قراءة نقدية بقلم الأديب المغربي المصطفى الصغوسي للقصة القصيرة جدا "حرية" المتوجة بالمركز الأول عربيا في زمرة الأدب الملكية فرع القصة العربية:
قراءتي في نص "حرية" المبدع الأردني أسامة الحواتمة
*****
القراءة بعنوان: القصة القصيرة جدا بين السيرورة والصيرورة نص حرية المبدع أسامة الحواتمة من الأردن نموذجا.
****
النص:
حرية
مَدَّ كل منهم إصبعًا واحدًا مُؤَيِّدًا للقرار، إلّا أوسطهم رفع إصبعين على إبهامه المعقوفة؛ لما رقد الجميع على الأرائك ينظرون... ظلَّ وحدُهُ مُنتصبًا عَلَى شُعَيرَةِ بُندُقِيّة.
******"
وسط التراكم المشهود والأساسي في سيرورة تطور الجنس الأدبي، تطالعنا بين الفينة والأخرى نصوص قمم تنأى عما يصفه بعض الدارسين بعرج البدايات. وبعبارة أخرى فإن عمل الناقد في بحثه عن النص المعبر عن جنسه والناطق بخصوصياته ومميزاته الفنية والمضمونية، يشبه إلى حد كبير عمل المنقب عن الماسة اليتيمة وسط أكداس من الحصى والحجارة.. فبالقدر الذي يبدو فيه تراكم النصوص مفيدا في بناء الجنس الأدبي وتشييد معالمها وحدوده، بالقدر نفسه قد يكون هذا التراكم مضللا للمبدعين في أول الطريق.. وهذا الوصف ينطبق اكيد، على جنس القصة القصيرة جدا في سيرورة تأكيده على ملامحه وهويته وهذا التراكم اللافت الذي تشهده نصوصه وذاك الإغواء الجميل الذي تمارسه نصوصه على ناشئة المبدعين فيراكمون ما يساهم في صيرورة هذا الجنس وتحوله.
إن نصوص المبدع أسامة الحواتمة، هي من تلك القمم التي تشربت هذا التراكم المشهود لنصوص القصة القصيرة جدا بوعي واناة، وساهمت، إلى جانب غيرها من نصوص مبدعات ومبدعين آمنوا بمهمتهم في منح هذا الجنس الأدبي ف تلك النقلة المنتظرة والمرجوة إلى الصيرورة.
ذلك ان هذه الطينة من النصوص، هي من يجعلنا ندرك جسامة العمل الفكري والإبداعي التاوية وراء النص الققجي لحظة/ أو لحظات انكتابه، وهي أيضا ما يدفع عن المتلقي وهم استسهال خوض غماره واعتباره رَجَز الأجناس الأدبية ومطية من لا مطية له.
نص حرية، وفي نظري، نصوص المبدع أسامة الحواتمة، هي من تلك النصوص القمم المتعبة ذات العمق المفضي إلى الصيرورة التي تحدثنا عنها( انظر نماذج لهذه النصوص اسفل هذه القراءة)، لا تمنح نفيس درها إلا بعد قراءات متكررة، كل قراءة منها تفتح أمامك دائرة جديدة من التأويل ومن معنى المعنى، لأنها ببساطة هي جزء ظاهر فقط من جبل جليد يحجب عمليات متعدد من المحو والإزالة، التركيب والتفكيك واستحضار للوعي الفردي والجمعي، للقلق الوجودي وللوعي بالعالم لَدَى المبدع، ولغيرها من الخلفيات المعرفية والايديولوجية التي تنصهر أثناء مخاض الكتابة، وتستدعي من قارئها أن يعيش المخاض نفسه ليتواصل مع النص وينال مكافأة فك شيفراته.. طينة من النصوص تجعل من القارئ منخرطا في الإرتقاء بالمعنى نحو المعنى. بعيدا عن الإسفاف المبتذل والفضح المعيب، وبعيدا أيضا، عن الإلغاز والطلسمة الفجة.
نص حرية
مارس العنوان وظيفته التشويقية الحاملة معها أسئلة: حرية من وممن؟ طريق الحرية وثمنها؟ ... دون فضح قد يشوش على عملية التواصل مع النص. فعلى الرغم من أن لفظة حرية شديدة التداول، لكن يظل لها ذلك الرنين الجميل الذي يشد الأسماع والألباب. ويضعنا في قلب المشتهى والمتمنى، كما يضعنا في قلب المواجهة والصراع. فلا مطلب بالحرية إلا من نقيضها، ولا مطلب بالحرية في وجود الحرية..
بتجاوز عتبة العنوان، يضعنا مبدع النص مباشرة، في خضم هذه المواجهة، والتي ينتظر فيها الحسم باتخاذ قرار، في سيناريو يحيلنا بذكاء على الموائد المستديرة وطبخاتها المشبوهة، وما أكثرها في عالمنا العربي وديمقراطيته الزائفة القائمة على خيار العصا والجزرة( مسلسل المفاوضات، المؤتمرات والقمم، صفقة العار ... وغيرها)، والمواجهة هنا بين من استمرأ الجزرة ومنّى النفس بالنعيم الزائل مستسلما لإغراءات المال والمنصب(وهذا ما افادته صورة الجلوس على الآرائك)، وبين من يرفض بيع القضية والضمير، ويرفع لاء الرفض الحر الأبي في شكل إشارة النصر أو الشهادة ( إشارة بأصبعين على إبهام معقوفة) دون أن تنال فوهة البندقية الموجهة إلى الرأس الشامخ من عزم القرار وسداد الموقف.
صراع ومواجهة مصيرية خيوطها متشابكة تدور رحاها بين إخوة وأشقاء، على أرضهم وبأيديهم، لكن زمامها وزر تحكمها في يد عدو متربص يتقن في الخفاء تحريك الخُضَّع الرُكَّع لتمثال حرية زائفة. فتغدو الحرية نقيضها، وتتسع دائرة المواجهة بين غرب وشرق، بين سائس وخاضع.
إن قوة نص حرية، هي في هذه القدرة على تشريح واقعٍ مُرٍّ مغلف بإغراءات طنانة وشعارات زائفة، كما في قدرته على الإقناع برفض حرية مهداة مقابل حرية منتزعة بقوة الموقف ووحدة الصف.
ألف شكر للمبدع أسامة الحواتمة على عمق الرسالة وأصالة التصور الفني.
*****
نماذج لنصوص ذات العمق للمبدع الأردني أسامة الحواتمة:
1- مَلحَمَة
اللُّصُوصُ الَّذِينَ سَرَقُوا المِصبَاح، أَومَأَ لَهُمُ العِفرِيتُ بِنَشرِ الوَبَاء... كُلَّمَا تَعَسَّرَ التِّريَاقُ شَبَّكَ وَلَبَّى لَهُم: - مَطعُومُ الشَّرَائِحِ النَّانُومِترِيَّة.
لَمَّا بَاتَتْ عُقُولُنَا رَهنَ إِشَارَةِ العَنكَبُوت؛ اِنتَفَضَ عَلَاءُ الدِّين.
2- أثمان
رآهم يقعون بالموناليزا عدسة "ابن
الهيثم"، خرج من متحف اللوڤر
مفتخرًا بهذا الإرث، عاد إلى البصرة
مصدومًا...
أطفال يصنعون من بقايا الدبابات
تمثال الحرية.
3- تَمْكِين
اِتَّخَذَتْهُ سَيَّارة من البئرِ مَأسورا في
سراديب العشق، ولمَّا حَلَّتْ العِجَاف
اِنحَنَت قضبان الأرض لِأَمره؛
أَدرَكَ أنَّ النَّحسَ الذي صَاحَبَهُ دَومًا،
كان يُعَلِّمْهُ...
كيف يجلس على الكرسي.
