المجنون
*****
لا يحس بقيمة الراحة إلا من تذوق التعب, أخيرا بعد أسبوع شاق أحصل على يوم إجازة, وحتى الإجازة لا تسلم من المشاغل ,لائحة طويلة من الحاجيات معدة سلفا , أتسوق, أتبضع, أستحم ,ثم أختم يومي بزيارة للحديقة أستمتع بزقزقة العصافير وخضرة المكان, و أحلى ما في الأمر أجلس مع ذاتي فيلفنا سلام روحي وراحة بال, أعيش أحلام اليقظة أصنع عالمي بيدي ,من يراني على ذلك الحال منزويا أحادث نفسي و ألاعبها, أبتسم لها أحيانا و أغضب منها أحيانا أخرى, يحلف أغلظ أيمانه أنني شخص مختل عقليا . لكن هذا الملاك الصغير المقعد على كرسي متحرك ينظر إلي على غير كل النظرات ,يبتسم في وجهي فأبتسم له ,رمقني والده بعينين يتطاير منها الشرر محنقا يدفع كرسي ابنه بعيدا عني ومدمدما:
إما مجنون و إما مجرم يستهزئ لحالنا.
لأول مرة أكتشف أن الجريمة و الجنون علامتهما واحدة وهي ابتسامة حانية.
ظللت أراقبهما و الأب بين الفينة و الأخرى يلتف وراءه كأن غولا أو فزاعة كتلك التي يصنعها الفلاحون لتحمي المحاصيل الزراعية من مناقير الطيور تتبعهما.
هي طبيعة الأب دائما يستأسد كلما ظن أن الخطر يروم أسرته لذلك عذرته و إن أساء الظن بي.
ولما اطمأن أنني لا أتتبع خطواتهما اختار لهما مكانا أبعد عني إلا أنهما ظلا تحت ناظري , الأب جلس و أعطاني بظهره, والابن بيديه الصغيرتين يضغط على العجلات في حركة دورانية حتى يصيب زاويتي, ولما رأى والده قد غاب عن عالمه و اتصل بهاتفه , أشار إلي بتحية السلام فأشرت بمثلها, ثم خفت نظراته و تركزت على أطفال يلعبون بالكرة متمركزين بين مجلسينا , يجرون, يقدفون الكرة, يصطدمون, يسقطون ,يعلو الوحل ملابسهم, يتعانقون ويمرحون, يصفق بيديه مبتهجا لذلك المنظر, لكن سرعان ما تغيرت سريرته من فرح إلى دمعة ساخنة على خده وعيناه مسمرتان على رجليه , يشهق شهقات يهتز لها جسمه والأب في خبر كان. بينما أنا أعتصر ألما لهول الصورة, حائر بين التدخل من عدمه مستغربا لأمر هذا الأب إما أنه اعتاد دموع ابنه فأصبحت روتينا يوميا عاديا لا تحرك فيه شعرة, أو أن هناك أمرا جللا يشده إلى هاتفه, انقطع حبل تفكيري حينما رأيت الصبي يحاول رمي جسده من على الكرسي إلى الأرض, فانطلقت
مسرعا أحاول إدراكه , إرتميت عليه أثبته على الكرسي بلكماته الصغيرة المضطربة حاول منعي دون أن ينظر في وجهي, سرعان ما أطلقت ساقي للريح حينما سمعت الأب يصرخ بملء فمه
أمسكوه يريد اختطاف ابني
في كل خطوة أخطوها أتساءل " ما هي الجريمة التي ارتكبتها"
ربما ارتكبت جريمة؟
بين السؤال و البحث عن جواب فقدت بوصلة تفكيري
والناس من ورائي يلحقون بي صائحين
أمسكوا ذلك المجنون.
********
سمير اليعقوبي
