آخر ما كتب الجلاد
قصة قصيرة.
قبل أن تقرأ:
كل أحداث القصة من وحي الخيال المحض، أو هي من شذرات الماضي البعيد ، وهي لا تمت بأي صلة إلى واقعنا اليوم في بلادنا العربية ، حيث أنعم الله علينا في هذه الأيام بالعدل الناجز، والخير الوفير، والديمقراطية المنصفة.
شكرا لحظوظنا التي جعلتنا نعيش حتى نرى هذه الأيام
*******
لست أخشى الموت، ولا أهاب الحساب. المشكلة فقط في الكيفية والوسيلة. أريد نهاية شريفة، كنهاية جندي يحمل بندقية فترديه طلقة على الصدر في ميدان المعركة. لم أجرب المعارك. لم أعرف كيف أصارع طرفا يكافئني في القوة والرغبة. لم أجرب إلا أن أكون قويا، وأن يأتيني مخلوق هزيل وذليل، فتفور في نفسي شهوة البطش، وتثور فيّ النشوة حين أسمع صوت الصراخ، والاستجداء. حين أرى شكل الجلد يتمزق، ومنظر الدم وهو ينزّ. رائحة القيح، مع صوت الأنّات، والتوسلات.
كنت جذر الدولة. أساسها وخرسانتها المسلحة. وكلما ازدادت سفالتي علت هيبتنا وعزت. أعداؤنا في كل مكان. لقد تخطوا الحدود وصاروا حولنا كالهاموش. وقد تعبت. من يظن أن عملي ليس مرهقا إلى حد الإنهاك؟
هل تستطيع أنت أن تجفل ليلا وصراخ أحدهم لا تزال أصداؤه تمتد في أركان نفسك كالأخطبوط؟ كانت تثور شهوتي حين أضع العصا في مؤخرة العصاة ولكن صوت أنينهم بعد أن أنتهي لايبرح أذني ويصيبني بالصداع. أذكر أني طلبت أكثر من مرة أن أترك العمل وأستقيل، لكن كان طلبي دوما ما يواجه بالرفض. الرفض التام والصريح، والذي يخالطه نظرات الوعيد. الاستقالة في مثل هذه الظروف خيانة. وعملك شريف وطاهر. تذكر أنك من دعائم هذه الدولة المحترمة. وأنك جندي مجهول في ساحة المعركة. معركة؟؟! كم أتوق إلى معركة. أريد أن أتلقى الضربات. أن أقاوم. أن أضحي لأجل فكرة أو من أجل قضية!
قررت أخيرا أن أخوض معركة. ربما يتوقف صوت الأنين اللعين ذاك عن أكل أذني. أو ربما تتوقف أنفي عن شم القيح والدم.
"أنا هو"
قلتها وأنا أشير إلى صدري. قصدت أن أجعلها واثقة ومستفزة. وجدت في عينيه نظرات التردد والخوف. لم ينظر إلى عيني..بلل جبينه العرق البارد. قال وصوته يتهدج:
- لم أفهم.
- أنا الجلاد الذي قتل أباك.
ارتعشت شفتاه..قال وهو يتحاشى النظر:
- مات أبي على فراشه.
قررت أن أسدد ضربتي الأخيرة. شققت قميصي لأكشف عن صدري العاري.
- خذ حقك.
ارتعدت فرائص الرجل كفأر مبتل. ركع على ركبتيه كي يقبل قدمي. قال في توسل:
- أرجوك دعني أمضي إلى حال سبيلي.
جن جنوني. إن الجبان يرفض حتى أن يمنحني شرف الصراع. سجد على الأرض وهو ينتحب..قبل قدمي..لعق الحذاء. هتفت:
- لقد سرقت شرفك. أتفهم؟ سرقت شرفك.
انسلَّ من بين يدي كضفدع. اتجه صوب الباب، فتحه وركض كمن يهرب من شيطان. لم يمنحني شرف الصراع. الجبان!
هل أستطيع أن أجد غيره؟ ومن يدريني أنه لن يكون أحقر؟ أخبرته أني سرقت شرفه ولم يحاول حتى أن يحاول!
لم أعد أحتمل. صوت الأنات يدق في رأسي كالطبل. رائحة القيح تزكم أنفي، ومنظر العصا في المؤخرات يحجب عني ضوء النهار. أهو عذاب الضمير؟ هل معركتي ستكون مع ضميري إذن؟ لماذا أنا؟ فوق الأرض مئات الجلادين، وتحت الأرض ألاف، فلماذا لم يصحُ إلا ضميري التعس؟ هل يكابدون ما أكابد؟ ضاق صدري حتى كدت أختنق. هربت إلى الشارع وأنا أحاول أن أصل إلى شعاع الشمس. وجدتها أمامي. امرأة كبيرة تعرج في مشيتها وتحمل حقيبة خضار. كانت مناسبة!
اندفعت نحوها وخطفت الحقيبة وركضت. صرخت:
- حرامي!
وجدت جيشا من الرجال يزمجرون وهم يركضون ورائي.
وجدت معركة في الأخير!
******
خالد العجماوي
