صوم أبي جمعة
*******
حل شهر الرحمة والغفران وعمّت البهجة الأكوان، وبنشاط وهمّة استعدّ المسحراتي للمهمّة:
-قم يا نائم، وحّد الدائم، لقد أتانا رمضان.
قام أبو جمعة يهلّل ويكبّر
-مولانا يا رحمٰن، قدّرنا على الصيام والقيام، واختم بالصالحات أعمالنا، وتب علينا، وحُفّنا بالرحمة والغفران..
انبهرت أم جمعة..
-زوجي سيّئ السمعة يناجي الرحمٰن!
- قبّحكِ الله يا امرأة، لمَ فمكِ مفتوح مثل الرقعة؟!
قومي جهّزي لنا السحور، لأن فيه بركة، هكذا قال الرّسول..
-ومنذ متى صرت تعمل بأقوال الرسول؟!
-لا حول ولا قوة إلا بالله، احمدي الله أننا في ليلة رمضان وإلا..
-وإلا ماذا؟!
أوتعلم شيئا عن الرسول؟!
لقد نهانا عن الظلم والجور، وعن شهادة الزور، وعن التكبّر والغرور، ودعانا لعبادة الله في كل الأزمان، وليس فقط في رمضان، يا من تدّعي التوبة وتطلب العفو والغفران!
همهم أبو جمعة وقال مزمجرا:
-أيتها الماكرة اللّعينة، لمَ تحشرين أنفكِ في ما لا يعنيك؟!
اهتمي بعملك ودعيني أصلي ركعتين.. سوف ترين ماذا سأفعل، سأدعو الله أن يخلصني منكِ ويرزقني زوجة صالحة تعينني على الصيام، وتزوّدني بأشهى أنواع الطعام.
تسحّر أبو جمعة وانخمد، والزوجة المسكينة تندب حظها في كمد؛ فشخير زوجها المصون يتعدّى غرفة النوم، ويُسمع من بالمطبخ والصالون!
أشرقت شمس الصباح، ودبّت الحياة في الخلائق.. هذا غادٍ وذاك رائح.. كلٌ يسعى لجمع الرزق، وصاحبنا يغطّ في نوم عميق!
أما صاحبة الحظ العاثر؛ فقضت ساعات النهار في الجلي والتنظيف، وختمت يومها بتحضير ما لذ وطاب من الأطعمة لأبي جمعة وعياله.
-يا إلهي صبرني على هذا المخلوق، لمْ يستيقظ بعد!
ربما يكون ميتا!
آه ياربي لا.. صرت أتفوّه بالحماقات، أبو جمعة.. قم يا رجل، قم
-هاااه ماذا هناك؟ كم الساعة الآن؟ هل أذّن المغرب؟
-بقي قرابة الساعة والنص على موعد الإفطار.
-ساعة ونصف! ولمَ توقظيني الآن؟ أف ياربي، ابتليت بامرأة حمقاء تنغّص عليّ حياتي.. ماذا تريدين؟!
-الخبز.. اذهب لشراء الخبز لتملأ به بطنك وقت الفطور!
قام أبو جمعة مسرعا، واتجه نحو المخبز؛ فهو يمكنه التباطؤ في كل شيء إلا الخبز، لأن الأكل من الأمور المقدسة عنده!
كان شعره أشعث أغبر، وهندامه مجعّد، يترنّح في مشيته كالمخبول!
في طريق عودته من المخبز صادف باب الجزار مفتوحا، ورأس خروف يعضّ على لسانه معلّق على الحائط قرب الباب، وقد عُلّقت عليه ورقة نعناع؛ فقادته قدماه للداخل..
ابتاع رأس الخروف وحمله من لسانه، ووضع ورقة النعناع خلف أذنه، وعاد إلى البيت يدندن كعادته.
-أنتظر ساعة قرب الباب أطرقه لكي يُفتح.. وكأنّكِ صمّاء! خذي هذا الرأس، أريده محمّرا مجمّرا، جاهزا للهضم عند أول تكبيرة لآذان المغرب..
-لكن يا زوجي..
-لا أريد كلمة لكن، هيا نفذي الأمر..
اتّجهت الزوجة صوب المطبخ وهي تهمس لنفسها:
-حسنا أيها المخبول، لن تتذوق لحم الرأس ولا حتى في الأحلام.
سنرى.. يوما ما سأتركك بلا طعام لتموت جوعا وإلا لن أكون أنا وردية ابنة العم زهير ولالة ياسمينة ابنة الحاج مقران..
حانت ساعة الإفطار ياسادتي ياكرام، وتربّع صاحبنا حول مائدة الطعام.. يبتلع بشراهة ونهم، لم يترك من الدجاجة إلا العظام! ثم قضى على المملحات والعصائر، والسلطات والشطائر، والمربى والفطائر! وختمها بلترين من الماء، وتمدد وقال:
-ذهب الظمأ وابتلّت العروق، هاتوا غليون السجائر..
وفجأة لمح رأس الخروف مرميا وراء الباب؛ فصاح:
-من الغبي الذي جلب هذا الرأس إلى البيت!؟
فتبسّمت أم العيال، وضحك فلذة كبدها ذو الخمس سنوات وقال:
-لقد كبرت يا أبي.. ثِرت تنثى كثيرا! إنك أنت من جلبت هذا الرأث للبيت..
*********
شمعة الأمل
من الأرشيف
