المدرسة التكعيبية للفن السردي في كتابات [عبد الكريم الساعدي] .
قراءة متأنية في نص عودة البلشون .
بعيداً عن العنوان يستهلّ الكاتب أقصوصته بمجموعة من التضادات .. وداعة وهدوء، البحيرة / طائر البلشون/ الأشجار .
عيون متوحشة ترصد وتترصد... لم ينتقل المشهد أو يتغير وإنما مزج الكاتب بينهما ببراعة وإتقان بالغين
طفل صغيرلا حول له ولا قوة // سكين تلامس عنقه في سبيلها لنحره... دولة وليدة تأمل في مستقبل أفضل، تكتنفها المصائب وتحيط بها من كل اتجاه .
هكذا يسير المنطق في اتجاه لا مناص منه ولابد من
حدوثه إلا أن الكاتب وبمهارة جراح يتقن كيفية استخدام مشرطه الحاد يلجأ إلى بصيص أمل في النجاة
( الأب / التاريخ السابق بما حواه من هزائم وانتصارات بين ضفتيه/ ليكون له عوناً على الخلاص
والنجاة ..ويمضي الكاتب متأرجحاً بين الأمل واليأس هبوطًا وصعوداً منهياً بنهاية يفرضها الواقع المعاش بكلّ توحشه، وتعطشه للدماء ونائيا بقلمه عن تكرار نهايات تقليدية أكل عليها الزمان وشرب .
القاص ينهل من معين مدرسة الرمزية كأساس لنصه إلا أنّه مزج ببراعة كما في معظم أقاصيصه بين الواقع
( الإنسان ومشكلاته الكبرى) وبين المثالي ( الطبيعة
بأشجارها وبحيراتها وطيورها) بينما يدرج في الخلفية غير المنظورة دررًا منظومة كعقد لؤلؤ تحسّه وتتلمسه بمشاعرك، وتتخيله دون أن تقع عليه عيناك .
[الرمزية وتأويلاتها المفتوحة ] ... وكأنّه ابتكر أو يبتكر نمطاً سردياً جديدا إن جاز لي أن أسميه ( المدرسة التكعيبية للسرد) وهى قطعاً تختلف جذرياً
عن تكعيبية بيكاسو، وأنا كقارئ مجتهد ولا أزعم أنّي باحث قح في الأدب فربما سبقه إليها غيره من مبدعين لا أعرفهم، وربما لي أنا شخصياً بعض النصوص
يمكن تنسيبها لهذه المدرسة، أو لهذا النوع المتفرد من الصياغة السردية، إلا أنّني أشهد لعبد الكريم الساعدي بتميزه فهو الأكثر نضوجاً وولوجاً في فصولها .
************************* محمد البنا 2016
النص :
عودة البلشون
********
في لحظة غفلة يقع في الشِباك، تحاصره عيون طافحة بالتوحش، متّشحة بالخراب، تبرز لهم ملامح البراءة طفلاً مذعوراً، منكسراً، يطلق فزعه، تبزغ على الشفاه
ابتسامات صفراء، تتهامس، تُبشّر بصيدها الثمين؛ السكين تبرق في فضاء مضمّخ بالدماء، تداعب عنقه الجميل، تحاصره التكبيرات، عيناه تستحمّان بموجة رعب، يلملم حتفه، المدى يغلق بابه، المسافة الممتدّة بين شجرة الزيتون وبحيرة الأسد تتقلص، تتلاشى، يستبدّ به عشق النجاة، يهزّه صوت أبيه :
يا ولدي، كلّما نهشتك المحن، اقطف من بستان الحلم زهرة قرنفل، علّقها على باب القلب، وابتسم .
يغمض عينيه، يبتلع شيئاً من خوفه، يرهف السمع لعزف سماوي، يتأمل طيفًا من فسحة الغياب، يعتلي سرج العشق، يهبط هناك، تشاكسه شرفته المطلّة على
بحيرة هادئة، تهدهده رتعاشة موجها، يسحره ألق فراشاتها الملوّنة، تستفزّه أشجارها المزدحمة بأصوات الطيور، يغمره ضياء فجرها العابق بنشوة الأحلام؛
السكين تتربص اللحظة، تشاكس عروجه، يسقي عروق كبريائه، يمدّ بساط الشوق لطائر جميل، ناصع البياض، زاهد، يتلو أنشودة الفجر في ظلّ لحن شجي، يطرب
الأسماع. كانت عيناه في مواسم الفرح تنظران بشغف إليه، يصيخ السمع لتراتيله، مشرعة نوافذها، الأيدي تلتفّ حوله، رقبته تلهث على حافة السكين، تبعثر صراخه، يحلم بالفناء، بالرحيل إلى عشّه؛ يغمره فيض من الوله، يحبس دمه، يخلع موته، تتشكّل أنفاسه جسراً، ينكشف الستر، يعبر ناحية شرفته مزدحماً بالوجد، حاملاً زوادته على طرف غصن الزيتون، ينتزع ذكرياته من رحم الغربة، يطوف سبعًا حول المخيم، يعود إلى نسغه، يجوب أطلال الخراب، يفتح أبوابه المختنقة بالذهول، يلثم نهد الأرض؛ ليصبح بساط العشب سجادة للصلاة؛ يتدثّر بالذكر، يغطي الأجساد
الهامدة بعباءة آذان الفجر، يصعد محتجباً بضباب كثيف؛ يحمل صرة أسفاره، يهبط على ضفة شرفته المهملة، يحاور اللحظة، تدهمه بتغريد الطائر المهاجر، ينتفض مجنوناً بالشوق، تلهث عيناه في حنان، تجوبان الآفاق، تشتعل اثنتا عشرة شمعة لرؤيته، يحطّ، يسمع نبض أُلفته، يمدّ جناحيه، يعانقه، يشمّه، يقبّله، يعاتبه :
لماذا تأخرت؟
تدمع أعين الأشجار والفراشات والطيور، تتساقط الدموع فرحاً، تختلط بماء البحيرة الهادئة؛ وقبل أن يُشيَّع رأسه، وتُلطخ أيدي الظلام بدمه، يفتح عينيه، يحدّق في مرايا السماء، يلجم فزعه، يصفع التماعة السكين بابتسامة هازئة، يتهجّى لحن الفناء، يرتّل
بخشوع آية اللقاء :
. حمداً لله، أنّك عدتَ إلى البحيرة، أيُّها البلشون الجميل
البلشون: طائر يعيش بالقرب من المياه، يمتاز بطول سيقانه ورقبته، ويطلق على البلشون الأبيض أيضًا ( مالك الحزين)
