زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الموت خارج النعش _ بقلم: أ. نزار الحاج علي







الموت خارج النعش 


***********



اليوم اتخذتُ قراري بإعلان حبي لزميلتي وداد؛ تقدّمتُ منها بخطواتٍ بطيئةٍ مترددة، مغمضاً عينيّ لأخفي حرجي.
عند وصولي كان زميلي الجديد في الكلّية قد سبقني إليها.

وقفتُ كالأبله محرجاً، احترتُ ماذا أقول.
الكلمات الوحيدة التي استطعت قولها:
_مبارك لكما.

التجأتُ كالعادة إلى طاولتي الصغيرة في الزاوية المعتمة من الكافتيريا، حتى أجترّ هزيمتي ببطء. 

تراءى أمام مخيلتي اليوم الذي  كنا فيه أطفالاً، ونحن نسرق  العنب من كرم أبي محمود، كيف ركض الجميع هاربين بينما أنا تأخرتُ عنهم قليلاً، فألقي القبض علي، وما زال العقاب الذي أنزله بي ذلك العجوز يؤلمني لليوم.
تلمستُ وجهي  وكأن آثار الصفعات ما زالت طازجة.

في المرحلة الإعدادية يوم تآمر الطلاب على ضرب أستاذ الجغرافيا بكرات الثلج، بينما وقفت خلف الجدار لأراقب المشهد.
 لا أعرف لغاية اليوم كيف اختفوا جميعاً بهذه السرعة، و بقيتُ وحدي عالقاً مع يده القويّة، وهي تشدّني بقوة من أذني، ثم تفركها فركاً مؤلماً

المظاهرة الطلابية اليتيمةُ التي شاركتُ بها، كنتُ الوحيد الذي زُجّ به في السجن. 

فجأةً وقفتُ مثل الممسوس؛ لقد اكتشفتُ الآن سبب كل المشاكل التي صادفتها في حياتي؛ رحتُ أركض وأنا أصرخ:
_وجدتها...وجدتها.
اندفعتُ عبر ضحكات الطلاب وهم ينادون: 
_إلى أين يا أرخميدس؟ 
_إلى أين بهذه السرعة؟! 
_باقي ربع ساعة على المحاضرة.

تابعتُ ركضي المحموم على امتداد الممر الطويل، الذي طالما عبرته وأنا أعدُّ بلاطاته السوداء والبيضاء.
_لن أدع هذه الرؤوس الممطوطة التي تطلّ من خلف الأبواب أن تسبقني بعد اليوم. 

أخيراً أصل إلى الدرج، أنزلُ بسرعة لم أعهدها، أجدُ نفسي خارج حديقةِ الكلية، ولأول مرّة لا أنتبه للوردات الحمراء عند المدخل، أنعطفُ لاهثاً، وأستمر بالركض، أكبو وأواصل لعدة ساعات...لعدة أيام...لأسابيع...ثم لشهور.

الاهتمام الخجول في متابعة أخباري، سرعان ما أصبح اهتماماً عالمياً عندما ظهرتُ في خبرٍ على الصفحة الأولى بالخطّ العريض لإحدى الصحف العالمية :
"خطوةٌ صغيرة لإنسان، تساهم في تغيير العالم". 
بعدها أصبح المراسلون يلاحقوني بالأسئلة:
_هل صحيح أنك تركض للفت أنظار العالم إلى مشاكل البيئة؟! 
_هل صحيح أنك تركض اعتراضاً على نهب ثروات العالم الثالث؟! 
_.... من أجل حماية الطفولة؟! 
دائماً ما أكتفي بنظرة غير ذات معنى وأنا أتابع الركض.
_الجهلة، سيكتشفون لاحقاً أهمية ما أفعلهُ.

المرة الوحيدة التي كانت نظرتي معبرّة عن الغضب، عندما سألني المراسل، إن كنتُ أركضُ للدفاع عن حقوق المثليين.

خلال مشواري الطويل من الركض، كانت الأحلام هي صديقي الوحيد، أدمنتُ عليها  لدرجةِ أنه لم يعد يكفيني الواقع. 

أتى ذلك اليوم الذي شعرتُ بظلِّ أحدهم يركضُ خلفي دون أن يسألني لماذا أركض، فأدركتُ أنّهُ الوحيد الذي يعرف.

بعد فترة الظلُّ أضحى اثنان، ثم أربعة، ثم صار أكثر من أن يُحصى، عرفتُ وقتها أنني حققتُ رسالتي في هذا العالم

أخيراً في اللحظة التي شعرتُ فيها  بالتعب، قررتُ التوقف
التفتُ نحو الخلف...نظرتُ إلى كلُّ الوجوه التي تلاحقني، كانت تشبهني بشكلٍ غريب.
أكملتُ دفن أحلامي، ثم تسللتُ إلى...خارج المقبره. 



************


نزار الحاج علي/سوريا




عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية