أتقدم بالشكر الجزيل وعظيم الامتنان،
للأستاذ الناقد الحصيف/ عبدالرحيم خير
على حسن قراءته وتدبره؛ وهذه الإشادة وهبت للنص أكثر قيمة،
بارك الله فيكم ونفع بك...
قراءة نقدية للقصة الومضة (شاهد عيان ) المتوجة والفائزة
#بالمركز_الأول في مسابقة القصة الومضة النسخة 21
للكاتبة المبدعة الأستاذة/ منى نآصر .....
النص
شاهد عيان
الشظية التي انتزعتها من بطل قصتي؛ أصابت واقعي بالشلل.
؛؛؛؛؛؛ توطئة .....
الكتابة في أحد معانيها؛ هي إحدى مهارات اللغة، وهي عبارة عن عملية عقلية يقوم الكاتب فيها بتوليد الأفكار وصياغتها وتنظيمها، ثم وضعها بالصورة النهائية على الورق ..
* العنوان /شاهد عيان *
معنى جملة: شاهد عيان أي شاهد عينيّ ثابت وهو من رأى الحدث معاينة، ومشاهدة.
والشاهد إما أن يكون؛ شاهد سماعيّ وهو الشَّاهِد الذي سمِع بأُذُنَيْه ما يَرْوي أو يُدْلي به في محكمة أو غيرها، وشاهد عِيان؛ شاهد يشهد بشيء رآه على رؤوس الأشهاد و على مرأى من الجميع علانية جهارًا
قال الشاعر :
يَا ابْنَ الكِرَامِ أَلاَ تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا ،،
قَدْ حَدّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا
تؤكد دلالة العنوان بداية أن حدث القصة ليس حدثا خياليا من تأليف الكاتبة ومن بنات أفكارها وهو ما تحيلنا له كلمات القصة الأولى ( الشظية التي انتزعتها ) هذا المشهد الذي رأته الكاتبة ووصفته بدقة متناهية، فما حاولت الكاتبة انتزاعه لم يكن إلا شظية، ولم يكن استخراجها بالأمر الهين، والشظية هي جسم غريب حاد، قد يكون من الخشب أو الزجاج أو المعدن أو من غيرهم، والشظية جزء من شيء أكبر نَتَجت عن تناثره، وهي فلقة تتناثرت من جسم صُلْب، وأكثر ماتعبر عنه الكلمة فِلَق المتفجّرات وهو ما يوحي أن البطل ربما كان من أبطال الحروب فهو ليس بطلا عاديا وإنما هو من الأبطال الحقيقين ..
وللشظية أثر في الجزء الذي تصيبه فقد تسبب الألم من خلال تمزيق اللحم والعضلات، وقد تسبب ضرر يلحق بالجزء المصاب، وتختلف هذه الأصابة بين إصابة بسيطة يسهل علاجها، وإصابة بالغة قد تؤدي إلي شلل الجزء المصاب أو قد تستلزم بتره ...
والكاتبة هنا تؤكد أن الإصابة كانت بالغة وسوف يظهر أثرها لاحقا وهذا ما أكّدَته كلمة( انتزعتها) وماتوحية دلالتها من صعوبة الاستخراج ومانتج عنه من جهد وألم يجعلان القارئ يشارك الكاتبة الأحداث فيتخيل المشهد بتفاصيلة وأحداثه، بداية من تحديد مكان الإصابة، وإعداد أدوات الجراحة، وتخدير موضع الإصابة، وانتزاع الشظية وتعقيم الجرح وخياطته .....الخ
كل هذا المشهد وهذه الأحداث عبرت الكاتبة عنه
بدقة وتكثيف عَبْر كلمة واحدة ( انتزعتها ) لتحيل المتلقي وتجعله هو أيضا شاهدَ عيان بما يراه ويرسمه خياله من صورٍ وأحداثٍ سكتت هي عنها ...
تحدث الدهشة مبكرا وبداية من الجملة الثانية؛ فبعد أن أعمل القارىء ذهنه وأجهد خياله في رسم وتخيل مشهد لم يساوره شك في أنه مشهد حقيقي، لكنْ حين تحتضن عينُ القارىء جملةَ ( من بطل قصتي ) يتشتت ذِهنُهُ ويحتار عقلُهُ وفكرُه فلا يعلم إن كان البطل المقصود هو بطل حقيقي له وجود في حياة الكاتبة كونها فتاة تعتبرُ أحدَهم بطلا، وربما كان بطلها هو( الأب ، الأخ ، الزوج ، الحبيب ) أم هو بطل متخيل صنعه خيال الكاتبة في قصهها وحكاياتها، وبالانتقال السريع لكشف اللثام عن حقيقة هذا البطل، تحصل المفارقة ......
( أصابت واقعي بالشلل )
أنهت الكاتبة القصة بمفارقة بديعة ناتجة عن هذا التضاد بين ما أكدت عليه أولا في بداية القصة بأن أحداث القصة ليست أحداثا خيالية وبين التحول من الحسية في بداية القصة إلي المعنوية في عجزها،فبمجرد الولوج في أحداث القصة وقراءة عجزها يتأكد القارئ أن القصة ما هي إلا قصة خيالية، والبطل أيضا إنما هو من صنع خيال الكاتبة
وحتى الشظية لم تكن بالمعنى الحقيقي المتخيل،
ولا الإصابة كانت بالجسم أوبأحد أعضائه وإنما هي إصابة معنوية لشىء معنوي أيضا ...
وهنا تظهر مهارة الكاتبة وحسن استخدامها وتوظيفها للغة، وصدق التجربة التي عاشتها وجعلتنا تتخيل وترى ما كتبت على أنه حقيقة شاهدتها، وتجربة عاشتها.
هذا الوصف قد انسحب أيضا على القارئ الذي بدا وكأنه ممسك بخيوط الحكاية ومشارك في صنع الأحداث، إذْ بالكاتبة فجأة تسحب البساط من تحته، فيسقط في يديه ليتأكد بعدها أن القصة إنما هي تجربة صادقة عبرت الكاتبة عنها بدقة وإجادة وصلت حد التصديق وإقناع القارئ بحقيقتها ..
قصة هي من صنعت أحداثها وأصبحت بطلتها، عاشت تفاصيلها وانعكست على حياتها وأصبحت جزءا منها ....
قصة عاشتها وشاركت في صنع أحداثها أثرت فيها وتأثرت بها ....
تميز أسلوب الكاتبة بالايجاز كما ظهر في أسلوبها تأثرها بالقصص القرآني من حيث التكثيف والايحاء
واستخدام الرمز والتأكيد علي صدق الأحداث والقصص التي لم تحدث وتصويرها بأسلوب بديع يجعل القارئ يتخيلها ويراها وكأنها تحدث أمامه ..
في النهاية أتقدم بأرق التهاني للأستاذه منى نآصر لفوزها المستحق وبجدارة بالمركز الأول وأتمنى لها دوام التوفيق والنجاح ...
***********
بقلم: عبد الرحيم خير ....
