مشط مكسور
******
هناك مواضيع يمكننا أن نتطرق إليها بدون خلفية ثقافية أو عتاد معرفي؛ التمييز العنصري أو العنصرية هو أحد هذه المواضيع.
لتعريف التمييز العنصري لا نحتاج لتصفح القواميس ولا فتح بوابات البحث ولا اعتماد اسم أحد الباحثين؛ هو فقط فعل نقوم به كلنا، وشعور يخالجنا جميعنا، ببساطة لأننا نقوم بالترتيب والتصنيف وفق قواعد نحن نضعها حسب مزاجنا أو ذائقتنا...
نميز الأقرباء، الأصدقاء الأساتذة، رؤساء العمل والزملاء...
نميز أيضا جيراننا حتى إخوتنا، فالعامل ليس كالعاطل، والمجتهد ليس كالغبي منهم، حتى الذكر ليس كالأنثى...
فالأب يقدس الأفضل دائما؛ الأفضل حسب تقديره هو.
إن العنصرية لا تموت في تعريفها أو تطبيقها فقط، بل تمتد إلى أشياء أخرى وتقتحم ميادين أوسع، فتتولد عنها الحروب الأهلية، المشاكل العائلية، الحروب بين الدول، الصراع الدائم لفرض المكانة لتحصيل الأفضلية، وقانون العدالة الإجتماعية يضمحل أمام قهر هذه الآفة المنطلقة من الذات الإنسانية.
تلعب العنصرية دورا هاما في تكوين الشخصية، فالذي يولد أسودا وبأنف مفلطح، تولد معه عقدة العبودية، وإذا ولد الإنسان أنثى يكبر بعقدة الوأد والعنف والتضحية، إذا درست الآداب والتاريخ يتأكد لديك مع مرور الوقت أنك على حافة طريق العلوم، فالبيولوجي أفضل منك، والطبيب أفضل من البيولوجي، وعالم الرياضيات أفضل من الجميع؛ وهكذا.
لذلك نحن نمارس التمييز على أنفسنا دون شعور منّا عندما نحاول انتهاج طريق ما، أو الحصول على تخصص لا يعجبنا فقط لنوضع في خانة المفضلين.
يحتج العالم بإحياء يوم ضد التمييز العنصري، لكنني أقف منبهرة أمام هذا العالم الذي يجتهد في نشر الوباء، ثم يؤسس ويسنّ قوانين تحارب هذا الداء...
إن مثل هذه المنظمات كذبة كبيرة، فأكبر القنوات التلفزيونية تسعى إلى نشر العنصرية، ويسعون جاهدين إلى غرس قيم يحاربونها بعد ذلك بالعبارات والشعارات فقط.
مازال العالم يعيش في جاهلية الذكر والأنثى، بعد أن بين الإسلام أفضلية ومكانة كل جنس منهما، مازال العالم يعيش في جاهلية الأسود والأبيض بعد أن مد كل واحد يده للآخر في مواجهة أعظم المصائب، مازال العالم يعيش في جاهلية تعدد الديانات بعد أن وحدّهم الإسلام وجمعهم تحت راية واحدة ووضع أمامهم طريقين.
سيبقى العالم كذلك لأن الإنسان عنصري مهما كان لونه أو دينه أو جنسه.
و إذا تكلمنا عن العنصرية في الإسلام كدين لا أشخاص فلن نجد إلى ذلك سبيلا، فبقدوم الإسلام تحررت المرأة من قبضة الذكر، واستعاد العبيد حريتهم التي ولدوا بها، وتساوى البشر كلهم إلا بتقواهم.
يقول تعالى في محكم تنزيله:
《يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم》(الحجرات: 13)
ويقول صلى الله عليه وسلم:
(أيها الناس : إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء.. كلكم لآدم وآدم من تراب.. ليس لعربي فضل على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)
رواه مسلم.
وفي الحديث دليل على أن التمييز العنصري كان موجودا قبل الإسلام وأن الإسلام قدّم الحلّ لهذا الداء، والدليل قوله صل الله عليه وسلم:
(إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)
والاختلاف هو المنطلق الذي يبدأ منه التمييز؛ لذلك قد تسول النفس لصاحبها، لماذا خلقنا بهذا الاختلاف؟ ليأتي الجواب شافيا في القرءان بقوله تعالى: 《وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ》(الروم:22)
في هذا المقال يمكننا طرح السبب والأثر ولا يمكننا تقديم حلّ؛ لأنه موضوع أكبر من الإنسان نفسه، وكأنّه برمجة تخلق مع أول نشأةٍ، حتى لو وضعنا آلاف الحلول، فإننا لا نقدّم إلا أعذارا لنوع جديد من التمييز.
لذلك فإن الأجدر بالمسلم أن يقوم بتمييز نفسه بتقواه وبعمله الصالح يوم يحشر الناس أجمعين وترفع الصحف وتجف الأقلام.
******
شهد سواكري
