قراءة الأستاذ القدير؛ أمير ٱلمۘدرسۜ
لقصة الأسبوع من فقرة ؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
خائن سيوداريا / للقاص؛ خالد العجماوي
____________
️ تقديم
لطالما كانت المعتقدات قديما وحديثا، عند الشعوب البدائية أو المتطورة تجلب الأمل والسلوى إلى أفراد مجتمعاتها، وتحقيق السلام والمصالحة بين هذه الافراد. ولكنها من ناحية أخرى كانت مصدرا للتوتر والصراعات. هذابسبب التعقيدات في صعوبة تعريف المعتقد.
والاعتقاد أو العقيدة Belief هي مجموعة من الأفكار و المبادئ التي يؤمن الفرد بصحتها، حقا كان أو باطلا.
ان منظومة الحرية الفكرية الإسلامية تقر بضرورة «حرية العقيدة» وهي تعني ألا يُكره إنسان على عقيدة ما، وألا يضار بسبب عقيدة يؤمن بها، فالله عز وجل يقول: «لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم» (البقرة 256)
َمع وجود فارق بين المعتقد والدين فليس كل معتقد دين ولكن كل دين فيه معتقد، الا ان التطرف هو ما يجعل هذه المعتقدات خطيرة، وكأنها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار وقتل كل من يخالفها، لان المتطرف يرى نفسه على الصواب بدرجة اليقين الذي لا يقبل الشَّك أبدا، والحق الَّذي لا باطل معه، والأخطر من ذلك يرى أنه يؤجر على مايمارسه من أعمال القتل والتعذيب بل وحتى هتك أعراض من يعتبرهم مخالفين لمعتقده، وأحداث داعش ليست عنا ببعيد، والتاريخ يؤكد قيام رجال بالتحريض أو قتل عشرات الألوف من الأبرياء والعلماء بطرق بشعة بعد إتهامهم بالهرطقة أو مزاولة السحر. وكانت إجراءات التعذيب التى يتعرض لها المتهمين لإجبارهم على الإعتراف تفوق الوصف إبان العصور المظلمة.
العنوان؛ خائن سيوداريا :
خانَ يَخون ، خُنْ ، خِيانةً وخَوْنًا ، فهو خائن والجمع : خانَة، وخُوَّانٌ، وخَوَنَة، وخَائِنُ الْعَهْدِ: الَّذِي لاَ يَرْعَى العَهْدَ.
العنوان هو عتبة النص، وباب الولوج إليه، ولقد جاء العنوان هنا غير فاضح، ولا نستطيع تفسير النص مالم نستطلع أحداثه.
- الوصف
إن كلمات البداية لكل قصة مهمة جدا، فهي من تفتح شهية القاريء، ولم يكن قاصنا المبدع الا ان جعل وصف مدينة سيوداريا وصفا رائعا، يجعلك متمسكا لمعرفة مابهذه المدينة من أحداث، بعد أن سيطر على مخيلتك، وأنت تقرأ كلماته، كنت ترى صورة حية لمدينة ليس هناك أجمل منها، ولا أبالغ إن قلت إنه يصف قطعة من الجنه وهو يقول:
((لشدَّ مَا أنتِ فاتنةٌ يَا سُيوداريا !
لَدَيْك نَهْرَان ينسلّان كَخَمْر تَسْرِي من بَيْن شفتين . وَذَاك الجبلان عِنْد الْمَشْرِق يبدوان كتوأمي ظَبْيَة، يَنْظُرَانِ إِلَى شعبك نَظَرَات هائمة وَمَحَبَّة. وَقَرْص الشَّمْسُ حِينَ يُطُلّ فِي سَمَائِك فَإِنَّمَا يَتَدَثَّر بعباءات مِن سُحِب بِيض ، تُخَفَّف عَنَّا حَرَارَة حَرقهَا، وتبث مِنْ خِلَالِهَا دَفِئا كَي تُسْتَمَدّ مِنْه قُلُوبُنَا حَبَّهَا ولوعتها . كُلَّك جَمِيل يَا سيوداريا وَلَا عَيْبَ فِيك!"
تمتم بها الرجل في خشوع وإكبار، ثم أمسك في قبضته حفنة من التراب، جعلها تنسكب على رأسه كمن يغتسل بصعيد الأجداد. أمسك بكتابه في وجل، وظل يقرأ في إجلال وتوقير. ثم طواه في حب، وهو يتمتم من بي قبلة وضعها على صفحته)).
واستمر يجود علينا بوصفه الجميل، ليستغني عن الحوار، ويجعل من الوصف هو الحركة والفعل الذي يفسر الحدث. ومن تلك العبارات:
(تطاير الشرر من عين الرجل كبركان، وأطبق بيديه على صدر ابنه الهزيل..)
وهي عديدة وجميلة ولا مجال لذكرها.
️ الزمكان
لقد حدد قاصنا مكان الحدث وهي مدينة سيوداريا الجميلة، وهي مدينة بنتها مخيلته، إذ لم أنجح في البحث عنها، لا قديما ولا حديثا، أما الزمان فلم يحدد الفترة التي حدثت فيها الأحداث الا إشارة بسيطة إلى أن الجد أصلان كان تلميذا في مدارس الاثينيين، ربما أراد بذلك أن يقول ان أحداثها محتملة الوقوع في كل زمان، واستعان بألفاظ زمانية ومكانية منها:
(أمامك غدا فقط. فإن لم ترجع عن...)،
(يذكر أول صفعة تلقاها من أبيه. كان لا يزال في السابعة)،
(منذ ذلك الحين و الولد يؤثر الصمت)،
(كان قد قرأ في سيرة الجد أصلان أنه كان تلميذا يوما في مدارس الأثينيين)، (صار وحيدا في غرفته)،
(دلف إلى بيته الصغير فوجد زوجته).
️ السرد
يجب القول بدأ نحن نتعامل اليوم مع قاص معروف ومشهود له بالإنجازات المميزة، وهذا بالتأكيد سيلقي علينا عبئاً أضافيا في ضرورة انتقاء الكلمات، بل حتى الحروف، والغوص في عمقها من أجل الوصول إلى التفسير الأمثل لها، ودكتور خالد العجماوي مشهود له بالإنجازات المميزة لمن لايعرفه، وقاصنا كان هو السارد في قصته القصيرة، وكان بارعا، ومتمكنا من أدواته الفنية، لان لكل حركة وحوار مهما كان بسيطا، كان يضيف لنا إضافة وَمعلومة جديدة.
️ الشخصيات:
الحفيد: هو الشخصية الرئيسية في الحدث، الشاب الذي يمثل الجيل الجديد، الذي يرجح العقل، ولا يقبل معتقدات الأجداد على علاتها، ويرفض ان تفرض عليه الأمور رغم التهديدات التي توجه إليه، والعواقب التي تنتظره.
الأب : الشيخ الكبير الذي يؤمن بمعتقدات الجد أصلان، ويتلو صلواته عند كل مغيب شمس، وفق تعاليم كتابه، ويوجب إن من يخالف هذه التعاليم ضرورة عقابه، حتى إن كان ابنه، وفلذة كبده.
الأم والقاضي فهما شخصيتان هامشيتان.
️ الحدث
تتحدث القصة عن شيخ يتلو صلواته قبيل الغروب في مدينة جميلة اسمها سيوداريا ويقدم شكره لجده أصلان، مؤسس هذه المدينة، ليعود إلى بيته فيجد زوجته تبكي، ويعرف إن ابنه الذي ترك دين أجداده، حائرا بين ما يراه عقله والمعادلة كما يصفها التي وضعها اصلان، فيضطر الأب المتطرف المنحاز لدين جده أصلان لأرسال ولده لمحاكمة كان يعرف نتائجها مسبقا، فيأمر القاضي عليهة بالقتل.
التحليل الفني
يبدأ السارد وعلى لسان القاص بوصف مدينة سيوداريا الفاتنة، وكأنها الجنة، بنهريها، وجبليها الجميلين في الشرق، ويشبههما بظبيتين جميلين، ينظران لشعبها بعين الحب، ويصف قرص شمسها، هو يتدثر بتلك السحب البيضاء، فيرسم لوحة جميلة، لطالما أسرت قلوب ابناءها، وهي تحميهم من حرارتها، فهي المدينة الخالية من كل عيب، وهو بهذا الوصف الجميل وكأنه شهادة براءة للطبيعة، مما يرتكبه الإنسان من أعمال هي التي تسبب جعل هذه الحياة بائسة بقصد أو غير قصد، وتبدأ القصة بالاب الذي يتلو صلواته، ثم يأخذ حفنة من تراب الأرض، ويسكبها فوق رأسه، فتنساب وكأنه يغتسل بها، إشارة إلى شعائر يؤديها المعتقدون لاتمت بصلة للعلم أو الإيمان الحقيقي بشيء،
ويدعو جده أصلان وهو يحتضن كتابه المقدس ويقبله، لأنه أدرك أن الليل على الأبواب، وهذا أوان ذهابه إلى البيت، ليجد زوجته بعينين متورمتين، ليعرف أن سبب بكاؤها هو ولدها، ليدخل عليه ويتهمه بالضلال والخيانة، وهنا يشير قاصنا إشارة واضحة إلى صراع الأجيال، بين أبٍ متزمت وابن يحاول أن يفهم العالم بطريقة علمية، وهي ليست ضرورة أن تكون ملحدة، لأنه بين أن معادلة أصلان، كانت خاطئة ولايقبلها عقل، (فمن المستحيل أن يكون واحد زائد واحد يساوي واحد).
انه الصراع الذي يحدث بين المعتقد والعقل، واذا كان الأب قد ذكر في السابق انتصار المعادلة على العقل عند الجد أصلان، فاليوم ابنه قاد عملية ستؤدي حتما ستؤدي إلى قلب تلك المعادلة الخاطئة، وانتصار العقل على المعادلة، وهذا ما هدد وجود الأب المتطرف في أفكاره، كيف يغير معتقدات أمن بها أجداده، وماذا يمكن أن يسميَ إيمانه في سنواته الماضية، فتنزل عليه جملة ابنه كالصاعقة التي أحرقت مابقى من عقله:
(خيانة العقل أصعب من خيانة جدي!)
فيمهله يوما واحدا للرجوع عن كفره بمعتقد أصلان أو تقديمه للمحاكمة، مع انه ولده الوحيد وفلذة كبده، لكن العقل على مدى التاريخ كان هو المنتصر، بالرغم من كل تلك القرابين التي قدمها، لان التطرف سكين حادة، لاتعرف غير منطق البتر، ولا يرويها غير أنهار الدم، لتخضع من تريد، لافكارها السوداوية، ثم نرى كيفية حكم القاضي الذي لايحكم بدستور معروف، إنما هو يحكم بما تأمره عواطفهم، وبمزاجية، ليتحول حكم فقأ عينه، إلى القتل.
وسط هذا الضياع حائرين، لانعرف من الخائن؟ هل هو الأب الذي خان سيوداريا وطبيعتها وعائلته؟ أم هو الابن خائن دين اباءه؟
الخلاصة
يلجأ قاصنا المبدع إلى بيان صراع قائم منذ أن وجد الإنسان على وجه البسيطة، الحق والباطل، القديم والجديد، الإيمان والإلحاد، الآباء والأبناء، التطرف والاعتدال، انه صراع الخير والشر، كان ولازال حاضرا، وان هدأ في فترة، فإنه يعاود الظهور بعد مدة، بسبب وجود التعصب الأعمى، الذي يدمر الشخص نفسه، في أنه يحرمه من أن يحيا حياة سعيدة، بل ويكون سببا في تعاسة عائلته، حين يبدأ بتنفيذ القصاص، بأقرب الناس له، ابنه الوحيد.
لم يكن إبداع القاص في أنه استوفي معايير القصة القصيرة، لان ذلك من الأمور البسيطة، عند قاصنا د. خالد العجماوي، ولكن إبداعه كان في طرح موضوع جوهري وحساس، ومن المعروف أن الدين، دائما هو خط أحمر، عند معظم الناس، وان لكل معتقد متعصبين، وكان جادا في أن تصل رسالته للجميع بكل هدوء وروية، وان يستوعبها بدون اي انفعال وتشنج، بأن جعل معتقد اصلان، غير الموجود واقعيا، لكي لايثير معتقد معين، ولكي يقول ايضا ان الجميع مشمول، ولقد عالج قاصنا هذه المشكلة، بأن يجعل من مدينة سيوداريا، وهي مدينة لاوجود لها في الواقع لاقديما ولا حديثا، وديانة الأب
المؤمن بالجد أصلان وكتابه المقدس، ويصوره على أنه من الاثنيين، وقد انشق عنهم بسبب خلاف عقائدي، فتركهم وأسس هذه المدينة، و تناقلت الأجيال ديانته على علاتها، كما يؤكد القاص انها كانت على خطأ كبير، لايرتضيه عاقل، من خلال المعادلة التي أمن بها أصلان أن واحد زائد احد يساوي واحد، غير أن التعصب عند الأب، الذي يتجاوز الايمان وصحته، بل ويرى مادونها هو الخطأ،
هذا الذي قاده إلى خراب بيته، دون أن يستمع لنداء العقل الذي آمن به ابنه، وكان سببا في هدم أسرته، بل وانقراض نسله.
شكري وتقديري وامتناني للقاص وعذرا أن أكون قصرت في جانب معين في قراءتي راجيا التوفيق له في أعماله وسائر حياته. وشكرا جزيلا لأنه امتعنا بهذه القصة القصيرة الجميلة.
أمير ٱلمۘدرسۜ /الْعِرَاق
-----------
قراءة الأستاذ القدير؛ عبدالرحيم خير
لقصة الأسبوع من فقرة؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
خائن سيوداريا / للقاص؛ خالد العجماوي
____________
قلم دكتور خالد من الأقلام الكبيرة على الساحة الأدبية، عرفت الرجل قاصا مميزا وناقدا خبيرا وهو في قصصه دائما مايسلط الضوء على حدث تاريخي ويطبعه بطابع فلسفي ثم يعبر عنه أخيرا بأسلوبٍ أدبي ....
وفي قصتة (خائن سيوداريا ) يسلط الضوء على حدث تاريخي- قديم جديد، وهو صراع الأجيال الكبار والشباب، الآباء والأبناء؛ جيل الأباء بفكرهم وأعرافهم ومعتقداتهم ومقولتهم الدائمةالضاربة بجذورها في أعماق التاريخ ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ومايشابهها من أقوال.
بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ..
ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ....
بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ......
أقوال تؤكد على التمسك والتعصب الأعمى للموروث القديم ( المعتقد - الفكر - العادات - التقاليد - الأعراف ) وتدافع عنه دفاعا مستميتا يصل لحد التخوين والتنكيل بكل من يحاول المساس به أو الاقتراب منه وإن كان من المقربين ..(إليكم ابني الوحيد أيها القضاة. فلتحكموا عليه بما ترونه عدلا)
،وجيل الأبناء بفكرهم وإيمانهم ورغبتهم في الفهم وحبهم للمعرفة وسعيهم الدائم للبحث عن الحقيقة ( أحاول أن أفهم..) الفهم القائم على التجربة، والمصحوب بالدليل والمستند إلى البرهان، الجيل المحب للحوار والجدال ليس في زماننا فحسب بل وعبر أزمنة غابرة سعى فيها جيل الأبناء للفهم دائما، هذه المحاولة التي تنتهي بالصدام مع الآباء وتعنتهم وتعصبهم لكل قديم، ومحاولة الأبناء إقناعهم بالحوار والمجادلة وبأسئلة ذكية تهدف إلى تشكيكهم وزعزعة إيمانهم في الإرث القديم.....
مهلا..
- قال ابنه الوحيد:
- إن فقأتم عيني الأولى فكم عينا فقأتم؟
وعبر حلقات هذا الصدام مع الإيمان بالقديم المتوارث، وإن ناقض العقل وخالف الفطرة سعى
هذا الابن ومن قبله جيل من الأبناء حاولوا جاهدين إقناع آبائهم وأقوامهم بالعقل والحكمة واللين...
أتعبدون ماتنحتون؟!
أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين ؟!
ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟!
لمَ تعبد مالايسمع ولايبصر ولايغني عنك شيئا؟!
هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون؟!
ورغم العقيدة الواهية التي لا تصمد حجتها ولايقوم دليلٌ عقلي ليدافع عنها إلا أن الآباء يعاندون أنفسهم
بإكبارهم هذا الإرث واعتباره رمزا مقدسا ..
(أنت روح هذا العالم يا جدنا "أصلان")
لا يمسه عيب ولايلحقه نقص (كُلَّك جَمِيل يَا سيوداريا وَلَا عَيْبَ فِيك!") إكبارا يصل إلى حد التقديس واعتبار أن كل قديم من المسلمات التي لايجب المساس بها ولا الخروج عليها (تمتم بها الرجل في خشوع وإكبار) هذا الإكبار والتقديس يقابلة محاولة الأبناء للفهم والمعرفة ودائما تكون النتيجة المترتبة على هذا الصدام إلساق التهم بالأبناء ورميهم بالضلال والخيانة لمجرد إعمال العقل والتفكير(ألا يزال ابنك على ضلاله؟) واعتبار أن كل ما يخالف المعتقد القديم ويزعزع الإيمان به ضلالا وكفرا وخيانة (ألا زلت تقرأ في ضلالك؟) ..(هل تكفر "بأصلان" ؟ هل تخون "سيوداريا" ؟)،
تهم معلبة جاهزة يرمى بها كل من خالف إيمانهم وعقيدتهم وإن كان على الحق والصواب
إنما أنت من المسحرين ......
وقالوا مجنون وازدجر ....
بل هو كذاب أشر .......
قالوا ساحر أو مجنون .....
وفي النهاية تقف معتقدات الآباء عاجزة عن الدفاع عن نفسها أمام الحجج الساطعة والراهين الناصعة فلايبق أمامهم إلا القتل والتنكيل
ذروني أقتل موسى وليدع ربه.......
حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين....
قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم.......
حلقة من الاتهامات والتنكيل دفاعا عن عقيدة باطلة وإيمان متوارث لاحجة له ولا دليل عليه في سلسة الصراع الأبدي بين الخير والشر والإيمان والكفر والعلم والجهل، صراع دائم وما خائن سيوداريا إلا حلقة في هذا الصراع ..
تنهد القاضي في الأخير. وزفر طويلا، ثم قال في حسم:
- لا فائدة. اقتلوه.
خالص تحياتي دكتور خالد وخالص أمنياتي بدوام التوفيق ..
____________
قراءة الأستاذة القديرة؛ Rawda Aldakhil
لقصة الأسبوع من فقرة؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
خائن سيوداريا / للقاص؛ خالد العجماوي
____________
خائن سيوداريا
النّص بدأ بوصف لجنّة، طبيعتها فاتنة، وفيها إسقاط مبطّن لملامح أنثى من حيث جمال التّكوين و التّضاريس وصولا إلى الاسم
عرض النّص فكرة الانقياد الأعمى لقوانين وضعها حاكم تميّز بالدّهاء من خلال السّيطرة على الفكر وتقييده بإيمان مطلق بتعاليم لا تسمح للعقل بالبحث للانطلاق والخلق والتّطوّر، من غرس بذور الإيمان الأعمى هدف لإقفال جميع الأبواب نحو العلم و المعرفة، ونجح الأمر كثيرا واستمرّت السّيادة للتّمثال أصلان الّذي كان معاقا ذهنيّا
ولكنّه صاحب طموح حيث بنى مملكته واستطاع أن يؤسس لخلوده، وساعده على ذلك استمرار سير القضاة على نهجه في إلغاء الفكر والتّسليم بالقوانين بإيمان لا يقبل الجدل.
برز الصّراع بين الأب المؤمن
والابن الّذي لم يقبل الإيمان بما يخالف العلم، واعتبر خيانة العقل و المنطق أصعب من خيانة قوانين الجدّ، وحاول الدّفاع عن حقّه في الفهم من خلال فرض الصّيام على نفسه، وربّما أراد الكاتب أن يجعله إضرابا من قبل الابن ليثير عطف والده الرّافض لفكر المنطق، ولكن هذا الأمر لم ينجح مع الأب المؤمن إيمانا أعمى بتعاليم الجدّ أصلان، لا بل وقدّم ابنه بنفسه للقضاة لينال حكما بالموت ولم يستسلم حتّى اللّحظة الأخيرة لإثبات صواب تفكيره و خطأ الانقياد.
المغزى من هذه القصّة ليس من السّهل هدم الإيمان بمفاهيم مغلوطة طالما الجميع عميان، والتّمرّد لأجل التّغيير بشكل فرديّ فاشل و التّضحية بلا ثمن.
قصّة عميقة الدّلالة يمكن إسقاطها على واقعنا بشكل كبير حيث تتوارث الممالك والجميع خاشعون.
لغة القصّة مناسبة مختصرة بلا تكرار ولا مبالغة في السّرد والاستعراض، تضمّنت معجما لغويّا مال نحو المنحى الإنشائي الرّومانسي في البداية بلغة شاعريّة جميلة.
كلّ التّوفيق للقاص خالد العجماوي
____________
قراءة الأستاذ القدير؛ Ali Omar
لقصة الأسبوع من فقرة؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
خائن سيوداريا / للقاص؛ خالد العجماوي
__________
نص جميل فلسفي رائع ، المقدمة تحمل الكثير من عناصر التشويق والغموض ، صراع العقل والفكر مقابل الجمود الاعمي ظهر بوضوح في الحوار ، نهاية البطل تبدو كنهاية نبي وكل صاحب رسالة ،
دام ابداعك وفي انتظار المزيد من قصصك
___________
قراءة الأستاذة القديرة؛ Doc Nashwa
لقصة الأسبوع من فقرة؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
خائن سيوداريا / للقاص؛ خالد العجماوي
____________
نقد القصة القصيرة
خائن سيوداريا
من أجمل القصص التي قرأتها التي تحمل في طياتها الكثير من المعاني الصوفية والفلسفية الجميلة التي ندرت في كثير من أعمالنا
جمع بين جمال التشبيهات والمجازات والإستعارات والوصف والحركات المعبرة عن المعني
من القصص التي تريد قرائتها مرارا وتكرارا حتي تستمتع بجمال الحان العبارات
___________
قراءة الأستاذ القدير؛ طلعت الحملى
لقصة الأسبوع من فقرة؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
خائن سيوداريا / للقاص؛ خالد العجماوي
____________
قصة جميلة وراقية، ومشهد مرتب بدقة، يحتاج القراءة اكثر من مرة، ك عادة القصص الي فيها فلسفة خاصة ..
اللغة.. لغة الكاتب عظيمة جد، حيادية، قوية..من وجهة نظري كانت تحتاج بعض البساطة عشان تلائم روح النص.. لكن بالعموم انا استمتعت بالقصة وتحية خاصة للكاتب
___________
قراءة الأستاذة القديرة؛ م.زنوبيا الأسدي
لقصة الأسبوع من فقرة؛ نقد وتحليل القصة القصيرة
خائن سيوداريا / للقاص؛ خالد العجماوي
____________
خالد العجماوي من أفضل الكتاب الذين قرأت لهم على الفيسبوك. لا يمكن أن أتجاوز أي قصة ينشرها.
ربما لأنني أميل جدا للفلسفة والنصوص الفكرية التي تطرح الأسئلة وليست تلك التي تجيب.
العجماوي يكتب الحاضر بلغة الماضي. لغة بها عبق المخطوطات والبرديات. وأحيانا يقترب أسلوب لغته من أساليب الترجمة.
وهذه القصة استحقت التتويج وبتفوق.
لدي ملاحظة واحدة: هي أن لا يستهلك الكاتب نصوصه بشرحها أو تبيانها. فالنص يموت حين يشرحه مبدعه.
بالتوفيق للكاتب ولفريق الزمرة القصصي..
____________
قصة قصيرة { خائن سيوداريا }
⭐⭐⭐⭐⭐⭐
"لشدَّ مَا أنتِ فاتنةٌ يَا سُيوداريا!
لَدَيْك نَهْرَان ينسلّان كَخَمْر تَسْرِي من بَيْن شفتين . وَذَاك الجبلان عِنْد الْمَشْرِق يبدوان كتوأمي ظَبْيَة، يَنْظُرَانِ إِلَى شعبك نَظَرَات هائمة وَمَحَبَّة. وَقَرْص الشَّمْسُ حِينَ يُطُلّ فِي سَمَائِك فَإِنَّمَا يَتَدَثَّر بعباءات مِن سُحِب بِيض ، تُخَفَّف عَنَّا حَرَارَة حَرقهَا، وتبث مِنْ خِلَالِهَا دَفِئا كَي تُسْتَمَدّ مِنْه قُلُوبُنَا حَبَّهَا ولوعتها . كُلَّك جَمِيل يَا سيوداريا وَلَا عَيْبَ فِيك!"
تمتم بها الرجل في خشوع وإكبار، ثم أمسك في قبضته حفنة من التراب، جعلها تنسكب على رأسه كمن يغتسل بصعيد الأجداد. أمسك بكتابه في وجل، وظل يقرأ في إجلال وتوقير. ثم طواه في حب، وهو يتمتم من بين قبلة وضعها على صفحته:
- لن ننساك يا جدنا الكبير ما حيينا. أنت روح هذا العالم يا جدنا "أصلان".
وضع الكتاب في جيبه، وقد رأى أن الشمس يراودها المغيب، فطفق يعدو راجعا إلى بيته وعلى وجهه سمت الصالحين.
دلف إلى بيته الصغير فوجد زوجته وقد تورمت عيناها من أثر الدموع. نظر إلى الداخل وأردف محنقا:
- ألا يزال ابنك على ضلاله؟
قالت بصوت متهدج:
- لا تقسُ عليه وحق أصلان. إنما هو فوران الشباب وسيزول يوما.
تركها تغالب دموع حسرتها، ودلف إلى حيث غرفته. ماذا أصابك يا ولد؟ لطالما عذبتني.
وجده يعكف على كتابه في نهم. قال ساخطا:
- ألا زلت تقرأ في ضلالك؟
رفع الولد إليه عينيه. وتمتم في احترام:
- أحاول أن أفهم..
صرخ فيه مغاضبا:
- وماذا تريد أن تفهم فوق ما سردته عليك؟
أجابه وقد بدت عيناه ذابلتين:
- ربما فهمت المعادلة، ولكني بعد لست مقتنعا بها بداهة..
تطاير الشرر من عين الرجل كبركان، وأطبق بيديه على صدر ابنه الهزيل..
- هل تكفر "بأصلان" ؟ هل تخون "سيوداريا" ؟
لم يبد على ولده أي رغبة في أن يقاوم. أجاب وصوته يتحشرج:
- خيانة العقل أصعب من خيانة جدي!
دفعه الرجل في قوة ليرتطم بالجدار. صرخ في وجهه:
- أصلان هو رمز سيوداريا كلها.
أمسكه من كلتا كتفيه، وقال في غضب:
- إيمانك بالمعادلة هو إيمان بسيوداريا.
بدا على ابنه الإعياء. تركه يسقط في أرض الغرفة كزهرة ذبلت. قال قبل أن يمضي خارجا:
- أمامك غدا فقط. فإن لم ترجع عن ضلالك سلمتك للقضاة ليروا فيك حكما عادلا.
صار وحيدا في غرفته، مع حفنة من الكتب، وأوراق وأقلام.
لا يزال يذكر أول صفعة تلقاها من أبيه. كان لا يزال في السابعة. كان يسأله:
- واحد زائد واحد كم تساوي؟
يذكر كيف ضحك أبوه ملء شدقيه. أجاب:
- واحد.
- واحد؟
- هكذا قال جدنا أصلان.
- أصلان؟
- جدنا الكبير. ومؤسس سيوداريا.
- ولكني أرى أن واحد زائد واحد يساوي اثنان!
- ليس للعقل سبيل في مناحي الإيمان.
- ولكنها أرقام. والأرقام عقل.
يذكر كيف كان أبوه حاسما وهو يقول:
- إيماننا أجل من الأرقام. وأهم من أي عقل.
قال :
- أرى أن العقل أجل وأهم.
لطمه أبوه لطمة كادت أن تخرق رأسه. قال:
- هذه كي تعرف أن سيوداريا وأصلان أهم من عقلك.
منذ ذلك الحين و الولد يؤثر الصمت.
كان قد قرأ في سيرة الجد أصلان أنه كان تلميذا صغيرا يوما في مدارس الأثينيين، سألوه عن المعادلة، أجاب أن حلها هو الرقم واحد. حاولوا إثناءه. قاوم. أرادوا إقناعه. كان إيمانه كالصخر لا يتزعزع. عدوه مجنونا. غير أنه لما كبر استطاع أن يهجر أثينا. وذهب ليقيم أرض سيوداريا. أرضنا المقدسة المهيبة..
******
- إليكم ابني الوحيد أيها القضاة. فلتحكموا عليه بما ترونه عدلا.
- نفقأ عينه.
- واحدة، أم الاثنتين؟
- واحدة، فإن لم يرجع فقأنا الأخرى.
علت صيحات الاستحسان.
-مهلا..
قال ابنه الوحيد:
- إن فقأتم عيني الأولى فكم عينا فقأتم؟
- واحدة..
- فإن فقأتم الأخرى؟
تنهد القاضي في الأخير. وزفر طويلا، ثم قال في حسم:
- لا فائدة. اقتلوه.
*******
خالد العجماوي./مصر
