قراءة الأستاذ: حيدر الاديب
لقصة هذا الأسبوع من فقرة: نقد وتحليل القصة القصيرة
« صرخة مكتومة » للقاص: ياسر الصعيدي
••••••••••
لشكل القصة القصيرة أنماط متعددة ومنها نمط الشخصية وهذه القصة تنتمي لهذا النمط فقد رسمت سلوكيات الشخصية تبعا للمواقف المعروضة عليها والشخصية هنا نامية نموا موضوعيا في ذهن القارئ بتحريك القيم مفاهيميا عبر الحدث والحوار لا بتحريك الشخصية متأثرة بالمتغيرات فالمتغيرات في القصة القصيرة لا تمر الا عبر موشور يقتطع موقفا واحدا وهو ليس كل الحياة انما هو تلك الرؤية الناتجة من اقتطاع مشهد من الحياة وتمريره عبر قيم يراد لها ان تتمركز كمنبهات وموجهات في جسد اللغة فتكون هنا اللغة وعي الواقع عبر فواعلها المضمرة في استنطاق المرايا بغير المعهود السطحي الظاهر فمن الواضح ان القصة تطرح موضوعة الظلم واستغلال الانسان والأساليب الماكرة في تحطيمه وان الجنون هو مؤامرة على العقل الحركي والصالح لعزله عن وحجبه عن ممارسات الباطل كي يفعل ما يحلو له الا ان القصة لم ترد هذا المعنى مسطحا بل تعمل كمنبه لنا ان الجنون المعني هو كل الممارسات من ادلجة وصيغ الأفكار والمنتجات والمناهج التي ترمي العلماء والصالحين بمختلف اختصاصاتهم على انهم ضد بناء التطور والمدنية فيرمونهم بالجنون مرة وبالارهاب أخرى وبتحطيم الاقتصاد والحروب بمختلف أنواعها
هذا ما كان في نوايا القصة لكن هل نجحت في تحقيق ذلك ادبيا ؟ نرى انها بين بين كونها تحشدت في جمل خبرية متوالية لم تلمس الباطن الشعوري الا بسطحية ومن الخارج فهي تحتاج الى توتر وتكثيف في وصف الداخل الشخصي للسجين اعلى من ذلك باعتماد ضربات وصفية أكثر تركيز بصور سردية او شعرية او عبارات تحرك فواعل المتلقي لا تجعله مفهرسا لسرد خطي كذلك كان من الممكن استثمار الحوار في الصعود بالقصة الى مستوى اكثر حجاجية وجمالية في شقها الثاني فالسجين بين حياة السجناء في أجسادهم
والسجناء في عقولهم وقد حاجج لكن ليس بتلك القوة والتشويق كونه يسارع الى وهب النتيجة دون طمع في ارباك القارئ وجعله يتأمل وقد جاء التشخيص مباشرا لا عبر الحدث والصفة والحوار والتامل بل ان الراوي روى قصته بنفسه ولم تكن هناك مسافات مغرية لذلك تجد حشد التعابير انها ذاتية ولم يستثمر الوصف في تفجير الكوامن بل بقى ساكنا
من جهة أخرى بالنسبة لبداية القصة فهي من نوع البدايات المتوسطة وهي جيدة نوعا ما بإيقاع توفر على شد القارئ باشعاره انه قريب من الحدث القادم فالقاص قد أجل كم من المعلومات كون غرضه موضوعة الجنون أكثر مما هي السجن لان الصرخة اشرقت هناك جهرا بعد ان كانت سرا بين الركلات والجدران
المشاع ان النهاية تؤسس وفق النمو الحدثي والمواقف وارى ان النهاية هنا موفقة فقد رأى أحد دارسي القصة ان النهاية هي (محور أو بؤرة تتجمع حولها أو فيها معظم عناصر العمل)
يمكن ان تعاد صياغة هذه القصة بتقنيات متقدمة وتمثيلها بمستوى لغوي عال لا ان يرمى بها في التواتر الخطي الخبري وتشتيت مواطن التبئير لصالح الطمع في اظهار مكنون الحدث والمغزى
لا يريد المتلقي ان تخبره بل يريد ان تصحبه معك نحو المجاهيل الممتعة
كل التحيات واتوسم فيك التقدم
•••••••••••••••
•القصة المقترحة لهذا الأسبوع بعنوان: « صرخة مكتومة »
للقاص: ياسر الصعيدي
وهي القصة الفائزة بالمركز العاشر
في مسابقة القصة القصيرة لدورتها الثانية لعام 2020.
•••••••••••••••
« صرخة مكتومة »
لم يعد جسدي الهزيل قادرًا على تحمّل كل هذا العذاب، فقد خارت قواه ووهنت عزيمته واستسلمت إرادته أمام سطوة سياطهم، فجسدي المُرفّه بكل أنواع النعيم سابقًا، يذوق الآن كل أنواع التعذيب.
قدماي لم تستطع حملي، وبدأت الرؤية تتلاشى من أمامي، فسقطتُ على الأرض، وقبل أن أذهب فى غيبوبة، سمعت صوت أقدام لم أعهدها من قبل تمشى الهويني تقترب منّي، فقد أصبحتُ خبيرًا بأصوات أقدام كل من فى المعتقل من محققين ومعذبين.
الأقدام تقترب ولا أستطيع فتح عيني لأتبين صاحب هذه الأقدام، وكم كانت فرحتي عندما تيقنت أنه الطبيب، فقد سمعته يقول لهم: " لابد أن يذهب إلى المستشفى حالًا فحالته رثة وخطيرة " وأمام إصراره وإبلاغهم أنه يُخلي مسئوليته لم تجد تلك الوحوش البشرية سوى الإذعان لرغبته، وقتها أغمضتُ عيني وأنا مطمئن مرتاح البال، فلأول مرة تعرف جفوني المعنى الحقيقي للنوم، غير خاشٍ الصحيان وغير مترقب العذاب، وجدتُ نفسي على سرير، نعم على سرير، ما أجمل هذا الإحساس! جدران بيضاء غير تلك الجدران الموحشة التى كانت تقتل الأمل بداخلي، وتسرق نور عيني يومًا بعد يوم.
أخيرًا سأستريح من العذاب اليومي الذي لازمني مدة طويلة لا أستطيع تحديدها، فالأيام عندي تشبه بعضها، ليلها كنهارها كلها سواء - ظلام دامس - وسأرى وجوهًا أخرى غير تلك الوجوه العابسة، سأرى عيونًا تملؤها الرحمة غير تلك العيون التي كانت تشتعل غضبًا كلما رأتني، ولكنّ صوتًا بداخلي يحثني على عدم الفرحة، فتلك مجرد هدنة ، وحتمًا ستعود إلى غيابات المعتقل.
لا يهم... نعم لا يهم....المهم الآن أفرح بتلك الهدنة ، فلأول مرة يزورني طيف ابنتى ، فمنذ أن دخلت المعتقل ( لمجرد أني انتقدتُ النظام وقمعه)، لم أفكر في ابنتي ولا أسرتي، من شدة ما لاقيته من أهوال وتعذيب، وفجأة قطع حديثي مع نفسي صوت باب الغرفة يُفتح، أرى وجوهًا مختلفة، وإن كنت أرى فيها ملامح القسوة التى عهدتها من غيرهم وسألني الطبيب: كيف حالتك؟
ادّعيتُ المرض خوفًا من أن يعيدوني إلى المعتقل.
طمأنني الطبيب: (ستتحسن حالتك، وماهى إلا أيام وتلتئم جروحك) وماذا عن جروحي النفسية؟! هل ستعود كرامتي التي أُهدرت على بلاط السجن ومازالت بقاياها موجودة على سياطهم؟!
واصل حديثه وأخبرني: أنني سأظل فترة فى المستشفى حتّى يكتب تقريره، كدتُ أطير من الفرحة، لولا الصدمة التى صدمني إياها فى آخر حديثه، فالمستشفى للأمراض العقلية والعصبية ( مجانين ) .
سحقًا لهؤلاء الأوغاد....! بعد أن قضوا على جسدي، أرادوا أن يقضوا على ما تبقّى من عقلي فى مستشفى للمجانين، فحتى لو خرجت، من سيسمع لمجنون أو يهتم بكلامه؟!
بدأتُ أعيش واليأس رفيقي، أشعر بعيونهم تراقبني فى كل مكان لم أجد سلوى ولا فرجة إلا فى الساعة التى نخرج فيها إلى حديقة المستشفى، وقتها أشعر أني لست الوحيد فى هذا العالم، وأنّ هناك أناسًا يعيشون معي فى ذلك الكوكب .
حاولتُ على استحياء أن أتكلم مع بعضهم ولكن دون جدوى، أرى الخوف يسكن عيونهم، الصمت ثم الصمت هو السمة السائدة لدى كل المجانين، وهذا ما كان يثير فضولي، فعادة يصيب المجانين نوبات من الهيجان والصراخ، ولكن طيلة مدة بقائي لم ألاحظ شيئًا من هذا، ومع مرور الوقت ذاب الخوف وتلاشت الحواجز بيننا، وبدأنا نتقرب من بعضنا، وكانت صدمتي الكبرى...هؤلاء المجانين مثقفون وأصحاب فكر، وعلى درجة علمية عالية، فهم ليسوا بمجانين، بل عقلاء.. نعم عقلاء.
بدأتُ أشعر بإنسانيّتي، نعم.. فأنا أعيش.. أتنفس.. أرى النور.. والأهم أنّي أجالس علماء.
ولكن لم تدم فرحتي كثيرًا، فقد جاء موعد كتابة التقرير، وقتها تمنيتُ أن يكتب الطبيب أنّي مجنون؛ حتى لا أحُرم لذة الجلوس مع هؤلاء المفكرين.
ولم يتحدث معي الطبيب كثيرًا، فقد كانت كلماته قليلة جدًا: ( لقد غيرت حال المرضى، لقد تحدثوا وتجمعوا )
وكتب فى تقريره ( إن " السجين رقم ..." تأكدنا من صحة قواه العقلية، فهو سليم ولا يعاني من أي اضطرابات نفسية، ونوصي بعودته إلى السجن ) صرختُ بأعلى صوتي : لا.....لا....لا، أعيدوني إلى المجانين،
فأنا مجنون .......أنا مجنون....
•••••••••
نقد وتحليل القصة القصيرة
زمرة الأدب الملكية.
فرع القصص.
