمه لها من بين رجال الكوكب!
 وهكذا...ينهض متثاقلًا ليرتدي عذاباته اليومية فوق جلده ويفرّ من قضاء إلى قضاء...إعتاد منذ سنين لا حصر لها على الفرار، حتي صار يفرّ من نفسه ذاتها، حين ينفرد بها مساءً بعد أن يدلف إلى عوالمه الداخلية.. يهرع لتدخين المخدرات التي تعينه على استرجاع ذلك الطيف الجميل..

معذور هو حين يستحيل عليه إقناع نفسه، أن ذلك التنين الذي يعيش تحت سقف داره، هو ما صار إليه ذلك الطيف الشفاف الذي ذاب فيه عشقًا منذ أعوام طوال، سقطت منه وضاعت مع ما ضاع من بقاياه!!..كان آخر عهده بالسعادة يوم فاز بهذا الطيف الرقراق في داره بعد أن زفوها إليه شمسًا تشرق على أيامه، وفراشةً ترفرف حانيةً تبثّ برقتها في أرجاء كيانه البهجة والونس... 
 متى توقفت الشمس عن منح الدفء وصارت لا تمنح سوي لهيبًا لافحًا؟ متي صارت الفراشة الرقيقة عنوانًا للشراسة؟... و كيف استحال هو من أسعد مخلوقات الله إلى ما يشبه حزمة كرفس مسلوبة الإرادة، من فرط تدخينه المخدرات وهروبه من ذلك الواقع الكابوسيّ؟ لم يعد يتذكر...حتي كلماتها التي كانت تقطر عذوبة استحالت إلى سمّ زعاف تبثه في آذانه وعروقه، حين تعافّها نفسه في لحظاتهما الحميمة ... كيف لتلك البلهاء أن تدرك أنه لا يستطيع ابتلاع حبوب زرقاء لأنه مريض بداء الكبد...وبداء الاشمئزاز ..وداء الفرار؟! لا يدري متى استحالت حياته إلى مجرد أوراق يرمقها تتساقط في إثر بعضها من التقويم، منتظرًا دوره حتى ينادون اسمه فيتجه أخيرًا إلى باب الخروج من ذلك الكوكب...
كل ما يعلمه أن هناك طيفًا ملك عليه فؤاده، ومازال يبحث عنه بعد أن توهم أنه حازه بيمينه...وأنه لن يتوقف عن الفرار من ذلك الواقع الثقيل الذي لم يسعَ إليه قط ..لن يكفّ عن كراهيته للقطط..وللفراشات التي استحالت -في ظروف غامضة- إلى أفراس نهر!!

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية