قصة قصيرة
بقلم آمنة ذاكر
بعنوان :
تكدس
على صدر الجدار المتشقق، تَتِكُ عقارب الساعة تكتها الهادئة ، معلنة بداية ساعة جديدة في تاريخ يوم الخميس ... عام آخر يُخزن في سجلات حياتها ...
فترفع رأسها عن الوسادة وتنظر نحو وجه الساعة بمشهد رتيب كان يتكرر طوال الليل ، كانت هذه المرة الخامسة صباحاً وهي لم تنم بعد ، تَمَلملتْ ، تنهدتْ ، قطبتْ جبينها بعنف ثم أرخت كامل جسدها ، وزفرت نفساً عميقا كان يحتل رئتيها...
سحبتْ من الدرج القريب على سريرها ورقة ملونة وصنعت زورقاً صغيراً ، وطائرة ورقية، ثم طقطقتْ أصابعها ونهضتْ ، اطفأتْ بقايا جسد الشمعة الذي أكله اللهب وتبسمت بسخرية فقد كانت قد سمعت من احدى جاراتها ان رائحة الشمع تساعد على الاسترخاء والنوم فجربتْ الطريقة ، ورغم إنها اثبتت فشلها لمراتٍ ومرات ، إلا انها أرادت ان تستمر حتى تنفذ كمية الشموع التي اشترتها ، وقفت أمام مرآتها ، نصفُ وجهها يبدو رمادياً بسبب الضوء البسيط الذي يأتي من النافذة والنصف الآخر يغرق في عتمة الظلام الشتوي ! ، امسكتْ مقبض الباب الخشبي المستدير ، فتحته ببطيءٍ شديد خرجت وتركته موارباً وراءها ؛ لاتريد لأختها النائمة معها بنفس الغرفة ان تصحو ، وقفتْ ببداية السلم من الأعلى تنظر نحو بيتها الذي يبدو أصغر من كل الأيام دون ان تدرِ لمَاذا، كان يبدو ضيفاً كقبرٍ مفتوح أمام السماء الملبدة بالسحب الثقيلة ، ثم نزلتْ الى الأسفل ببطيء كانت حوافٍ الدرج مملؤة بسنديانات النباتات تلمست بُصيلة النرجس الصغيرة التي أخرجت رأساً اخضر صغيراً للتو من التراب ، رغم ان بيتهم كان مبنياً على الطراز القديم إلا أنها تحبه كما هو ، بجدرانه التي يخر منها الماء وبأرضيته التي تصدر صوتاً كالتكسر كلما ساروا عليها ، تحبه بغرفهِ الصغيرة القليلة ، وبسطحهِ الذي تملؤه الكراكيبُ واعشاش الحمامات والطيور ،
كانت على غرار اختها أكثر حرصاً على كل شيء فيه فهي تعتزُ كثيرا بأثاثه القديم َحتى إنها تخلت عن غرفتها لتحولها لمخزن للقطع وصارت تنام يوماً مع والدتها ويوماً مع أختها ويوماً تبقى سارحة في السماء والشهب _ يُطلق على نمط منزلها بالبيوت (الشرقية) والتي تُبنى ويترك في وسطها منطقة مفتوحة تسمى محلياً ب(الحوش)_ كانت ممن يجدون في احلك الظروف فرصاً للاستمتاع بالحياة ، سارت بهدوء غريب و ذهبت لمخبأها ومررت عينيها على المنحوتات المعلقة على الجدار ، على لوحة العائلة التي رسمها صديق لوالدها منذ طفولتها ومشاعرها عن الصورة مختلطة وغير مفهومة تحبها لانها تجمعهم، وتكرهها لانه رسم والدها جسداً دونما ملامح ، ابعدتْ سريعاً نظرها عن مائدة الطعام التي لم تكف المقاعد فيها عن الهرب فقبل شهرين توفت جدتها ،
دَلفت الى المطبخ ، وقفتْ على رؤؤس أصابعها ومدت يدها نحو الأعلى فتحت الدولاب العلويّ فتداخل صرير الخشب مع صوت الطائرة الحربية فبدا الدمج كصرخة رعدٍ ، وشتآن ما بين الصرختين !
أعدت لنفسها كوبا دافئا من الحليب لطالما اخبرتها والدتها ان هذه طريقة والدهم في جلب النوم لعينيه
اليوم وبعد تراكم السنوات صارتْ ملامح والدها بعيدة في الذاكرة ولاتستطبع استدعاؤها ،لكنها لحسن الحظ تتذكر معظم تفاصيله وجهه ، عينيه الخضراوتين ، وحاجبيه الكثيفين ، ولونه الذي يشبه الخبز ، تُصبر نفسها بأنها على الأقل رأت والدها ، فقد لاعبها وهي صغيرة ، حملها على كتفيه وسار فيها في (الدربونات) الضيقة وتحت القناطر الممتدة بين منطقتها ومنطقة بيت جدها ، كما علمها صنع الزهور من الورق ... ، لكن لم يكن لأختها مثل حظها ، فقد ولدتْ يتيمة الأب ، واختار القدر إسمها ليكون اسماً مشتقاً من اسم والدها ... كان هذا نذر والدتها في الليلة التي وصل اليهم خبر موتهِ ، فجأة قفزت صورة والدتها الى عينيها كيف تجمدتْ عينيّ والدتها ، وكيف أنها لم تصرخ ، ولم تبكِ أو تمزق ثيابها حزناً ، ولم تمشي في الشوارع حافية تضرب الأبواب وتنادي رجاله ليأتوا لها بجثته... بقيت هكذا حتى اليوم !
كل ماحدث فقط اغتال صوتها الذي يشبه البلبل ومزق الحنجرة والقلب... كان لطالما كان الموت يقتل ارواح المحبين، وقفتْ تتذكر كيف اخبرهم صديق والدها ان ذنبه الوحيد هو عاطفته ، كان انسانياً أكثر من قوانين البشرية الوضيعة ، فقد قُتلَ لأنه رفض إطلاق النار على ثلاثة جنود صغار هربوا من المعسكر ، رفض ان يُقتل الشُبان الذين أرادوا حياة اخرى بعيداً عن طريق الموت ، فقُتلَ معهم ...
الحرب التي مارسوها في العلن صارت لاعوام تُمارس في الخفاء حتى اشتعلتْ مجددا في مدينتها...
يعلو صوت الرصاص فوق صوت المطر الآن ، تبعه صفير الهاون وهو ينطلق حاولتْ ان تسمع دوي انفجاره ، لكنها عرفت موقعه من اتجاه العصافير والطيور الهاربة سريعاً نحو النهر ، المدينة تعج بالخوف وبقصص الموت ، تُنبؤها كوابيسها إنها ستكون رقماً من ارقامهِ قريباً ، لكنها لأول مرة لا تصدق مايتلوه كتاب التفسير عليها... او لعلها لاتريد التصديق
_الحرب في اوجها ( يأتي صوت اختها من الأعلى )
_أجل، ازداد صوت الرصاص والهاونات
انزلي للأسفل كي لاتاتيكِ رصاصة طائشة
_سأوقض والدتي وننزل معاً
_سأسبقكما نحو السرداب
هكذا لاشيء ، لاصوت للموت ، فقط رماد متناثر ، دخان يشبه نعومة الغيمة وسوادها الفاحم ، حجر ناعم يملأ شرايينها ، أصابعها التي اعتادت طقطقتها قد فرط عقد ترابطها وهربت من جسدها ...
كيف يمكنها رؤية نفسها مكومة تحت الانقاض هكذا ... ماذا عن الشموع التي لم تحرقها ، وكوب الحليب الذي لم يكتمل ، اين اختفت ملامحها من اللوحة وكيف صارت كوالدها سواد باكٍ ، هل هو الموت...
هل ستُنسى ملامحها؟
تنزلان ، تلطمان خديهما ، تنثران الرماد تستصرخان الجيران ، صوت والدتها تمكنتْ من سماعه مجدداً، لكنها لاتغني "دللول" لها ، بل تلطم خديها الجميلين كيف للصدمات ان تعالجنا هكذا !
إسمها يبدو جميلاً في فم والدتها
أجمل بكثير من كل الثلاثة عقود التي عاشتها...
