زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة _ بقلم: الأديب والناقد / محمد البنا _ في نص « نسختي الأنثوية » بقلم: الكاتبة والناقدة / كنانة عيسى


 



ثنائية الحلم والواقع


قراءة توفيقية 


بقلم الأديب المصري/ محمد البنا


لنص « نسختي الأنثوية »


للمبدعة السورية المتألقة/ كنانة عيسى


...............


النص



« نسختي الأنثوية »


•••••••••••



أحدق جيدًا...

العينان عسليتان، الشعر بني غزير ومنسدل ببساطة،

البشرة قمحية، نقية وعاكسة لجمال قديم، متوسطة الطول في امتلاء خفيف، عفوية، مرحة،ضحكتها تشبه أجراس الكنائس المنسية، لا تحبذ مساحيق التجميل دائمًا، جسدها  الرقيق و  الخالي من الانحناءات يشبه الدمى، ترتدي حذاء رياضيًا خفيفًا (هذا عيب يمكن إصلاحه، ماذا حدث للأحذية النسائية الأنيقة؟ )، تحب الفساتين المورقة بالورود والزهور الملونة وألوان الحدائق، عطرها عفوي وتلقائي وبدائي يشبه ملوحة البحر في يومٍ حارق، شفتاها الرقيقتان بمذاق الزعتر البري اللاذع في معظم الأحيان.

اضطررت لتكميم فمها.. كانت تصرخ بلا توقف. 

وعندما نزعت عن فمها الشريط اللاصق لتشرب القليل من الماء أحاطتني بنظرة خوف وتضرع قائلة:


-أطلقني... ولن أخبر أحدًا عما فعلتَه وعما رأيتُه.. 


كان أمامي امتحانٌ أخير يجب القيام به

كل شيء على مايرام حتى هذه اللحظة، تبقى لي أن أفتش حقيبتها جيدًا..

و عندما وجدته ملقيًا بعبث في حقيبتها الرياضية، لم أصدق..! 

كنت قد انتظرت أسبوعَا كاملًا لشدة انبهاري بها خائفًا من فقدانها هي الأخرى، أهناك من لا يزال يقتني الكتب الورقية؟ 


أحملق فيها وهي مقيدة في قبوي الرطب، تستجدي رجاء وألمَا، تئن في رفق وتوسل،لعلي آذيت كاحلها و يدها عندما قيدتها لكرسيّ الأثير

 كنت أشعر بالأسى وأنا أفعل  لذلك... أعترف. 

نظرتُ إليها جيدًا

 خدها الأيسر ينزف بجمال غريب. 

كدمة زرقاء بدأت بالانتشار على عنقها اللدن. 

عيناها المرتجفتان الدامعتان تستقصيان نجاةً مني. 

أحزنني أن أكون عنيفًا وقاسيًا لكنها لم تتوقف عن طلب النجدة، حينها أوشكت أن أخبرها بسرٍ خطير

وفكرت..

لعلها خائفة لرؤية من سبقنها وقد تكدسن في صناديق أطلّت منها وجوههن القمحية الناعمة والنقية للمرة الأخيرة..

كنت أريد أن  أهمس لها:


- أنت بخير.. لا تخافي.. لا صندوق لك.. فأنت لم تفشلي في الامتحان الأخير.


في غرفة التحنيط التي فاحت منها رائحة الصنوبر

همست لها بصوت جهوري :


لقد وجدتُ نسختي الأنثوية المطابقة، آه.. لو تعلمين..فقط    أنك ستصبحين آلهة فرعونية آسرة ..نحن من نستحق الخلود.. يا عزيزتي.. نحن الذين ما زلنا نقرأ الكتب.



••••••••••••••



Kinana Eissa 15 abril2021



..................


القراءة


.........



يُقال أن بداخل كل ذكر أنثى، وبداخل كل أنثى ذكر، والثابت علميًا أنّ نسبة هرمونات الذكورة تزيد قليلا في الذكر عن هرمونات الأنوثة، والعكس صحيح مع الأنثى...فماذا قدمت لنا القاصة المبدعة من جديد في معالجتها لهذه الحقيقة العلمية، أو لذلك القول المأثور؟

اتكأت القاصة على هذه الحقيقة أو ذلك القول لتخرج لنا بنظرة فلسفية- عن نفسي- أراها متجذرة دون وعي منا في سراديب اللاشعور المتيقظ داخل نفوسنا ( ذكورًا أو إناثا )، فتناولتها بأسلوب رشيق بسيط يبرز لنا ذكر باحث عن أنثاه الداخلية- والتي هى متممة لكينونته النفسية والوجدانية- في أنثى ما بين ملايين النساء يتماهى ظاهرها مع ما اختلقه لاوعيه من ملامح وصفات لأنثاه الداخلية، وزادت من تراجيديا المشهد الفلسفي أن حاكته بقاتل متسلسل، يبحث فيجد ثم لا يلبث أن يكتشف عدم التماهي او المطابقة، فيعتبر ذلك خديعة منها وليس قصورًا منه، فيقتلها ويحنطها، ثم يعاود البحث مجددا، وهكذا يستمر الفشل ويستمر معه القتل والتحنيط، إلى أن يصادفه في بحثه عرضًا الأنثى التي يبحث، ليفاجأ برفضها له، ولتنبئ القاصة من خلال السرد غير المدون إضغامًا أنه ليس  ذكرها الذي تبحث عنه مثلما هو يبحث عن أنثاه، فيتمادي في غيّه ويقرر قتلها والاحتفاظ بها كملكة فرعونية خالدة خلودًا ثنائيًا معه.

وتلك حقيقة أخرى يطرحها النص، إذ ليس بالضرورة أن يتطابق المطلوبان عكسيًا، وبمعنى أكثر تبسيطًا..إن وجدتُ أنا كذكر أنثاي الداخلية، فليس من الضرورة أن أكون أنا ذكرها الداخلي، ومن هنا نخلص لمغزى النص..فليحتفظ كلٌ منا بمكمله داخله ولا يبحث عنه خارجه، فهو كالباحث عن ذرة هليوم في فضاء لانهائي، والمغزى الثاني وهو الأهم من وجهة نظرى أراه أنّ أنثاي الداخلية كينونة تخصني أنا وحدي لا تنفصم عن ذاتي كذكر، فهى موجودة وملازمة وجزء لا يتجزأ مني، وما ينطبق عليّ كذكر يجري مجراه وأحكامه وتوابعه على أي أنثى.

نص بسيط في عرضه بلغة سهلة لا تعقيد فيها ولا مبالغة بلاغية، لغة تناسب تمامًا العمق الفلسفي المطروح فرضًا لا عرضًا كفكرة ينبغي التوقف عندها وتأملها وجوديًا، لأنها وبمنتهى البساطة موجودة شئنا أم أبينا، أقتنعنا أم لم نقتنع.

أما المعالجة فقد تأسست على عنصريين أساسي وعرضي، الأساسي هو البحث والعرضي هو الكتاب الورقي( المعرفة الأصيلة )، فالباحث قاتل متسلسل يبحث عن مواصفات شكلية ( ملامح وصفات )، وجدها في كثيرات من قبل، ولكنه لم يجد العرض الفارق ( الكتاب) ووجده في أخراهن، والقاتل المتسلسل مثقف واع منتمي للأصالة ( التاريخ القديم ممثلًا في الحضارة الفرعونية، والتحنيط) هذا فكره كما صورته لنا القاصة، فالثابت نفسيًا واحصائيًا أنّ معظم القتلة المتسلسلين أصحاب فكر وإن شذّ، إلا أنه فكر، كما أنهم يتلذذون بما يقومون به عن إيمان واقتناع تامين، لا يأتيه شك عن يمينه أو يساره.

وكما قلنا مرارًا من قبل أنّ النصوص التي تتعرض لمنحى نفسي مرضي أو فلسفي، لا تحتمل إفراط بلاغة، ولا صعوبة حبكة، وإنما تقدم في هكذا قالب سهل بسيط سلس، وهو ما فعلته القاصة بجدارة وبكفاءة، وحسنًا فعلت أن قدمت نصًا يتدفق أفقيًا في مجرى نهر هادئ الأمواج يتناسب تمامًا مع هكذا نوعية.



••••••••••••



محمد البنا..١٦ أبريل٢٠٢١










عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية