نصّ متميّز للكاتبة 《فاطمة》
---------؛؛---------
"يحترق بلامبالاة... ".
*********
...أَتَذكُر آخر مرة قلتُ فيها أحبكَ!؟...
... لا أظنكَ تذكر.... ولا أنا أذكر...
... وهذا أمر ما كان يفترض به أن يقع و لم أتخيل حدوثه أبداً.....
ليست ذاكرتي بمعجزة....
لكن قدرة قلبي على أن يعدد ويتذكر "أحبك " التي أبوح بها لك كان أمرا عادياً....
لكني فقدت العد....
وفقدت النبض....
وتوقفت عن البوح...
أنت فقدتني....
فقدتني لصالح مهام المطبخ التي لا تنتهي ....
لصالح ذلك التلفاز اللعين الذي يعج بأخبار الحرب التي تذاع دون توقف ....
...وللمرأة العادية التي أصبحت عليها وأنجبها هذا البيت في صمت قاتل.....
.....ها أنت تضع قطعة من اللحم المحروق بفمك....
تلوكها على مضض....
لا تنظر الي....
لكن نظرتك ملتهبة... حادة... وحارقة....
أعلم أنك تلعنني في دواخلك.....
تتناول ما أضعه لك على الطاولة بخضوع وكأنك تدين لي بذلك
هل تصبو للغفران بهذا الشكل!!....أم تساومني على صمتي!!؟ أفكرت كم يبدو ذلك سخيفا!... بارداً.... مجحفاً... و مؤلماً...
لو تعلم كم أنتظر تلك اللحظة التي تسألني فيها "أين يذهب عقلك يا امرأة حتى يحترق العشاء كل يوم!! "....
سأخبرك أين يذهب عقلي.....
يذهب عقلي رفقتك عندما تطأ قدماك عتبة بيتها...
تتيقظ حواسي لألتقط عطرها الذي سحرك....
أتخيل لون قميصها الحريري.....
لمعة عينيها وهي تحتضنك بنظرتها قبل أن تلفك ذراعيها.... بريق طلاء الأظافر التي تضعه بحذر وأناقة وأعجز أنا عن تهدئة رعشة يدي لأضعه بشكل مناسب دون تلطيخ أصابعي بالكامل وشراشف السرير......
عقلي يذهب لرجفة قلبك وأنت تنظر إليها وكأنها حدث يقع لأول مرة ولن يتكرر......
يذهب عقلي لكل القصص التي تحكيها لها...
للتفاصيل التي بخلت بها علي وتغدقها بها.....
يذهب عقلي لضحكتك...لابتسامتك... لصوتك الرنان الذي كان يقلبني رأسا على عقب بمجرد أن تقول" صباح الخير "....
لكنها تتجاوزني بأميال رهيبة على أرض الحظ....
إنها تسمع منك كلمة "أحبكِ".....
تلك الأربع حروف التي صليت كثيراً لأسمعها وهي تنسل من بين شفتيك ولو خطأ ....
ولو خطأ.... كان ذلك ليجعلني أستمر... أتحمل... وأنتظر ان يتحول ذلك الخطأ لحقيقة.....
يذهب عقلي للبرود الذي حل بي......إنني لم أعد أكثرت حتى لمجادلتك بخصوصها.....
أن ألومك على خيانتك.... خيانتك!!.... ليست حتى خيانة... فأنت لم تحببني قط لتخونني.....
أنت فقط سجنتني.....
استبقيتني كخطة احتياط...
وضعتني على قيد الإنتظار....
سقيتني وهماً مضرجاً بالخيبة......
كنت تبحث عن منجى أو ملجأ او تسوية....
شيء تستطيع أن تعود إليه كلما عصفت بك الحياة.....
شيء ثابت ،ومستقر، ولا يجرؤ على المغادرة.....
شيدتَ هذا البيت وسجنتني داخله ....
تغلق أبوابه علي عندما تغادر وتترك لي مهمة تدفئته وتزينه.....
لكنك حبستني خارج أبواب قلبك....
لم تمنحني حق المحاولة....
ولا شرف المحاربة لأجله....
...هل تكفي كل هذه الأشياء لتبرر سبب إحتراق العشاء كل يوم!!!؟...
....أهناك إمكانية أن يلتقط أنفك رائحة احتراق قلبي بدوره.....
أنت لا تنظر الي...
لا تنظر الي ابداً.....
أنت لا تراني.... لم ترني قط.....
كنتُ دائماً خفية.....
كنت شبحاً يؤنس وحدتك و يخفف عنك ملل الإنتظار.... انتظار المرأة المناسبة....
ههه" المرأة المناسبة.!!".. أذكر أنها الجملة التي قلتها لأبي عندما سألك لماذا ترغب بالزواج مني!!؟..... "المناسبة! ؟" ....لماذا بالضبط!؟؟...هنا اختلطت علي الأمور... لم أدرك مناسبة لأي أمر!.... و أظنني كنت مناسبة لكل شيء إلا حبك..... وها أنا الآن أفشل في كل تلك الأشياء التي اخترتني لأجلها....
أن أطهو عشاء لائقاً أحوم حوله ليظل ساخناً إلى حين عودتكَ.....
أن أرتب البيت ليبدو كمخدع هادئ......
أن أسألك بشغف ودون ملل عن يومك دون انتظار لتفاصيل كثيرة.....
أن أستلقي بجانبك بسكون دون أن أزعجك بالسؤال "فيما تفكر!! ".....
وأن أحبك دون شرط... ودون سعي لتلقي المثيل.....
لكنني انتهيت....
أفْرَغتَني بالكامل....
لم يعد بداخلي شيء يمكنني أن أقدمه لك...
أو حتى لي.. لأواسي خيبتي العميقة...
أحاول أن املأني على قدر الإمكان بأكبر قدر من المهام اليومية ...بالأخبار الدامية، بالحديث مع الجارات، بالمسلسلات السخيفة....
وعندما يحل المساء...
أفكر فيما سأعده للعشاء ...
أجهزه بدقة....
وأتركه يحترق بلامبالاة.
*********
بقلم: أ. فاطمة.
