زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

لسيد كوفيد تسعة عشر _ بقلم: الكاتبة/ شمس الأصيل








 قصة_قصيرة


السيد كوفيد تسعة عشر

**********


   ركلت باب غرفتي على طريقة صاحب الكعب الذهبي رابح ماجر، أصدرت صريرا مزعجا وصوت ارتطام قوي، استلقيت على سريري بحنق شديد، أفكر بحل لما أنا فيه دون جدوى، خرجت الكلمات من بين أسناني: لو كان كورونا رجلا لقتلته
   فجأة، سمعت قهقهة صاخبة، هاربة من إحدى مشاهد الساحرات الشريرات بأفلام الكرتون ترن بجنبات الغرفة؛ تلفت حولي بريبة ممزوجة ببعض الخوف، ثم حملت هاتفي متمتمة: تبا!... يبدو أني أصبحت أتخيل أيضا! 
- لا تتخيلين يا سيدتي... سمعك مستيقظ تماما.عاودت الالتفات برعب وقد استويت جالسة
- أنا هنا... عند النافذة.
استدرت لنافذتي المفتوحة... اللعنة! لقد نسيت إغلاقها، لو رأتها أمي لأشبعتني توبيخا... مهلا! ليس وقت التفكير بهذا الآن، من هذا الذي يحدثني من النافذة اقتربت منها بخطوات مرتبكة، لكن الصوت أوقفني: لا تقتربي... ارتدي قناعك لو سمحت!
ترددت، ثم فتحت درج خزانتي، أخرجت كمامة وقمت بارتدائها، تساءلت بريبة: من هناك؟!... أنا لا أرى أحدا!
ارتديت نظارتي الطبية وركزت بصري جيدا، إنه هناك يجلس على حافة أصيص شجيرات النعناع ذات الرائحة النفاذة؛ مخلوق صغير جدا لا يكاد يرى، جسمه عبارة عن كرة خضراء مدببة بيدين وساقين، يرتدي نظارات شمسية وقبعة سوداء، يربع يديه ويضع رجلا على الأخرى.
- يا إلهي!... ما هذا؟! من أنت؟!... سألت بتلعثم.وقف نازعا قبعته، منحنيا في احترام شديد: أهلا بك سيدتي... أنا السيد كوفيد تسعة عشر.
- ماذا؟!... السيد كوفيي... هل تقصد أنك فيروس كورونا؟
- أنا من عائلة كورونا... غير أن اسمي هو كوفيد تسعة عشر. تراجعت خطوتين للوراء في هلع لا أصدق ما أرى وأسمع، ثم استجمعت رباطة جأشي مقررة تلقينه درسا لا ينساه
- ماذا تفعل هنا؟... وكيف وصلت لنافذتي أيها الفيروس اللعين؟!
- أنت تجرحين مشاعري أيتها السيدة الجميلة؟... ماذا فعلت الآن كي تشتميني وتلعنيني بهذه الطريقة الفجة؟!
- حقا! تتحدث عن المشاعر... ولا تعلم ما فعلت أيضا!
- حسنا... أعلم جيدا أنك غاضبة مني فقد كنت تتوعدينني بالقتل قبل قليل... لكن اسمحي لي بالدخول كي نتحدث براحة فأنا أشعر بالدوار في الأماكن المرتفعة. ليقفز بعدها إلى الداخل ثم يتسلق سريري ليجلس على طرفه بأريحية
- تعالي، اجلسي وسأجيب جميع أسئلتك.
جلست على الطرف الآخر من السرير متمتمة في تذمر: بغرفتي ويدعوني للجلوس... ما هذه الوقاحة!
- لست وقحا يا جميلتي، أنا فقط اجتماعي ولا أحب التكلف.
- حسنا... توقف عن معلقة الفخر هذه وأخبرني كيف وصلت لنافذتي؟
- لقد سحرتني رائحة النعناع الزكية فتسلقت الجدار حتى وصلت إليها. 
- بل قل أنك كنت تنوي التسلل عبر النافذة وإيذاءنا أيها الفيروس.
- ها قد عدت للشم ثانية!... لا تطلقي علي هذا اللقب مرة أخرى... ثم أنا لست لصا كي أتسلل من النوافذ مثلكم أيها البشر، ولو أردت إيذاءك ما كنت طلبت أن ترتدي القناع.
- ماذا تريد إذن، أنت وعائلتك المشؤومة؟!... لقد أفسدتم حياتنا، حصدتم الأرواح، نشرتم الرعب في كل مكان... حاصرتمونا في البيوت... لم نعد نستطيع المشاركة لا بحزن ولا بفرح! انظر بسببك أنت وعائلتك لا أستطيع حضور حفل زفاف أقرب صديقاتي... أبي يمنعني من الذهاب... هل تعلم كم انتظرنا هذا اليوم؟ وكم خططنا له؟!... أما الآن فأنا هنا حبيسة هذه الجدران الصماء، وهي لن تكتمل فرحتها بدوني، وكله بسببكم... وفوق هذا تحتج على لقب فيروس!
أطرق برأسه لبعض اللحظات ساد فيها الصمت الرهيب، شعرت فيها بأني انتصرت عليه، فارتسم على شفتاي شبح ابتسامة ساخرة سرعان ما اختفى حين بدأ الكلام
- أتفهم غضبك جميلتي، وأستسمح لك العذر بأن تنعتيني وعائلتي بالفيروسات، لكن لماذا تلقين بحمل اللوم على ظهورنا الضعيفة التي لاترى؟! هل نحن فقط الشياطين وأنتم أيها البشر ملائكة؟ ألا يوجد منكم فيروسات تدب على الأرض بقدمين وتبطش بيدين لتفسد فيها؟!
- ماذا تقصد الآن بهذا الكلام؟
- نحن يا سيدتي مخلوقات مسالمة كل مانريده هو التكاثر والحفاظ على سلالتنا مثلكم تماما... المكان المثالي لذلك هو جسم الإنسان... هذا قدرنا وهكذا خلقنا... أما أنتم فتهاجمون بشراسة، وبدون رحمة.
- ما علاقة الرحمة بما نتحدث عنه؟... ثم أنت آخر من تجري هذه الكلمة على لسانه.
- سأثبت لك أيتها الجميلة أن العكس هو الصحيح... نحن مثلا جميعنا نقدم نفس التضحية من أجل انتشار سلالتنا، ونواجه ذات المخاطر في سبيل ذلك، نسكن جميع الأجسام بدون تفرقة... أما أنتم فكل واحد يقول نفسي نفسي؛ تسطون على أدوية ومساعدات بعضكم، تعالجون أشخاصا وتهملون آخرين كأن البعض منكم سلالة نقية تستحق الحياة والبعض الآخر قمامة ترمى مع أول عاصفة تهاجم سفينتكم.صمت، لم أعرف بما أجيب، لكني قررت الدفاع عن بني جلدتي أمام هذا الفيروس المتحذلق حتى النهاية.
-لو أنكم رحماء كما تدعي ما كنتم قتلتم الآخرين كي تحيوا وتتكاثروا... ولولا شراستكم وتعطشكم للدماء لكان العلاج يكفي كل سكان المعمورة.
- دعيني أذكرك ببلد مولد جدي الأكبر، إنها بلاد ماوراء الصور، فكيف وصلت أنا إلى هنا؟! طبعا أنتم نقلتم سلالتي ونشرتموها بجشعكم، لأن كل منكم يفكر بمصالحه ويفرح لخسارة الآخر... في البداية أهل تلك البلاد تكتموا عن وجودنا، وعندما خرج الأمر عن سيطرتهم وأخطروكم به تشفيتم بهم ولكل أسبابه وذرائعه... ففتحتم لنا المجال كي نسافر وننتشر بينكم.
- ربما هذا صحيح... لكن هذا لا يعطيكم الحق في قتلنا من أجل أن تستمروا أنتم بالعيش.
- أنتم أنفسكم تقتلون بعضكم من أجل أن تستمروا بالعيش... يقتل قويكم الضعيف... تقتلون الحيوانات التي تستطيبون لحومها... وتأخذون من الطبيعة ما تشتهي أنفسكم... والآن تتذمرون لأن أحد عناصر الطبيعة سيأخذ منكم ما يقتات به!
- دعنا من هذا الجدال العقيم الآن وأخبرني كيف نشأت سلالتكم المقدسة هذه؟ 
-مع أني أشم رائحة سخرية في كلامك لكن سأجيب كما وعدتك... حتى في هذه اختلفتم أيها البشر وتبادلتم التهم؛ هناك من قال أننا نشأنا من الطبيعة وانتقلنا عبر الحيوانات القذرة، وهناك من قال أننا نتاج تجارب مخبرية خاطئة، وهناك من قال أنه تم تصنيعنا عمدا، وطبعا هناك من لا يصدق بوجودنا حتى الآن... وأنا لا أعرف أي الروايات أصدق لأن جدي الأول لم يترك لنا مذكراته، فقد كان مشغوﻻ جدا بتطوير سلالتنا عن سلالة أبناء عمومتنا... ربما في المستقبل سنكتبها نحن الأحفاد على هوانا وكما يحلو لنا كما تفعلون تماما.
- أبناء عمومتكم!
- نعم... إنفلونزا الطيور، والخنازير، وكل فيروسات الإنفلونزا المسومية يعتبرون أبناء عمومتنا فنحن عائلة فيروسات كورونا.
- وماذا عن فيروس إيبولا؟!... ابن خالكم على ما يبدو.
- تستطيعين اعتباره كذلك... طالما أنه فيروس.
- حسنا... ومتى تنوون الرحيل يا سيد كوفيد تسعة عشر؟!
- لا تسخري من اسمي... فأنتم كذلك تتسمون بالأرقام وترثون الكراسي والعروش اعتمادا عليها... أما عن الرحيل فلا اظته قريبا... لكن لا تقلقي يمكننا التعايش معا.
-كيف ذلك؟ 
-ببساطة التزموا بالوقاية والنظافة والتباعد الاجتماعي... وهكذا سنعيش في الطبيعة دون أن نصل إليكم.
-من الواضح أنه لا حل لدينا غير هذا، على الأقل في الوقت الراهن... لكن بكل تأكيد سنجد دواء يقضي عليكم كما قضينا على أبناء عمومتكم وأبناء أخوالكم.
- <إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان>... لكن رجاء عندما تصلون إلى الترياق لا تتحاربوا من أجله فتدمروا مخلوقان الطبيعة بأسحلتكم الفتاكة ثم تضعون اللوم علينا.
لم أستطع التعقيب على كلامه فكل أسلحتي الأدبية التي طالما تفاخرت بها قد نفدت أمام أسلوبه وفصاحة لسانه، انتشلني صوته وقد وقف على حافة النافذة
- حسنا دعيني أغادر قبل أن تأتي والدتك لترش تلك المعقمات التي تخنقني... وداعا يا جميلتي.ضحكت بسخرية قائلة: لو سمعك أخي تغازلني هكذا لدعسك بقدمه.
- لن يقضي علي بهذه الطريقة... بالعكس حينها سألتصق بجسمه وأصل إلى جهازه التنفسي وأقضي عليه... أخبرتك أن لا شيء يخنقني سوى تلك المعقمات اللعينة. 
- بالطبع ستؤذي شخصا ما!
- من واجبي محاولة التكاثر وزيادة أفراد من سلالتي... وقد ألقى حتفي في سبيل هذه المهمة... هذا يتوقف على الشخص الذي أقابله.
نزع قبعته منحنيا باحترام مرة أخرى، ثم قفز إلى الخارج ملوحا بيده اليسرى، أما أنا فلم أكن أصدق ما جرى وما سمعته من هذا الفيروس الذي يعرف عن عالمنا كل صغيرة وكبيرة، فكرت بأن هذه هي نقطة قوته بالتأكيد. لكن صوته قطع ذهولي فهرولت إلى النافذة أبحث عنه، كان واقفا على إحدى وريقات النعناع وقد استأصلها من الساق
- لقد عدت كي آخذ هذه الورقة معي؛ تنقلني بشكل أسرع وأستمتع برائحتها... الوداع يا جميلتي.
ثم قفز بورقة النعناع مثل بساط سحري وقد على صوته المنتشي: ياهووووو
  مددت رقبتي أتتبعه ملوحة له بيدي وقد علت محياي ابتسامة عريضة اختفت عندما انتبهت لابن الجيران الذي ينظر إلي بدهشة كبيرة من شرفة العمارة المقابلة، فأغلقت النافذة بسرعة قبل أن يتصل بمصحة المجانين.

تمت بحمد الله. 

******


#قلم_شمس



























عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية