الخروج من صندوق العنصرية
*************
العنصرية هذه الكلمة التي تتخذ صفات وألوانا وأشكالا مختلفة، فهي متلونة كالحرباء، إنّها عزلة مرضية مُدمّرة لجمال أرواحنا، و بمفهومها الدقيق هي: تعصب وتمييز الإنسان سواء كان:(فردا أو جماعة أو مؤسسة معنوية، أو دولة...إلخ)
نفسه عن الغير، لشعوره المُفرط بالتفاضل عنهم، وتظهر بصمة ذلك من خلال تقزيمه لأعمال غيره وإن تفوقت؛ وتعظيمه لأعماله وإن خسرت، لأجل أنه ومن مثلهُ، ذوي سلطة وعلم ومال ونسب كما يرون أنفسهم؛ فلا يملكون الحق في ذلك بتاتا.
فالرسول الأكرم حاربها واعتبرها آفة جاهلية منتنة، ففي شأن المخزومية التي سرقت قلادة، حيث أراد زيد الشفاعة لها عنده فرده وزجره بقوله :{وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا}. والأمثلة لاتنتهي..
لهذه الأسباب أنصف كثير من المستشرقين الكبار من أديان وجنسيات مختلفة محمد الرسولِّﷺ، أمثال المفكر الفرنسي لامارتين، والإنجليزي الشهير جورج برنارد شو؛ بل دخل الكثير منهم في دينه، كل هذا لأجل دعوته القائمة على الحكمة، والموعظة الحسنة في الحوار، ومنهجيته المُعبرة تطبيقا عن: الإنسانية قبل التّدين.
لقد كانت نظرية داروين في"النشوء والتطور" وبالاً على الإنسانية جمعاء، من حيث وجود فروقات في الذكاء بين الأجناس البشرية، فبات لها نصيب الأسد في بداية العصر الحديث في الترويج للإشاعات المميتة سيكولوجيا قبل كل شيء، في أنه هناك بشر يجب القضاء عليهم كالصراصير، وآخرين ينش عليهم بالحرير.
وهذا يذكرنا بالتّاريخ الدّموي للصديقين العدوّين: هتلر وستالين، الذي ترك أثرهُ ليومنا هذا على جسد الإنسانية.
ولعل اليهود كانوا أبرع منهما تطبيقا لميزان العنصرية بالهيمنة المطلقة على العالم كونهم شعب الله المختار، وعلى القدس بأنهم ضحايا التمييز العرقي في زمن النازيين.
العنصرية في واقع الأمر نعيشها كلنا بمعايير متنوعة، لكنّ بجرعات متفاوتة، فهي تجري فينا مجرى الدم في العروق.
هي موجودة في العلم، الرياضة، السياسة، المسابقات الوطنية والدولية، في الجمال، النسب،... إلخ.
على ضوء ما سبق فمنذ بدء الخلق
والإنسانية تشهدُ تطاولا ممن ينسبُون الفضل لأنفسهم، لقد نصبوا أنفسهم آلهة على من يرونهم عبيدا في هذا الكون. وهنا تكمن ذروة العنصرية...حقيقة، فالعنصرية أصل في الظلم، لا فرع منه، وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون في
مقدمته "الظلم مؤذن بخراب العمران". وبالتالي هي لعنة فاز من قهرها، بمجاهدة نفسه و بالتواضع لخلق الله.
ويا حبذا أن هذه الغاية الغير مبررة لا أخلاقيا ولا دينيا ولا عرفيا، حقا مستواها يستحق كل هذا الحجم الهائل من الطاقة السلبية النائمة فينا كبشر تحت جلد العنصرية...
لاريب أن العلاج يبدأ بقمة الهرم في الدولة أو المملكة وينتهي إلى القاعدة بالتدرج المنطقي السليم، والدواء لا يُعطى مرة واحدة فيقتل، بل على مرات متتالية ليشفي....وهذه المراحل يتم ذكرها كالآتي:
1-على الحكومات الاجتهاد في تضييق دائرة الخلافات بين القبائل، وبين المذاهب المختلفة في المجتمع الواحد.
2- تطبيق مبدأ العدل والمساواة بين أبناء المجتمع الواحد،( الكل سواسية ، مثلا: في مسابقات االعمل والمنح الدراسية ابن الوزير ...ابن الحارس. هنا العبرة بالاجتهاد لا بالنسب أو النفوذ).
3-التّركيز على دور الأسرة في منهجية تربية أولادها، وتحريرهم من السّلوكيات التي توارثها الأباء عن الأجداد بدافع حبّ القبيلة أو العرق أو اللون، هكذا تتلاشى الأعراف المنادية بالتعصّب وخاصة في مسائل الزّواج.
4-للجمعيات الرسمية الحكومية والخيرية دور كبير جداً في التأثير على المجتمع، من حيث تنشيط دورات ومحاضرات فعلية دورية، بلغات ولهجات الدولة المختلفة.. وظيفتها إزالة الرماد من العيون عن كلمة "عنصرية" حيث أن الإصلاح يبدأ من الشخص نفسه فالأسرة فالمجتمع المدني، حيث أن سياسة الوسطية الحكيمة هي النافعة، فتوظيفها هنا مطلوب.
5- سنّ عقوبات من درجة جناية على مثيري القلاقل والفتن بين أبناء المجتمع الواحد.
ولاشك أن العلاج يطول ويأخذ سنوات، فلذلك لابد أن يُخطط له ببرامج تحت وصاية المظلات الرّسمية للدول، يسيرُها علماء مختصون في علم الاجتماع، علم النفس، العلوم السياسية، والتاريخ.. وباقي العلوم التي تصب كلها في مجرى واحد مشترك؛ فالنتيجة تأتي مُبشرة بالخير لاريب.
ولنا في وسطية الدين الإسلامي مثال النبذ الكامل للعنصرية وما تفرّع منها، حيث تقوم السياسة الشرٌعية فيه على قاعدة( لا إفراط ولاتفريط)، وهذا سبب نجاح عبقريات الصحابة في تسيير شؤون رعيتهم و دولتهم في عصرهم بعد سيدهم الرسولِّﷺ.
وتأسيسا على ما سبق: يمكن لنا كبشر مكلفين بالعمارة والاستخلاف، أن نحوّل المفهوم التّطبيقي للعنصرية العلقم، إلى بلسم فعلي للإنسانية.. بتجاوز خطابات الكراهية بين المجتمعات الإنسانية بمختلف أطيافها، معية سياسة التسامح
والنفس الطويل، والعمل على جعل عقولنا تتحاور لتتسع آفاقنا من خلال الخروج من سياسة صندوق العنصرية والعودة "لمنهج الوسطية في الوحيين"
وحاصل القول: العنصرية هي نتاج الاختلافات الكثيرة في كل شيء في جميع المجتمعات الإنسانية؛ فهذه الأخيرة يمكن لنا تحويلها إلى لوحة فنية تسعد بها الإنسانية تحت شعار
"كلمّا ارتقت مقاصدُنا، أدهشتنا النتائج".
****************
روفان الخولة غوري~ الجزائر
