رسالة تعزية
*****
لازلت أعيش على ذكراك، فالندوب لا تبرح مكانها ولو طال بها الزمن، رحيلك كان ضربة قاسية حطمتني، حتى الجدران علتها الخدود وكستها شباك العناكب.
لم يصدق أحد أنك سترحلين يوما هكذا ودون سابق إنذار، ولم يخطر ببالي بأنك ستتركينني وحيدا أتخبط في هذا العالم الذي فتحتِ أنتِ عينَيّ على أسراره ودهاليزه.
لا يزال مكانك شاغرا في روحي كما على الجدران، هاهي قد تشققت ونما العشب الأخضر مكانك.
كنتِ تبدين لي حلما بعيد المنال؛ فكنتُ أكتفي بمراقبتك من بعيد، أتملى طلعتك البهية، وذاك الرداء الأسود الذي كان يلفك بهاء، سواد يفرش حياتي مروجا تطرّزها شقائق النعمان، كان في الحقيقة سوادا يليق بك، فيوقع قلبي في متاهات الحيرة وينهش صدري حرقة كلما غاب عني لحظة، ومن ذاك السواد أتقنت التخشّع في صلاتي على بلاط أعتابك، وعلى إثره كنت أتعقّب نقع خيل عنترة على أطراف أهدابك، وأنسج نونيات زيدون على حواشي عباءتك، وها أنذا اليوم أقف قيسا هائما على أطلال توْبادك..
لقد قضيت صباي ومراهقتي وشبابي معلّقا كل آمالي وطموحاتي عليك، بصري لا يفارقه طيفك.
لا أزال أتذكر أول يوم تواضعتِ لي وحضنتني بين ذراعيك؛ فألفيتها حضنا دافئا، فعلى وقع نبض قلبك على صدري تعلمت دروس الحساب، وخططت بيدي بين أضلاعك أولى حروف العشق و أجمل قصائد الغرام الأول، وبين جناحيك كان يحلو لي أن أستمتع بحكايات شهرزاد، ولكن ها أنت تغادرين عند صياح أول الديكة..
دخلت ذلك اليوم حجرتي مشتاقا إلى حضنك، إلى لفة من جناحيك الوديعين.. آه كم كان المكان موحشا! كان خلاءً بحجم الصحراء.. أحسست بهوة تحفر في صدري، كما شعرت بهوة سحيقة دون قرار تجرفني إليها ويجرف العالم معي نحوها، وأنا أصرخ هائما على وجهي.
-لم يحدث هذا منذ ثلاثين سنة، فكيف ترحلين فجأة؟!
بادرني أول المُعزّين ساخرا:
-لقد انتهى عهد سبورتكَ السوداء الخشبية، إنه عهد جديد، عهد السبورة الإلكترونية.
*******
الزهراء وزّيك
