زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

التناص و الاستلهام _ بقلم: الأديب والناقد / أحمد طنطاوى


 



3 years ago


Ahmed Tantawy 



🔹️التناص و الاستلهام🔹️



.................................


[1]


التناص هو :


استدعاء حدث أو خبر يحمل معنًى أريد أن أؤكده و أصبغ نصى

وجدانيًا به [ عامدًا ] ..

أريد أن ألوِّن النص بهذا الغمام ليظلل القارىء .. ليعيش المتلقى هذا الهطول ,

و يحس القطرات و أنا أسرد عليه نصى الحالى .. أنثر عليه عطرًا قديمًا ليشم به

عطرى الحالى , و يتنسمه جيدًا :

حين أطل القمر , هزت جذع الشجرة بعينيها ..

حين رأت ولعه بروحها همت به آملة أن يغطيها سناه ..

قال له أنا آتيك بها قبل أن يبرح خيالك موطن لهفتك ..

( غلَّقت الأبواب ) مثلا هو استدعاء للغواية بمعناها الواسع ..

إتكاءً على القصة المعروفة .. نحن ننسى على الفور زوجة العزيز و قصتها

مع النبى يوسف عليه السلام , و كذلك قصة سليمان مع الهدد و بلقيس ملكة سبأ ,

لكن نعيش الأثر فقط على أساس تداعى المعانى و التعميم الشعورى .

هى رموز تحيل إحالات مرجعية تفجِّر شظاياها و رؤاها , و تضعنا فى الحالة القديمة

تذهب زجاجة العطر و تُبقى العطر فقط يفوح , و هذه غاية التناص :

أن يتنشلنا ليضعنا فى باحة مؤثثة بأثاث جو متعمَّد

المسألة بالأساس شحنة وجدانية و عملية نفسية تخاطب كلا

من العقل اللاواعى و العقل الواعى أيضا استحضارًا للخلفية

و الجو القديم.  

على شريطة أن يكون الأصل و المرجع معروفًا للكافة أو أغلبهم ,

و على أن يكون توثيقًا بشريًا عامًا خالدًا حتى لو كان مسرحية شهيرة ,

أو رواية لأننا نريد استحضار إيحاءاته و أجوائه , و هذا هو مغزى التناص :

الاتكاء _ وجدانيًا _ على النص القديم  لاستعارة تداعياته الشعورية

ان التناص هو تلك الحديقة الغنـَّاء التى نختارها لنضع فيها حبيبن مشوقين ,

أو تلك الغرفة القدسية المضمخة بالعبق و المسك .. هذه هى مهمة التناص .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أما الاستلهام :

فهو الإعجاب بفكرة لدرجة أن أعيدها _ كمقولة عامة _ فى صياغة أخرى ..

يعنى مثلا مسرحية هاملت تقوم على التردد الفلسفى الحائر و الشك : هل قتل الملك

أبوه و تزوج أمه ؟؟

إذا أخرجت أنا عملا بأحداث أخرى , لكنه يقوم أساسًا على الفكرة نفسها فهذا استلهام لها

........

المعين واحد لكل من التناص و الاستلهام { إنما الفرق فى طريقة الاستعانة و الأخذ

و حدوده } :

الكتب المقدسة

الموروث

الأساطير كأوديب و سيزيف و بروميثوس و غيرها

حرب طروادة

حكايات ألف ليلة و ليلة و سندريللا و الشخصيات الماثلة فى الحس الشعبى

كشهرزاد و شهريار و السندباد البحرى و جحا

أكرر الفرق :

التناص  هو ــــــــــــــــــــــــــــــــــ استعارة التداعيات الشعورية

الاستلهام  هو  ــــــــــــــــــــــــــــــ  اقتباس مجمل الفكرة كلها فى عمل جديد


[2]


التناص إذن هو حوار نصوص .. علاقة بينها , نص يستعين بأجواء نص آخر

ليتلبس النص الأخير روح النص الأول و ألوانه .. و على هذا فهو بين

( نص و نص آآخر { أو نصوص أخرى } ) فهو إذًا [ تفاعل نصى ] يقتضى

وجود [ نص ] سابق ..

أما ضرب الأمثال فى القرآن الكريم , فهو ليس مشاركة نصيه أو تفاعل

مع نص سابق بل هو ( تمثيل و تجسيد تشبيهى بغرض الفهم )

فهذا المثال فى سورة الأعراف :

" فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" (الآية 176)

هو تشبيه للتجسيد و التمثيل و التقريب , و ليس فيه اتكاء على نص آخر

أو استعارة من نص سابق

و هكذا باقى الأمثال فى القرآن الكريم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التناص أداة جمالية لإضفاء عالم آخر و قيمة مضافة مستقاة من

غياهب الماضى لنشر ستارة شفيفية , و نثر عطر خاص على النص الجديد ..

و كأنه وضع لموسيقى تصويرية تساعد النص الجديد على التوهج وجدانيًا ,

فحين أهيىء للمتلقى استدعاء أجواء نص قديم باستحضار إشارات توحى بذلك مثل :

( هئت لك ... قد من دبر ..

لأنسفن حبك فى اليم نسفًا ..

و أملهم باسط جناحيه فى الوصيد ....إلى أخره )

فإنما أنا أضع قارئى فى الأجواء المشابهة و أوفر على نفسى مجهودًا كنت

سأبذله للوصول إلى هذه النتيجة, و تلك الأجواء التى يعطيها النص الأول القديم .

فالتناص إذًا هو الاتكاء على مفهوم سابق يمثل أيقونة ما و يحيل اليها وجدانًيا

و ذهنيًا دون الاستخدام الكامل الحرفى و النقل الطباعى , و بحسب

" جوليا كريستيفا " صاحبة المصطلح هو علاقات متبادلة بين نص

معين ونصوص أخرى ..تفاعل أنظمة أسلوبية كإعادة الترتيب ، والإيماء

أو التلميح المتعلق بالموضوع أو البنية والتحويل والمحاكاة .

فى قصة قصيرة لى بعنوان "طقس و تميمة " كتبت :

" فى البدء كانت اللهفة .. و انعكاسات القمر تطوى الأزمنة الأولى بأناملها

السحرية ...

....

.............


هزت بثينة جذع الشجرة بعينيها , فتساقط المطر يغسل رؤاها العذبة و يرتب

ما تناثر من ذكراه فى روحها المشتتة . "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ها هنا التناص كان مع الإنجيل و قصة السيدة العذراء كما هو واضح , أى

أن التناص " يُستدعى بتداعى المعانى " و بشكل متوارى بعكس الاقتباس الصريح

الواضح المعلن , فعندما أكتب " هئت لك " فقط ... سيُستدعى النص الأصلى

كل زواياه و دلالاته مباشرة و دون التصريح الاقتباسى ..

حين ألتجىء للميثولوجى الأسطورى أو الدينى المقدس , أو الشعرى الموحى

فإننى فقط أستعير ( السماء و الظلال ) و قوس قزح ألون به خلفية النص .

أى أحقق ملامسة ( نص ) سابق لأطبع عطوره و عبقه _ و لا أطبعه هو _

على نصى , كما أن وضع الأيقونات و الصيغ المعروفة تمامًا للجميع

لا تحتاج الى هوامش تُرجعها الى أصولها :

( قال أنا ربكم الأعلى )

( سآوى الى جبل يعصمى )

( بل ليطمئن قلبى )

( فى البدء كانت الكلمة )


[3]


أما الاقتباس الصريح كمصطلح و مفهوم فهو الذى يذكر مرجعه و مصدره :

"انى لم اؤذ أحدًا بالخداع ولم اجعل اقربائى بؤساء ولم ات باية دناءة فى بيت

الحقيقة , ولم اتواطأ مع الشر ولم افعل الشر "

( الفصل 125 من كتاب الموتى)

يمكن أن تكون هذه افتتاحية نص .. افتتاحية شعورية تسبق القصة نفسها ,

ترتبط بها بدلالات قد لا تُرى للوهلة الأولى , لكنها فى الحقيقة فى صميمها ,

لكن السرقة طبعًا غير التناص الذى هو أحد التقنيات الفنية

المعروفة التى أحيلك بها للأجواء التراثية الأولى لتقرأ نصى فى إطارها ,

كمن ينثر روائح المسك فى المكان ليعيش من يحضر أجواء الطهارة ,

و يستحضر النقاء و الخيال و يعود لأيام قديمة ولت , كأن نقول مثلا :

" حين حكت حكايتها قبل الأخيرة ... فى الليلة الألف ..

كانت النوارس لسبب ما تهرب فى جزع نحوشواطىء

من سندس و إستبرق علها تسمع قصة غير حكاياها

المعهودة "

هذا تناص مع ألف ليلة و ليلة كما هو واضح .. أحال

للجو النفسى الذى أريد أن تٌقرأ قصتى على أساسه , و من

يلجأون إليه إنما هم ينظرون بالكثير من الاحترام للموروث

كأقنوم مقدس مصدرًا و معينًا , و يقدرون قيمة الاستدعاء النفسى

الذى يتصف بالسمة الشمولية و التجميعية و التركيبية و المتتالية

كدوائر البحيرة يلقى فيها بحجر ..

فحين أقرأ كلمة [ واحة ] مثلا لا يُستدعى للذهن المعنى الضيق

المحدد للكلمة فقط , بل تُستدعى كل الخبرة النفسية و المعرفية و الوجدانية

و التاريخية أيضًا المتعلقة بالذكريات عن مفهوم [ الواحة ] و كل الأحداث

التى فى الذاكرة و المخيلة المتصلة بها بمنطق ( تداعى المعانى ) و انثيالها المتدفق ,

لذا فالتوظيف التناصى يعتمد على هذه الشبكة من العلاقات الجمالية و الرؤيوية

و المعرفية و النفسية استثارة و استحضارًا و رسمًا و خلفية .

لكن هذه الفائدة لها بالمثل مثالبها , لانها قد تقيد نصى بالنص المتكأ عليه ,

و تجعله أسيرًا له إلى حد ما , و تفقده استقلاله البحت حين تلحق به ,

فالمنتصر فى قتال اعتمادًا على قوته الذاتية غير المستعين بأداة فى القتال ,

فتكون هى سببًا للانتصار , فهو بقدر نتيجته المثلى فى الإفادة , إلا أنه

فى الوقت نفسه اعتراف ضمنى بالعجز عن الوصول بالقارىء إلى المبتغى

بالوسائل الأدبية الذاتية الخاصة , كونه استناد إلى عامل آخر للتصوير

كما أنه أيضًا محفوف بالاخطار العظمى :

و منها : الابتذال , و كثرة الاستخدام و التكرار للرمز نفسه ,

فالصور المغرية كثر استعمالها بشكل يكاد يكون بغيضًا فى كثرة و سهولة

استخدامه كـــــــــــــ :

قد من دبر

و هئت لك

و الصلب

و سيزيف .... إلى آخره , بالشكل الذى أفقدها توهجها , مما قد يشكِّل

معضلة أمام المستخدم الجديد له

الخطر الثانى هوالمبالغة و طغيان التناص و عدم المهارة فى استخدامه

فى المكان و الوقت المناسب فيكون كمساحيق التجميل التى تفسد كثرتها

وجه الفتاة .

و عيوب التناص إذًا _ كما ذكرت _ تتمثل فى أن الاتكاء على نص سابق هو تمثيل

للعجز عن استحضار الصور العصرية الجديدة , كما أن هذا الاتكاء

يتضمن صورًا قديمة وواقعًا مغايرًا لا ينطبق غالبًا _ روحيًا _على الواقع الحالى ,

و أخيرًا هو يحمل نوعًا من التبعية الفكرية


[4]


الاقتباس هو نقل كامل بين تنصيصتين يحيل لكلام آخر .. ليس كلام الكاتب ,

و هو يظهر هذا صراحة و ينقله كما هو لغرض يخدم النص

( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ )

( فى البدء كان الكلمة )

" عيناكِ غابتا نخيل ساعة السحر "

و الاستشهاد هو إعطاء معلومات عن مصدر يمكننا الرجوع إليه .

الوظيفة و الهدف واحد , الاستشهاد و الاقتباس تدليل على سمة ( الغيرية )

و بالتالى المفارقة _ أى مفارقة هذا الجزء { المقتبس أو المُستشهد به } _

و انفصاله عن النص الأساس .. بعكس التناص فهو [ تداخل ] النصوص

و اندماجها

و ليس ضروريًا أن يقتصر الاقتباس على القرآن الكريم و الحديث الشريف

و الشعر فقط .. بل هو مفتوح لكافة صنوف المعرفة يمكن الاقتباس منها

أما مسألة الإشارة إلى المصدر من عدمها فهى ليست ذات بال , فمن منا يحتاج

إلى أن يُذكر له صراحة أن :

( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ )

هى آية فى سورة يوسف تحكى عن امرأة العزيز ؟

أو أن

( فى البدء كان الكلمة )

هى أول الإنجيل" يوحنا " ؟؟

و الحقيقة أن النص الأدبى يفترض قدرًا و لو قليلا من معرفة البديهيات ,

و كثرة الإحالات و الاستشهادات المرجعية للاقتباس المعطى ( المستشهد

به ) سيجعل النص أشبه بالكتاب المدرسى أو الدراسة البحثية التى تعتمد

على التوثيق إذا تعددت الاقتباسات


[5]


و هذه المفاهيم :

التناص

الاستلهام

الاقتباس

تحيل إلى { اللاوعى الجمعى } ليونج الذى هو

تأثير متبادل بين الدائرة الذاتية و الدوائر الجمعية ...

قال ألبير كامو قبلا هذه الفكرة :

" ان عصر المفكرين الكبار قد انتهى , و ان أغلب الأفكار الأساسية قد

قيل منذ زمن بعيد , و ما يحدث فقط هو مجرد إعادة معدلة لهذه الأقكار التى

ابتكرها القدماء "

ما هو إذًا مفهوم الجدة و الابتكار فى الأدب و الفن , و ما هو المعيار الذى

يقاس عليه التقليد و المحاكاو فيها ؟

ان أغلب موضوعات الأدب _ كما يقول بعض الأدباء _ قد نُقل عن

موضوعات سابقة عليها فى الوجود , فكثير من موضوعات شكسبير

قد نُقل عن " بوكاشيو" و مآسى راسين عن ؛ إيروبيدس" " و سوفوكل" ,

و اشيل عن " هوميروس" , و جوته فى قصته فاوست عن " كريستوفر مارلو " ,

و بعض أعمال موليير عن " سكارون " و لوب دى فيجا " .

و قد اختلف النقاد فيمن يفضلون : أول من طرق الفكرة أم من صاغها بعد

ذلك صياغة جديدة و برؤية أخرى ربما استطاعت تصوير هذه الفكرة

تصويرًا أعمق و أكثر نفاذًا فى ذهن القارىء؟

و يبدو أن أكثرهم قد اتفق على قبول الجانب الثانى من هذا التساؤل , فالحياة

فى تدفق مستمر , و الرؤى تختلف باختلاف الأماكن و الأزمان حتى لو كان

الموضوع الذى تتناوله وجهات النظر هذه هو موضوع واحد ينصب فى

النهاية على الإنسان و علاقته بالآخرين و بالأشياء , فقيمة العمل الأدبى

تكمن فى آخر الأمر فى كيفية التناول و المعالجة أكثر منها فى ابتكار

فكرة و استحداثها . .

ان الآثار الأدبية الإغريقية زاخرة فعلا بأغلب ما يمكن أن يُقال عن المعانى

الإنسانية من عشق و كراهية و مناصرة و انتقام ووهن و قوة , ذكرت

فى ثناياها أخبار الحروب , و علاقة الإنسان بالقدر و القوى الخفية ذكرًا مستفيضًا ,

إلا أن هذه المعانى و المشاعر و العلاقات الإنسانية _ و التى سبق تناولها _

لا يمكن أن تقبل لسعتها و اختلاطها و تشابكها عرضًا و تأويلا واحدًا بأى

حال من الأحوال , فهناك أدباء معاصرون أمكنهم أن يروا فى بعض شخصيات

و أفكار هذا الأدب الموروث ملامح و زوايا جديدة , و أن يعطوها بعدًا آخر ,

فالكاتب المسرحى " يوجين أونيل " مثلا استطاع فى مسرحيته ( الحداد

يليق بألكترا) أن يجعل هذه الدراما _ التى استعار فكرتها القديمة للعنة العائلة

من " ايسخيلوس" _ قوية , واضحة المعالم , و أن يغدق على بطلته شيئًا من

الهيبة المأساوية كما يقول " لويس مارتر" , و استطاع " راسين " من قبله

_ و من خلال استعمال الاإشارات و المشابهات الميثولوجية _ أن يجعل

العواطف الملازمة للشخصيات { و المدمرة لها } فى مسرحيته [ فيدرا ]

منسجمة مع الأساطير البطولية لعصر سابق من عصور التاريخ الإنسانى

ما يقول " هنرى بيير " .


[6]


و ثمة تفسير مقنع لمثل هذه المحاولات الجيدة

لتناول بعض الآثار القديمة و علاجها من جديد يتمثل فيما قاله

" توماس مان "من أن الأسطورة نسق لا زمانى لأنها مستمرة الحضور

كتذكير دائم بالعود الأبدى للشىء نفسه , لذلك يجوز تصور أبطالها نماذج

لا زمانية للوجود الإنسانى كرموز تقترح التكرار الدائرى للشىء نفسه ,

أو لوضع إنسانى مشابه يمكن أن تُعاش ثانية فى دلالتها على وضع يدوم

خارج المكان و الزمان , مع أنه يعبر عنها فى تفاصيل الشخصية الفردية

بمكان و زمان معينين .

و قريب من هذا _ و إن كان ذو اتجاه معاكس _ تناول الحاضر نفسه تناولا

يحاول جعله مستقلا أيضًا كالأسطورة , و استقلال الحاضر هنا هو بمعنى

إمكان تناوله عدة مرات و من زوايا مختلفة , فالحدث الواحد فى نفس المكان

و الزمان يمكن رؤيته من عدة أوجه لاختلاف شخصيات و طبائع الممثلين له ,

و لتباين درجة تأثيره فى كل منهم , و هذا ما عُرف بمحاولة تطبيق النظرية

النسبية فى الأدب و تتجسد هذه المحاولة تجسيدًا رائعًا فى" رباعية الإسكندرية "

للروائى لورانس داريل

إن الفن عمومًا يبدأ بالمحاكاة و التقليد و يقول " ألكسندر إليوت " فى ذلك إن المرء

يقلد و يستمر فى التقليد كثيرًا أو قليلا , عن وعى أو فى غير وعى , فالفن العظيم

يدعو الإنسان دائمًا إلى ممارسة الحرية عن طريق المحاكاة , و ربما قصد

إليوت أن الحرية هى حرية استعمال الإنسان لعقله و روحه بغرض استلهام

تفسير جديد لحدث معروف من قبل , و يبدو أيضًا أن هذا ما كانت تأمل فيه

المحاكاة القديمة , حتى و إن لم تدر ذلك , و بالرغم من كونها جاهدت فى سبيل النقل

الصارم , فذاتية الإنسان و تفرده لا يمكن أن يفارقانه حتى أثناء النقل

و محاولة التقليد ,

و فيما يتصل بالاقتباس الصريح , فغالبًا هو متعمد و مقصود , كما فى شعر

إليوت مثلا الذى ضمنه مقتبسات عديدة من شعراء آخرين , و ذلك ليوحى بوعيه

الواسع للماضى و يزيد عنه كما يقول " ماثيسن " زيلدة كبرى فى مضمونات أبياته ,

و ذلك بالكشف الضمنى عن التماثل ( و عن المفارقات أيضًا ) بين حياة العصر

الحاضر و حياة العصور الأخرى .


[7]


التناص أحد مظاهر تماهي الإبداعات داخل منظومة العلاقات

البشرية على امتداد العصور القائمة على الحوار و تبادل الخبرات

و الثقافات و الأفكار \ أ. رجاءالبقالى نقلا عن الآراء السابقة فى تعليق لها

على الموضوع

ــــــــــــــــــ

كلمة ألبير كامو المشار إليها سابقًا , و فكرة يونج عن اللاوعى الجمعى ,

إنما هو رسم [ عام و شامل ] لتناقل الخبرات البشرية عبر القرون

لتصبح [ إطارًا عامًا ] لكنها بالضرورة غير محددة بواقعة معينة متحيزة ,,

أى يجب التفرقة بين المقولات الكبرى و الجوهر و الأفكار الأساسية :

كالحب

و الخيانة

و النضال

و التساؤل

و الموت

..... إلى آخره , و هى التى تشمل ( مجمل الحياة الإنسانية ) منذ البداية

إلى يوم القيامة , و بين [ تعيُّن ] الواقعة فى تجسيد معين :

كتردد هاملت ـــــــــــــــــــــــــــــــ بالذات

و قسوة الليدى ماكبث ــــــــــــــــ بالذات

و عقوق بنات الملك لير ـــــــــــــــ بالذات

و هكذا .....

أى تمركز هذا المعنى العام ( الدائرة الكبرى ) فى نقطة صغيرة محددة بذاتها هى

التى يُرجع إليها لأستدعى ما لازمها من مشاعر وجدانية أريدها تحديدًا فى

نصى الجديد , و طبيعى أن الفكرة العامة لن تستدعى هذه المشاعر التى أبغيها ,

فلا يُقال أن التناص تم مع فكرة الشك و التهور بشكل عام ( كمقولة ) , بل

ان التناص تم مع واقعة عطيل بالذات و شكه فى خيانة ديدمونة تحديدًا ,

و هكذا فى باقى التناصات على اختلافها

فأنا فى الحقيقة لا أستطيع أن أستوعب أن التناص يتحقق مع التجربة الإنسانية

بعامة و مع كل الخبرات البشرية فى مجملها و شمولها , فهذا تعميم لا أفهمه

لأنه لن يستدعى معه المشاعر كما ذكرت , بل سيستدعى الأفكار العقلية

[ العامة ] الملائمة لكل مقولة



•••••••••••


{  أحمد طنطاوى }


« تمت المقالة القديمة »


ــــــــــــــــــــــــ
















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية