قصة انتحار الشهيد بقلم
أ. قاسم المحبشي
نظر إلى شهاداته العلمية الجامعية بحسرة وألم، وهو يتذكر مشوار حياته الطويل في طلب العلم والمعرفة، وقد بلغ من العمر عتياً.
في الخامسة والأربعين من عمره، عادت به الذكريات إلى سنوات طفولته الأولى، حينما كان يتلمس طريق الكتابة والقراءة، ويرسم حروف الأبجدية وأرقام الحساب بالقلم الرصاص على البياض، وكيف كانت والدته ووالده يشجعانه على ذلك، سرحت به الذاكرة إلى ذلك اليوم الذي ااصطحبه والديه لشراء مستلزمات المدرسة، الأقلام والدفاتر والزي المدرسي الأبيض والبيج، كان يوماً لا ينسى، فما زالت حلاوة الفرحة تضيء تلابيب عقله، ابتسم بمرارة وهو يعيد النظر إلى شهاداته العلمية، إذ حرص على الاحتفاظ بها منذ الصف الأول، ستة عشر شهادة علمية كلها تشهد على تفوقه العلمي، وحصوله على أعلى درجات النجاح، إذ سجّل اسمه على الدوام بين الخمسة الأوائل بجدارة وكفاءة لا تشوبها شائبة.
كان بارعا بالخط والرسم والرياضات والهندسة، ويحفظ كل القصائد الشعرية المقررة في التعليم الأساسي والثانوي، كان يطير من الفرح وهو يخط واجب الخط المدرسي 'من جد وجد ومن زرع حصد'، 'العلم نور والجهل ظلام'، 'العلم بالصغر كالنقش بالحجر'، 'العلم يبني بيوتا لا أساس لها، والجهل يهدم بيوت العز والشرف'، 'من سهر الليالي ارتقى المعالي'..
كان يخطها بفرح وحميمية، ويتخيل ذاته محلقا فوق أجنحة الحروف والمعاني، كانت عينيه تضيء بفرح غامر وهي تهيم في عوالم الذاكرة المفعمة بالأمل والنجاح والإنجاز، لكنه فجأة وهو ينظر إلى شهاداته التي كان قد نبشها للتو من سحارة والدته المقعدة، إذ أخذ يعيد ترتيبها على جدار الغرفة، ويمسح ما تراكم عليها من تراب وسخام..
نظر إلى شهادة الدكتوراه التي تحصل عليها منذ خمس سنوات من كلية العلوم البحرية في القاهرة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، تخصص قيادة السفن التجارية، وهذا كان حلمه الحميم منذ طفولته، كان يحلم بأن يكون طيارا أو ربان سفينة، وهكذا صار ربان سفينة كما حلم ولكنه لم يجد الفرصة للعمل، ولا يعرف أين هي السفينة التي يقودها وفِي أي الموانىء راسية، وفِي حركة لا إرادية ضرب بشهادته الماطرة بالزجاج الفاخر والخشب الأبنوس المتطرز في عرض الحائط، وقد تداعى إلى ذهنه مصائر زملاءه الفاشلين في دراستهم، وأولئك الذين لم يدخلوا أبدا بوابة أي مدرسة نظامية في حياتهم!
فأحدهم هو رئيس البلاد وآخر وزير المواصلات، وثالث مفتي الديار، ورابع وزير النفط والصناعة، وخامس مدير الميناء، وسادس قائد في الجيش، وسابع زعيم حزب كبير، وهو لا يجد نقط جملة مفيدة، وأبنائه هذا الأخير أعضاء مجلس النواب، عشرة أطفال كلهم أعضاء مجلس النواب!..
خرج من منزله يجر الخطوات بحذاء ممزق واسمال مهترئة، ذاهبا إلى رصيف العاطلين عن العمل، يحمل مطرقة وإزميل وسطل بلاستيكي، الثروة الوحيدة التي تركها له والده الذي كان عاملا في مجال البناء والتعمير.
وبعد عام من الانتظار المهين في سوق العاطلين على رصيف الوطن المذبوح، أدرك أن فرص العمل في البناء والتعمير، لم تعد متاح في زمن الحرب، فقرر الالتحاق بأحد جبهات المعارك المفتوحة، لعله يحصل على قطعة سلاح أو غنيمة ليبيعها ويعالج بثمنها أمه المريضة، لكن قدراته الجسدية، وطبيعة تأهيله العلمي المدني، لم تمكنه من التكيف والانخراط الفعّال في هذا المجال العسكري الحربي، الذي يحتاج إلى قدرات ومؤهلات أخرى، أهمها القدرات الجسدية، والقسوة والقدرة على استخدام السلاح، وعدم الخوف من القتل والتدريب الجيد على فنون الحرب والكر والفر وغيرها، وتلك مواهب وقدرات لا يمتلكها وهو ابن المدينة البحرية المسالمة، فكر بالهرب من الجبهة مرات عديدة، لكنه كان يتخيل والدته المريضة التي تنتظر عودته بالدواء والغذاء والغنيمة..
تداعى إلى ذهنه أيام البطالة المهينة على رصيف الشارع، تلك الذكريات وغيرها كانت تهبط كل فكرة لديه للهرب من الجبهة، فجأة لمعة في ذهنه فكرة الاستشهاد بالمعركة، بوصفها أفضل الخيارات الممكنة، ابتسم وهو يتخيل ذاته شهيدا، تتحدث عنه وكالات الأنباء والقنوات والصحف، ويزف خبر استشهاده لوالدته المقعدة، وخطرت في ذهنه أغنية مارسيل خليفة 'أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها حتى عاد فعاد مستشهدًا'..
كانت هذه الفكرة بالنسبة له آسرة، إذ تمنح حياته معنى وقيمة جديرة بالأهمية والاعتبار، لكن يا للأسف ليس هناك من قتال في جبهات القتال، كلهم يمضغون القات بالليل وينامون بالنهار، فكيف السبيل إلى نيل الشهادة في حرب كهذه؟!
فكر كثيرا بضرورة اغتنام فرصة وجوده في الجبهة بأي طريقة، وكان يتضرع إلى الله أن يحتدم أوزار المعركة في الجبهة ويواجه الرصاص ببسالة تمنحه شرف الشهادة، انتظر عام ولم يحدث ما كان يتمناه، فزاد احساسه بالضيق والاختناق في بيئة لم يألفها من قبل، لم يستطع التكيف مع هذا الوسط الغريب الأطوار..
كان يشعر بالغربة الخانقة وسط الزحام، وذات ليل حلقت طائرة حربية على مقربة من جبهتهم، وحدث تبادل لإطلاق النار في المعسكر، واضطراب هرج ومرج، فاغتنم الفرصة في منتصف الليل والظلام دامس، قرر الانتحار في خندقه دون علم أحد من رفقاه في المعسكر، فكان شهيدا.. وهذا هو الأمل والخيار الوحيد الذي أدركه قبيل أن يضع فوهة بندقيته على جبينه، ويضغط على الزناد، اِنتحر الشهيد ولم تمت الحكاية!
