قصة قصيرة
دعاء الكروان
*******
( على دلعونا وعلى دلعونا
بَي بَي الغربة الوطن حنونا
أمي يا أمي حبيبي وينو
سكّر البحر ما بيني وبينو
كَنُّو مديون ل اوفي له دَيْنُو
عشرة عصمللي ما بيهمّونا)
كانت أول مرّة أسمعها بصوت أمّي؛ أتى صوتها جميلاً شجيّاً كأنّه خرج من جبِّ عميقٍ من الحزن، وعلى الرّغم من حداثة سنّي فقد انطبعت هذه الدّلعونا بذاكرتي كأنّها علامة مسجّلة بصوت أمّي، لدرجة أنّي عندما كبرت وعلمت أنّها نوع من الفلكلور أبت أُذني أن تستسيغها إلا بصوتها، وأبيت أن أصدق إلا أنها من نسجها؛ من حزنها نبعت وبكامل أحاسيسها خرجت تصدح لتبثّ القشعريرة بجسدي الصّغير؛ كانت تجلس على دكّةٍ خشبيةٍ صغيرة، أمامها طشتٌ معدني وعلى يمينها بابور الكاز تقوم بحقنه بضعاً من المرات كلّما خبا فتيله، فتتّقد ناره ويعلو هديره من جديد، عليه برميلٌ صغيرٌ لغلي قطع الغسيل الأبيض ترشّ فيه برش الصّابون ومسحوقٌ ناعمٌ نيلي اللون، وبين الفينة والأخرى تقوم وتُكبّس الغسيل بعصا خشبيّة طويلة حتى يغلي كلّه ثم تخرج من البرميل قطعة أو قطعتين؛ تضعها في الطشت و تقوم بدعكها فتراً فتراً وهي جالسة على الدّكة تغنّي دلعونتها الحزينة؛ كنت صغيراً كي أدرك سرّ دمعتها الّتي فرّت من عينيها، فراحت تمسحها بطرف كتفها وهي تدعك الغسيل وقد خرج صوتها متهدّجاً عندما وصلت إلى هذا الشطر (سكّر البحر ما بيني وبينو). فجأة يعلو صوت الرّياح وينهمر المطر غزيراً تترك أمي الغسل وتركض ملهوفةً كأنها تذكّرت شيئاً غاب عنها طويلاً؛ تضع ملاءتها على رأسها وتصعد السّطح ألحق بها تنهرني لكن لا أرتدع أمسك بطرف تنًورتها الفضفاضة وألتف بها والمطر شديد تقف أمي شاخصة باتجاه البحر كانت أمواجه عاتية تناطح الصّخور كالثّور الهائج وأمّي تلهج بلفظٍ واحد (يالطيف إلطف يالطيف إلطف )
كان سطح الجيران ملاصقاً لسطحنا وقد وقفت عليه جارتنا أم أحمد بدا حالها كحال أمي كحال مئات الأمهات الّلواتي غيّب البحر أولادهن، فلما انتبهت لأمي بادرتها (يارب احميهم وردّهم سالمين هاد شباط مالو رباط يا أم محمد)
ردّت أمي وهي تدفع المطر عن وجهها بساعدها بينما تواصل النّظر إلى البحر:
(هي نوّة الحصون* يا أم أحمد بدأت، الله أعلم السّنة قوية كتير). ثم تواصل الدّعاء يارب اِلطف يارب ترجّع كل غائب سالم
وأم أحمد تردد (يارب الله يحميكم يا ولاد الله يحميكم يارب يارب).
كانت السّفينة تتأرجح بفعل الأمواج الهائجة كريشة في مهب الرّيح بينما تغمرها المياه مع كل ميلان يمنةً ويسرة. وأنا أقف على الجانح الأيمن أتشبث ب (دربزون) حديد عندما سألني أحد البحارة وهو يربط حزام سترة النّجاة تحسباً لأي طارئ: من أين تأتي بهذا الهدوء ورباطة الجأش ؟
ابتسمت وقلت: أسمع دعاء أمّي.
-* نوّة الحصون معروفة عند أهل الساحل تبدأ 23 شباط حتى 3 آذار.
**********
عمر حبيب/سورية
